القضايا العربية في أولويات الرئيس المصري الجديد

  • 31 يوليو 2012

أثار وصول الدكتور محمد مرسي، المنتمي إلى جماعة "الإخوان المسلمين"، إلى سدة الرئاسة في مصر علامات استفهام عديدة، منها ما يتعلق بالسياسة الخارجية التي درجت على اعتبار الدائرة العربية الأولى في اهتماماتها مقارنة بالدوائر الأخرى. وكان التساؤل الرئيسي هنا عن الدائرة الإسلامية، وإمكانية قفزها إلى صدارة أولويات دوائر السياسة الخارجية المصرية في عهده، ولاسيما أنها تشمل بالضرورة الدول العربية كافة. غير أن اللافت في البرنامج الانتخابي للدكتور محمد مرسي أنه احتفظ بالدائرة العربية كدائرة أولى، وتلتها الدائرة الإفريقية ثم الإسلامية. وهو الترتيب نفسه الذي أتت به "فلسفة ثورة 1952" لجمال عبد الناصر منذ نحو ستين عاماً، وإن كان ترتيب عبد الناصر وفق الأهمية من وجهة نظره، فيما تحدّث مرسي عن الموازنة بين دوائر الانتماء المختلفة.

غير أن عبد الناصر كان قد ركّز في "فلسفة الثورة" بخصوص الدائرة العربية على الدور القيادي لمصر، وعلى مقاومة الاستعمار والاحتلال الأجنبيين. أما مرسي فقد بدأ عناصر الدائرة العربية بالقضية الفلسطينية فتحدث عن "تأييد الشعب الفلسطيني في نضاله المشروع لنيل حقوقه وبناء دولته وتحرير أراضيه، ودعم مواقفه على الساحة الدولية، والتنسيق مع الدول ذات السياسات المؤيدة للحقوق الفلسطينية بمختلف انتماءاتها الجغرافية وتوجهاتها السياسية"، وهو أمر لا يمثل تناقضاً أيضاً مع رؤية ثورة يوليو باعتبار أن فلسطين هي المعركة الباقية من معارك التحرر الوطني التي أعطتها "فلسفة ثورة يوليو" الأولوية المطلقة.

ويلاحظ في الصياغة التي تضمنها برنامج الرئيس المصري عن تفاصيل الموقف من القضية الفلسطينية أنها صياغة عامة، تتحدث عن حقوق وبناء دولة وتحرير أراضٍ، وكلها، كما نعلم، مفاهيم يُختَلف حول تفسيرها. فهل تشمل الحقوق حق العودة مثلاً؟ وهل المقصود بالدولة الفلسطينية دولة تتعايش مع الكيان الصهيوني في إطار حل الدولتين، أم هي، كما تقول حماس مثلاً، دولة يتكون إقليمها من كافة الأراضي الفلسطينية التي اغتُصبت منذ عام 1948؟ وقد يكون في الغموض فائدة لعدم التورط مبكراً في مواقف تسبب تعقيدات في الحركة. لكننا على صعيد التحليل لا نملك سوى الكلمات المكتوبة، وبعض من الخبرة العملية. يلاحظ كذلك أن الرئيس المصري لم يأت على ذكر الصراع العربي-الإسرائيلي، والتزامات مصر التعاقدية مع إسرائيل، وتنطبق فكرة الغموض هنا أيضاً، وكذلك حيرة المحلل في إدراك تفاصيل مهمة، واضطراره مع ذلك إلى الاعتماد على ما هو مكتوب.

ومن اللافت أن الأولويات التي تلت القضية الفلسطينية هي نفسها أولويات نظام مبارك، وهي بالترتيب: الدائرة الخليجية، ودائرة العمل العربي المشترك، وقد تحدث برنامج مرسي عن "إحياء" الدور المصري في بناء العلاقات العربية-العربية، فيما استخدم تعبير "قيادة" عملية إصلاح الجامعة العربية، وليس مفهوماً مغزى هذا الاختلاف، الذي يمكن أن يكون لفظياً، وإلا وجب الحديث عن "إحياء" للدور بكافة أبعاده أو عن دور "قيادي" لمصر في الوطن العربي. وبعد العمل العربي المشترك أتى الوزن الخاص للعلاقات مع السودان، والحديث عن "شراكة اقتصادية بين البلدين"، وأخيراً ثمة نص عام غامض نوعاً ما يتحدث عن انفتاح مصر على كافة الدول العربية، ولاسيما بلدان الخليج (وهو ما سبق أن احتل أولوية ثانية لدى الرئيس مرسي بعد القضية الفلسطينية)، كذلك يبدو إهمال دول المشرق العربي غريباً؛ لأن العلاقة المصرية معها ذات طابع استراتيجي، كما يلفت النظر الحديث عن تحالفات مصرية رسمية و"شعبية"، وليس معروفاً كيف ستبنى هذه التحالفات "الشعبية"، وما إذا كان المقصود منها الاعتماد على تنظيمات "الإخوان المسلمين" في الوطن العربي. وأخيراً، لم يأت البرنامج على أي موقف من الثورات العربية، خاصة السورية، التي ما زالت مستمرة ضد حكم البعث وآل الأسد.

