القرار 1559: ورقة ضد سورية مخاضها عسير في لبنان

د. بشارة نصار شربل: القرار 1559 ـ ورقة ضد سورية مخاضها عسير في لبنان

  • 17 أكتوبر 2004

مهما قيل في القرار 1559 الصادر عن مجلس الأمن والمطالب خصوصاً بانسحاب القوات السورية من لبنان بأنه استحقاق أملاه التحدي السوري لرغبة واشنطن وباريس بانتخاب رئيس لبناني جديد وعدم تعديل الدستور، فإن السرعة في إصداره لا تسمح بتصنيفه في إطار المفاجآت ولا في إطار رد الفعل المباشر على حدث طارئ. والواقع يشير إلى أن الطريق المفضي إلى تنفيذه مليء بألغام، تفكيكها ليس بالأمر اليسير، ودون التسليم ببقائها صراع مصالح وإرادات يحمل نذر مخاطر متنوعة سيتحمل لبنان القدر الأكبر من انعكاساتها، وسيكون فيها سلمه الأهلي البارد على محك الاختبار. وهذا أمر جرى التعبير عنه بوضوح في خطاب الرئيس بشار الأسد الأخير.

ليس القرار 1559 الذي استعجلت الولايات المتحدة وفرنسا إصداره في مجلس الأمن في الثاني من سبتمبر/أيلول الماضي أي قبل يوم واحد من قيام مجلس النواب اللبناني بالتمديد للرئيس إميل لحود مدة ثلاث سنوات، محض مصادفة أو استجابة بريئة لرغبة لبنانيين كثيرين في رؤية بلدهم ينعم بالسيادة والاستقلال، وقواهم الذاتية تحرس أمنه، ومبدأ تداول السلطة يحترم بلا استثناء، بل هو خصوصاً مفترق في العلاقات بين واشنطن ودمشق في لحظة إقليمية خطرة انزلق فيها الأمريكيون إلى حرب استنزاف في العراق لا يحتملون معها تعاوناً سورياً بارداً في الشأن العراقي، ولا يستسيغون أن يتصرف القادة السوريون إزاء وجودهم على الحدود وانتشارهم في المنطقة كما لو أنهم في عز الحرب الباردة، ينتظرون التطورات، ويشدون على النواجذ في انتظار نكسة كبيرة تصيب المحتل الأمريكي، أو يفركون أيديهم سعادة لطلب واشنطن المساعدة في إعادة ترتيب البيت العراقي.

القرار 1559 هو في الوقت نفسه مفترق في علاقة فرنسا مع سورية التي شهدت على مدى السنوات الماضية تطورات إيجابية كثيرة وانتهت إلى خيبة أمل فرنسية إزاء تمسك سورية بالتمديد للحود ودعمها المطلق له في مواجهة رئيس الحكومة رفيق الحريري، وبالتالي إفشال خطته للخروج من أزمة الديون وإنهاض الاقتصاد التي صاغها بالاعتماد على صديقه جاك شيراك. هذا إضافة بالطبع إلى الموقف الفرنسي التقليدي المؤكد على سيادة واستقلال لبنان وانسحاب القوات الأجنبية منه، معطوفاً على تهميش طوعي في العراق وخسارة عقود نفطية في دمشق وخلوية في بيروت، ما يدفع إلى رغبة جامحة في التعويض عبر معاودة تأكيد الدور خصوصاً في بلد اعتبر دائماً قريباً لفرنسا التي ساهمت في رسم كيانه وهويته وأسست لجعله مختبراً للتعايش بين الأديان ونموذجاً مطلوباً في زمن انقسام العالم إلى فسطاطين.

ولا يمكن تفسير صدور القرار 1559، وما تبعه من مشروع قرار أمريكي-فرنسي جديد لتكثيف الضغوط على سورية لحملها على الانسحاب من لبنان، فضلاً عن الأنباء عن توجه واشنطن نحو تشديد العقوبات الاقتصادية على دمشق، بالمبادئ وحدها، ولا بالظروف الإقليمية التي تملي هذا الخيار. فمما لا شك فيه أن واشنطن باتت تعتبر أن هناك ملفاً سورياً ضخماً وجاهزاً في أروقة الإدارة والكونجرس على السواء لا يتردد دبلوماسيون أمريكيون في التأكيد أنه مفتوح على مصراعيه للنقاش والحساب بغض النظر عن الأشخاص أو شكل الإدارة أو حزب الرئيس الأمريكي. وهو ملف شائك ومعقد وذو ثلاثة عناوين أمنية ومالية وسياسية، وكل منها يحتاج إلى أسلوبين يسيران على انفراد أو بالتوازي، هما الضغط والحوار، من غير أن يعني التجاوب قبض أثمان مقابلة، ومن دون أن ينتظر من التعاون الحصول على أكثر من كلمة شكر أو تربيت على الكتف.

هذا المنظور الأميركي يتعامل معه اللبنانيون بطريقتين. واحدة يعبر عنها المعارضون للنفوذ السوري المتألمون من التجارب مع الأمريكيين، فلا يصدقون أن الولايات المتحدة تسير حتى النهاية في سعيها إلى ما يسميه متشددوها "تحرير لبنان"، ويخشون تخليها عن كل قرارات الكونجرس والوعود في مقابل مساومة مع دمشق لو قدمت "تنازلات" في العراق وفي موضوع المنظمات الفلسطينية المقيمة لديها والمتهمة أمريكياً بالإرهاب، لتأخذ بدلاً منها تجديداً لتفويضها في لبنان تحت شعار حماية الأمن ومنع الأصوليين من الانتشار وحماية السلم الأهلي من طوائف يدها على الزناد ومستعدة للتقاتل لو أسلس لها القياد.

