القرصنة: فرصة أم قيد على الأمن القومي العربي؟

د. عبدالعزيز شادي: القرصنة... فرصة أم قيد على الأمن القومي العربي؟

  • 15 ديسمبر 2008

انتابني شعور بالحيرة عندما دُعيت في سبتمبر/أيلول الماضي (2008) إلى حضور مؤتمر في مدريد حول تداعيات الراديكالية الإسلامية في شمال أفريقيا والقرن الأفريقي على الأمن في أوروبا؛، فلم أتوقع وجود صلة مباشرة بين الراديكالية الإسلامية في القرن الأفريقي من جانب، وأمن جنوب أوروبا من جانب آخر. غير أن زيادة كثافة حوادث القرصنة في خليج عدن وسواحل الصومال أزالت هذه الحيرة؛ فمن خلال الممرات المائية المهمة التي تطل عليها دول القرن الأفريقي يمر نحو 30% من حجم تجارة النفط، ناهيك عن مرور نحو 16000 سفينة تحمل بضائع متنوعة من أوروبا إلى أفريقيا وآسيا والعكس، وإذا أضفنا إلى ذلك ما تمتلكه تلك المنطقة من ثروات بحرية ومعدنية هائلة، يتضح لنا وجود قدر هائل من التشابه في تداعيات كل من الإرهاب والقرصنة على السلم والأمن الدوليين.

 وإذا كان تهديد الأمن والسلم الدوليين قد نبع في الماضي من تصرفات الدول؛ فإن الإرهاب والقرصنة، أصبحا الشكلين المعاصرين لتهديد السلم والأمن الدوليين في أعقاب سقوط سور برلين وانهيار الاتحاد السوفيتي؛ حيث ظهرت فواعل دولية جديدة ليست لها صفات الدولة، وهي فواعل غير حكومية عنيفة Violent non-state actors تتحدى كل ما يتعلق بالمصالح الاستراتيجية والقيم العليا للقوى الكبرى والإقليمية، بأساليب تنتمي إلى الماضي وبتقنيات معاصرة.

 ورغم أن القرصنة ظاهرة قديمة مرتبطة بتهديد حرية الملاحة ومهاجمة السفن والسطو عليها إما لسرقة محتوياتها أو لطلب فدية، إلا أن ظهورها بكثافة في منطقة القرن الأفريقي عام 2008، ولاسيما أمام شواطئ الصومال وفي خليج عدن جعلها تمثل تهديداً لمصالح الاقتصاد العالمي، فضلاً عن تعطيل وصول المساعدات الغذائية إلى الصومال، التي تعاني بدورها من الجفاف والمجاعة بسبب الحروب الأهلية، إضافة إلى تهديد البيئة بكارثة تسرب كميات من النفط ، فضلا عما توفره القرصنة من أموال وأسلحة ومؤن وموارد لحركات التطرف في منطقة القرن الأفريقي.

 ويبدو أن دورة حياة القرصنة في منطقة خليج عدن وسواحل الصومال قد بدأت منذ فترة طويلة، لكنها توقفت إلى حد ما عندما تولت المحاكم الإسلامية مقاليد الأمن عام 2006، لكن التدخل الأثيوبي لإزاحة المحاكم الإسلامية أعاد للقرصنة حيويتها من جديد؛ فأمراء الحرب في الصومال عادوا مرة أخرى لمباشرة أنشطتهم؛ فقاموا بتجنيد العديد من الصوماليين الذين فقدوا وظائفهم بسبب المنافسة الدولية في مجال صيد الأسماك، وضموا عدداً من خفر السواحل الصوماليين الذين تم تسريحهم، ووظفوا عدداً من خبراء التقنية الاتصالية المرتزقين من الروس وغيرهم، وكونوا عصابات للقرصنة تتراوح أعدادها إجمالا بين 1000 إلى 2000 قرصان، توزعوا على أربع عصابات رئيسية.

 وقد ترعرعت تلك العصابات في بيئة دولة فاشلة هي الصومال، التي أضحت ساحة لصراع إيرادات محلية وإقليمية ودولية. وتمتعت ظاهرة القرصنة بقدرة هائلة على التكيف والتطور في أدواتها؛ حيث امتلكت سفناً لتخزين المؤن والسلاح، وحصلت على أسلحة وصواريخ وأدوات اتصال مرتبطة بالقمر الصناعي، ولانشات سريعة، وموارد بشرية تزداد احترافاً وتتعلم فن التفاوض للوصول إلى أهدافها بكفاءة. بعبارة أدق، أصبحت ظاهرة القرصنة أكثر تعقيداً وسرعة وخطورة، ووصلت في دورة حياتها إلى مرحلة النضج.