تساعد المقارنة دون شك على استجلاء الحقيقة التي يسعى إليها الباحث، وبتطبيق المنهج المقارن، تم اختيار برنامجي اثنين من أهم مرشحي الانتخابات الرئاسية، وهما السيد عمرو موسى، باعتباره من أنصار الدولة المدنية، فضلاً عن خبرته في المجال الخارجي، والسيد حمدين صباحي، وهو أيضاً من أنصار الدولة المدنية، إلا أنه يزيد على ذلك بخلفيته القومية والناصرية. ويلاحظ أن موسى قدم رؤية مغايرة لرؤية مرسي، حيث بدأ بالإشارة إلى التغيّرات العربية والعالمية التي تفرض إعادة النظر في مختلف أبعاد السياسة الخارجية المصرية دون مساس بالهوية العربية والإسلامية والإفريقية لمصر (بهذا الترتيب)، ثم أخذ بعد ذلك يتحدث عن المصالح المصرية في العالم، وأعطى الأولوية لمصالح الجاليات المصرية التي يزداد عددها في مختلف دول العالم (ومعنى هذا تساوي الدائرة العربية مع غيرها، بل قد تتراجع لحساب بلدان غير عربية يزيد فيها عدد المصريين عن مثيله في البلدان العربية)، ثم المصالح الأمنية وتحقيق الاستقرار والأمن الإقليمي (وللدول العربية فيه دور مهم، لكن أهميتها هنا قد تتراجع لحساب قوى إقليمية مثل تركيا وإيران)، وانتهى إلى أن تحقيق هذه المصالح يتم في مجال حيوي ذي أبعاد ثلاثة، على رأسها بعد عربي مع امتداده الشرق أوسطي (مرة أخرى ليس معروفاً على وجه التحديد موقع الدول العربية فيه)، وهو الوحيد الذي استخدم مفهوم الشرق الأوسط.

رتب موسى على ما سبق عدداً من السياسات، واعتبر الذود عن مصالح أبناء مصر في الخارج وحقوقهم وصون كرامتهم أولوية أولى، وكان نصيب الدائرة العربية من هذه السياسة هو الإشارة إلى المشكلات والمعوقات التي تواجه المصريين في مناطق معينة، والعودة إلى الثوابت المصرية التاريخية في التعامل مع القضية الفلسطينية كإحدى أولويات أمن مصر القومي، وكذلك من منطلق أخلاقي تقديم كافة أنواع الدعم للشعب الفلسطيني في دفاعه المشروع للحصول على حقوقه وإقامة دولته المستقلة ذات السيادة. وهو هنا يتفق مع مرسي في مضمون السياسة، لكنه يزيد عنه في أمرين: أولهما أنه اعتبر صراحة حدود 4 يونيو 1967 حدوداً للدولة الفلسطينية، والمبادرة العربية أساساً لحل الصراع العربي-الإسرائيلي (لم يتحدث عنه مرسي أصلاً). أما الأمر الثاني فهو الحديث الواضح عن احترام كافة الالتزامات القانونية المصرية بما في ذلك المعاهدة المصرية-الإسرائيلية، بشرط أن يحترمها الطرف الآخر، وألا تشكل عائقاً أمام ممارسة مصر سيادتها، كذلك اتفق موسى مع مرسي في خصوصية العلاقة مع السودان، وتحدث عن التعاون مع الدول العربية لوضع أسس نظام عربي جديد "تعود من خلاله مصر إلى "ريادتها" العربية كأولٍ بين متساوين، وليس بمنطق الزعامة الذي ساد في الخمسينات والستينات"، وهو ما يقابل طرح مرسي لدور قيادي مصري في عملية إصلاح الجامعة العربية بصفة خاصة، كذلك تحدث موسى عن المساهمة بفاعلية في وضع أسس نظام إقليمي جديد في الشرق الأوسط يحفظ أمن كافة دوله، ويتضمن التوصل إلى تسوية نهائية وعادلة للصراع العربي-الإسرائيلي، وإقامة منطقة تشمل إيران وإسرائيل، وتكون خالية من السلاح النووي وكافة أسلحة الدمار الشامل، وهي مهمة طويلة الأجل وبالغة التعقيد دون شك، وتقتضي تغييرات جذرية في سياسات الأطراف الأساسية للمعادلة الإقليمية.