أما الطريقة الثانية فهي طريقة اللبنانيين الموالين لدمشق وهم خصوصاً أهل السلطة وما يلوذ بها من قوى سياسية وأحزاب، وهؤلاء يملؤهم الحبور لقناعتهم بأن سورية قوة إقليمية قادرة في النهاية على عقد اتفاقات "تحت الطاولة" مع الأمريكيين تبقي نفوذها في لبنان، وهؤلاء فئة تراهن على ذكاء دمشق وقدرتها على الصبر والانتظار وعلى تحمل المخاطر وسياسة حافة الهاوية المفضية دائماً إلى ثمن تدفعه من أوراق زائدة جمعت في أوقات سابقة سمحت بالحصاد.

رغم كل التأكيدات الأمريكية والتصريحات المعلنة بأن سياسة واشنطن إزاء لبنان جزء لا يتجزأ من قناعاتها خصوصاً بعد حادثة 11 سبتمبر وما فرضته من نظرة استراتيجية جديدة في المنطقة سواء تضمنت نظاماً موعوداً لشرق أوسط كبير أو إصلاحات تناسب "سلم القيم" الأميركية في كل بلد من البلدان، فإن القاسم المشترك لدى اللبنانيين هو أن الدفع القوي في اتجاه إصدار القرار 1559 ومن ثم تقرير كوفي أنان الذي يؤكد عدم تنفيذ متطلبات مجلس الأمن سببهما حسابات تتعلق بالنظرة الأمريكية إلى الدور السوري في المنطقة أولاً وأخيراً. فإضافة إلى أن واشنطن لم تعد تنظر بتسامح إلى أدوار إقليمية للدول خارج حدودها، فإنها سحبت بالتأكيد التفويض الذي أعطته لدمشق لضبط "الساحة اللبنانية" في انتظار التسوية. وإزاء هذا الواقع الذي فرضته أجواء ما بعد 11 سبتمبر والتماهي الأمريكي مع نظرة أرييل شارون إلى السلام مع الفلسطينيين والسوريين يستحيل تجنب خلاف عميق بين واشنطن ودمشق كونه ينهل من تعارض أيديولوجي فاضح ومن تعاكس في فهم المصطلحات. فلا السلام الشامل عبارة موحدة تعني الانسحاب الكامل من الجولان، ولا "الإرهاب" قابل لتعريف موحد، ولا واشنطن مستعدة للضغط على إسرائيل أو لتذكر قرارات الأمم المتحدة ومجلس الأمن المتعلقة بالنزاع العربي-الإسرائيلي.

القرار 1559 إذاً هو ضربة لدمشق في خاصرتها الرخوة التي هي لبنان الذي هو أيضاً مكمن قوتها الخارجي شبه الوحيد. فهي على مدى السنوات الماضية تخلت عن كمية من الأوراق واستنفدت أدواراً ساهمت فيها، ولكن بعد نزاعات مريرة وقسط كبير من العناد. أما أن تتخلى عن لبنان فهي مسألة أكبر من استطاعتها وأكثر من أن يتحملها النظام السوري. كذلك لا تنفصل محاولة قطع المدى الحيوي لنفوذ سورية في لبنان عن انطفاء الأمل الذي عقدته أوروبا والولايات المتحدة على التغيير الداخلي في سورية بعد تسلم الرئيس بشار الأسد الرئاسة. فهذا الأمل أصيب بنكسة قوية ناجمة عن قراءة مبالغ فيها لقناعة النظام السوري في إجراء تغيير شامل وجذري في مجمل بناه، وعن قراءة منحازة وغير واقعية لواقع المنطقة في ظل جمود عملية السلام والاحتلال الأجنبي للعراق وشعور أهل المنطقة بالاستهداف في أنماط حياتهم ومعتقداتهم وثقافتهم.

بقدر ما يبدو القرار 1559 من المراقب الخارجي وكأنه يتضمن شروطاً بديهية لدولة ذات سيادة، بقدر ما يحمل في طياته بذور المشكل الداخلي في لبنان. فالمطالبة باحترام المؤسسات الدستورية وانتخاب رئيس جديد بلا تدخلات تقابله إرادة جزء من اللبنانيين، سواء قيل إنهم مارسوها تحت الضغط أم بحرية، في تعديل الدستور والسير في ركاب الرغبة السورية في هذا الإطار. أما مطالبته بحل ميليشيا "حزب الله" فتقابله أيضاً رغبة فريق من اللبنانيين يعتبرون الحزب مقاومة يجب أن تستمر حتى انتهاء الصراع العربي الإسرائيلي. ثم إن المطلب الكبير وهو الانسحاب النهائي للقوات السورية فدونه استعداد أحزاب وقوى للقتال لمنع حصوله، لأنه يفضي حتماً إلى ضرب نفوذ طبقة سياسية أوجدها ويحميها، أو لأنه يؤدي إلى فصل المسارين السوري واللبناني وتحييد لبنان من الصراع مع إسرائيل. وبالتالي فإنه مشروع نزاع داخلي كبير يحمل في طياته خطر تعرض السلم الأهلي للأخطار بقدر ما هو مخاض نحو سيادة مطلقة للبنان وممارسة سياسية تحاكي الديمقراطيات العريقة تنتهي بفرح الخلاص وبباقات الزهر ونثر الرياحين.

Share