 ويتضح ذلك النضج في تزايد عدد هجمات القراصنة التي تقدر بـ 84 هجمة عام 2008، وإن كان المكتب الدولي للملاحة البحرية بلندن قد قدرها بـ 60 هجمة، كما أن هناك مؤشرا آخر على خطورة هذه الظاهرة وتطور حجمها؛ فبعد أن كانت الفدية التي يطلبها القراصنة محصورة في مئات الآلاف من الدولارات، وصلت إلى 30 مليون دولار في حالة السفينة الأوكرانية التي حملت دبابات وأسلحة، مما جعل العمل بالقرصنة أكثر جاذبية للصوماليين والمرتزقة، وأضاف تطور قيمة الفدية إلى أسعار الشحن والتأمين وأسعار السلع ارتفاعات جديدة باتت تهدد الاقتصاد الدولي، ودفعت بعض شركات الملاحة إلى تغيير مساراتها بعيداً عن البحر الأحمر وخليج عدن وقناة السويس إلى رأس الرجاء الصالح لتجنب القرصنة، الأمر الذي ترتب عليه ظهور تهديدات جديدة لمصالح قوى إقليمية ودولية وشركات متعددة الجنسية.

 وفي مواجهة هذه التهديدات، ولتأمين تلك المصالح، تباينت المواقف والسياسات التي اتبعتها تلك القوى والشركات؛ فعلى المستوى الدولي استدعت القرصنة، شأنها في ذلك شأن الإرهاب، تدخلاً دولياً من الأمم المتحدة؛ حيث أصدر مجلس الأمن الدولي ثلاثة قرارات مهمة، هي القرارات (1814، 1816، و1838) والتي أضفت شرعية على التدخل العسكري البحري الدولي من قبل الدول المتضررة في سواحل الصومال وخليج عدن، وترتب على ذلك وصول سفن حربية من حلف الناتو، وقوة مساندة من الاتحاد الأوروبي وسفن حربية روسية وفرنسية وماليزية وهندية وجنوب أفريقية إلى سواحل الصومال وخليج عدن. وقد قامت هذه السفن بتأمين وصول المساعدات الغذائية للصومال، وإنقاذ بعض السفن التجارية من الوقوع في أيدي القراصنة، وتقديم بعض المعونات الطبية والفنية للبحارة الذين تم إنقاذهم. ورغم امتلاك السفن الحربية الأوروبية والأمريكية لإمكانيات عسكرية هائلة، إلا أنها لم تقض نهائياً على ظاهرة القرصنة.

 ويجدر التنويه هنا إلى أن السرعة في الاستجابة الدولية بإرسال قوات وسفن بحرية حربية عكست الاقتراب الدولي القائم على التعامل مع أعراض المشكلة وليس جوهرها؛ فللقرصنة أسباب هيكلية مرتبطة بالوضع في الصومال. أما عن الإشكاليات التي ارتبطت بالاقتراب الدولي؛ فهي متعلقة بالأوضاع القانونية للقراصنة الذين تم القبض عليهم؛ حيث ثارت قضية اختصاص المحاكم التي حوكموا أمامها، ومدى توافر ضمانات حقوق الإنسان في الدول التي تمت فيها هذه المحاكمات، وهي نفس الإشكاليات القانونية التي ثارت بشأن محاكمة الإرهابيين؛ فالفواعل غير الحكومية العنيفة، التي تهدد السلم والأمن الدوليين، تحتاج إلى محاكم ذات اختصاصات جديدة وضمانات حقوق إنسان جديدة، تختلف عن محاكمات مجرمي الحرب.

 وقد استدعت الحرب على القرصنة هواجس ومخاوف بعض القوى الإقليمية؛ فقد خشيت الدول المطلة على البحر الأحمر من تداعيات هذا الوجود العسكري المكثف على سيادتها وأمنها ومصالحها الاستراتيجية، حيث أثار بعض المحللون احتمالات تدويل أمن منطقة البحر الأحمر، وهو مطلب إسرائيلي قديم يهدد كون البحر الأحمر بحيرة عربية، وبناء على هذه التحليلات تقدم القرصنة فرصة ذهبية للقوى الدولية المؤيدة لإسرائيل لتقليص سيطرة العرب على البحر الأحمر، وبالغ بعض المراقبين بتأكيد وجود أجندة خفية لهذا الوجود العسكري في تلك المنطقة الاستراتيجية القريبة من منابع النفط، والتي باتت، من وجهة النظر الغربية، موضع تهديد نتيجة تزايد اعتماد الصين عليها، وسعي إيران لتطوير أسلحة نووية، مما استدعى هذا الوجود العسكري الأوروبي الأمريكي الآسيوي لتأمين تلك المنابع من أطماع الصين وإيران.