أما حمدين صباحي، فكان أكثر الثلاثة اختصاراً، وأشار إلى أن مصر عادت بالفعل بثورتها إلى وزنها الطبيعي عربياً وإقليمياً ودولياً (وهو حكم غير دقيق، والأدق أن يقال إن مصر بثورتها أصبح بمقدورها أن تعود…)، وكان أول حديثه عن السياسات هو علاقات الجوار كمصدر لتعزيز قدرات مصر التنموية، وليس مفهوماً هنا ما إذا كان يشير إلى مفهوم دول الجوار في التحليل السياسي، بمعنى أنها الدول التي تقع على حدود النظام العربي ولا تنتمي إليه، أو يستخدم المفهوم بالمعنى اللغوي بحيث يشمل دولاً عربية. كذلك تحدث صباحي عن السعي لعودة مصر إلى دوائرها الطبيعية كقائدة للعالم العربي (وهو ما يتناقض مع ما سبق ذكره عن عودة مصر إلى وزنها الطبيعي)، ودعم حقوق الشعب الفلسطيني والمقاومة المشروعة ضد الاحتلال (وهو ما لم يأت في أي من البرنامجين السابقين). وفي الحديث عن الصراع العربي-الإسرائيلي وعد بإيقاف تصدير الغاز للكيان الصهيوني (وهو ما تم بالفعل قبل الانتخابات الرئاسية) دون عودة إلى الحرب معه؛ لأن حربنا الأولى ضد الفقر والفساد ومن أجل النهضة والتنمية في مصر، وفيما يتعلق بالالتزام بمعاهدة السلام المصرية-الإسرائيلية ترك الباب مفتوحاً أمام مراجعتها بالنص على أنها محل التزام واحترام "في إطار ما تقرره مؤسسات الدولة المنتخبة ديمقراطياً، وما يقرره الشعب المصري في استفتاء على أي من المعاهدات التي قد تحتاج مراجعات"، وأخيراً تحدث البرنامج عن تحالف عربي- تركي-إيراني تبادر به مصر.

يتضح من المقارنة أن برنامج مرسي كان الأكثر ترتيباً وتقليدية (حيث قدم موسى رؤية غير تقليدية كما سبقت الإشارة)، واقتصر صباحي على تحديد مواقف معينة تجاه القضايا العربية، وتحدث الجميع عن القضية الفلسطينية على نحو متشابه، وإن كان مرسي الأكثر عمومية، بينما كان حديث موسى محدداً في أمور مهمة مثل حدود الدولة الفلسطينية والمبادرة العربية كأساس لحل الصراع العربي-الإسرائيلي بغض النظر عن أن موقفه هو الأكثر اعتدالاً، وبينما تجاهل مرسي الحديث عن الحفاظ على التزامات مصر التعاقدية فإن موسى كان صريحاً في تأكيد الالتزام بها طالما احترمها الطرف الآخر، وفتح صباحي الباب للمراجعة بقرار من المؤسسات المنتخبة واستفتاء الشعب المصري، كما كان الوحيد الذي تحدث عن دعم المقاومة الفلسطينية المشروعة ضد الاحتلال. وقد اتفق الثلاثة على إعطاء اهتمام خاص للعلاقات المصرية-السودانية، وإن اختلفوا على العلاقة مع دول الخليج، فقد أعطاها مرسي أولوية ثانية بعد القضية الفلسطينية بينما أثار موسى مسألة المشاكل التي يواجهها المصريون العاملون في هذه الدول، واكتفى مرسي بالحديث عن علاقة مميزة مع تركيا، ولم يأت على ذكر مسألة الاستقرار الإقليمي (من المفهوم ضمناً أن يشمل إيران)، فيما تحدث صباحي صراحة عن مبادرة مصر بإقامة تحالف عربي-تركي-إيراني. ومن الواضح أن مرسي هو الأكثر حساسية لإثارة موضوع العلاقة مع إيران بأي شكل من الأشكال تجنباً لإشكاليات يمكن أن تحدث مع دول الخليج، وكان موسى هو الوحيد الذي تحدث عن الحفاظ على مصالح المصريين في الخارج وحقوقهم وكرامتهم، واتفق الثلاثة في تجاهلهم مسألة الموقف المصري من الثورات العربية.

وإذا كانت المقارنة أداة تحليلية مفيدة، فإن التطبيق مهم أيضاً. صحيح أن مرسي أكمل شهره الأول كرئيس للجمهورية، ولكنه كان حريصاً على أن تكون المملكة العربية السعودية أول دولة يزورها بعد توليه المنصب بما يتسق وتركيزه على العلاقات المصرية-الخليجية، كما أنه أبدى اهتماماً خاصاً بالقضية الفلسطينية، ويلاحظ أن العلاقات مع حماس كانت في قلبه، وهناك حديث محدد عن تغيير طبيعة معبر رفح من معبر للأفراد إلى معبر للسلع أيضاً بما يقلّل أو حتى ينهي اعتماد غزة على إسرائيل، كما تردد أن تزويد قطاع غزة بالكهرباء قد أصبح أكثر من ذي قبل، وأثارت الشائعات أن المسألة تنسحب أيضاً على المحروقات المطلوبة لتشغيل محطات الكهرباء في غزة، وهي خطوات جيدة دون شك في إدارة الصراع العربي-الإسرائيلي شريطة أن تأتي ضمن القدرات المصرية، حيث يعاني الشعب المصري أزمة طاقة في هاتين السلعتين تحديداً، وإلا يٌخشى من أن يُنظَر إلى دعم قطاع غزة باعتباره مرتبطاً بهوية حماس بوصفها فرعاً من فروع تنظيم الإخوان المسلمين، وهو ما يعني أن يكون تأييدها نابعاً من هذه الرابطة أساساً، وليس من مقتضيات الأمن المصري.

Share