 ثمة تشابه بين الحرب على الإرهاب والحرب على القرصنة؛ ففي الحالتين استغلت القوى الدولية تهديداً نابعاً من الشرق الأوسط والقرن الأفريقي لتكثيف وجودها العسكري الدولي بالقرب من منابع النفط، ووصل الأمر إلى احتلال دول وممرات بحرية دولية لتأمين مصالحها الاستراتيجية تمهيداً لفرض ترتيبات محلية وإقليمية ودولية جديدة تخدم تلك المصالح في ظل تهاوي وفشل دول كالعراق وأفغانستان والصومال. وإذا كانت الدول العربية قد تعاونت في الحرب على الإرهاب في أفغانستان، واتخذت مواقف معارضة ضد غزو العراق، فإنها لم تبلور بعد رداً مؤسسياً فاعلاً على الوجود العسكري الكثيف في خليج عدن وسواحل الصومال لمواجهة القرصنة.

 لقد رفض مجلس الأمن والسلم العربي التابع لجامعة الدول العربية تدويل المشكلة، ودعت مصر واليمن إلى اجتماع بالقاهرة لتنسيق الجهود بين الدول العربية المطلة على البحر الأحمر لمواجهة تلك الظاهرة على أساس أن تلك الدول هي المسؤولة عن تأمين وحماية هذا الممر البحري، لا سيما في ظل تفاقم التداعيات الاقتصادية والأمنية لظاهرة القرصنة. ودعا العرب إلى ضرورة التعامل مع جذور ظاهرة القرصنة المتمثلة في الأوضاع الهشة بالصومال، ولكنهم لم يعترضوا، في الوقت نفسه، على التعاون مع قرارات مجلس الأمن ومع القوى الدولية وفقا لقواعد القانون الدولي التي تحترم سيادة الدول ومياهها الإقليمية. كما ظهرت دعوات لإقامة مراكز تنسيق وتجميع معلومات وتخطيط باليمن، التي تعد من أكثر الدول تأثراً بهذا الوجود العسكري البحري الكثيف.

 إن عدم بلورة إرادة سياسية عربية مؤسسية للتعامل مع ظاهرة القرصنة يفتح المجال أمام القوى الدولية لتكون هي الأكثر حركية، وهكذا تتحول الهواجس إلى كوابيس على أرض الواقع لتهدد الأمن القومي العربي على المدى البعيد؛ فالمعروف أن الوجود العسكري الدولي لن يراعي بالضرورة مصالح وأمن الدول العربية المطلة على البحر الأحمر، والغريب أن التهديدات الجديدة التي جسدتها الفواعل غير الحكومية العنيفة (الإرهاب والقرصنة) لم تحفز الدول العربية على إدراك ما وراء الستار؛ فلماذا لا نتساءل عن سبب ترك النظام الدولي لظاهرة القرصنة كي تنمو وتتطور وتتغول إلى هذا الحد؟ هل عجز النظام الدولي بكل إمكانيته العسكرية والتقنية عن التعامل مع هذه الظاهرة قبل أن تصل إلى هذا المستوى من الخطورة؟ الإجابة على هذا السؤال هي أن النظام الدولي ينتظر مرحلة أعلى من مظاهر نمو القرصنة تتيح له مزيداً من التدخل والتوغل لإجراء الترتيب الاستراتيجي الذي يريده في هذه المنطقة كما فعل ويفعل في الحرب على الإرهاب؛ فالقرصنة والإرهاب تقدمان فرصاً هائلة للقوى الدولية، كان يمكن للعرب أن يستغلوها لصالحهم، لكنهم يفضلون دائماً الوقوف في حالة ترقب وانتظار تهدد أمنهم على المدى البعيد، وعندئذ لن نلوم إلا أنفسنا؛ فنحن نمتلك أدوات وأوراق أكثر فاعلية في محاربة ظاهرتي الإرهاب والقرصنة، ولكن هل نستيقظ ونستعملها أم نظل مترقبين؟

Share

الفعاليات المقبلة

إصدارات