القدس أولاً وقبل كل شيء

  • 6 ديسمبر 2017

يجب أخذ الحديث عن توجّه الرئيس الأمريكي، دونالد ترامب، لنقل سفارة الولايات المتحدة من تل أبيب إلى القدس، والاعتراف بالقدس عاصمة لـ «إسرائيل» بجديّة تامّة، سواء أعلن ترامب، كما تتحدّث بعض المصادر، ذلك اليوم الأربعاء أو تمّ تأجيله؛ فمن شأن هذه الخطوة أن تحدث تغييراً كلياً في السياسة الأمريكية التي كانت تحرص على ترك المسائل الخلافية -برغم أن القدس ليست منطقة متنازعاً عليها- للمفاوضات بين الطرفين؛ ولهذا فالأمر على قدر كبير من الأهميّة لانعكاساته وتداعياته الخطيرة، وهذا يستدعي بالضرورة تحركاً عاجلاً ليس على مستوى جامعة الدول العربية ومنظمة التعاون الإسلامي فقط؛ وإنما على مستوى دولي وعالمي أوسع أيضاً، وقد حذرت دولة الإمارات العربية المتحدة من تداعيات خطيرة لهذه الخطوة التي ستضفي المزيد من التعقيدات على النزاع الفلسطيني – الإسرائيلي وتعطل الجهود الحثيثة القائمة لإحياء عملية السلام؛ فالقدس تحظى بمكانة مقدّسة لدى العرب والمسلمين والمسيحيين على حدّ سواء؛ وهي محور عملية السلام، وهي فوق هذا وذاك أرض محتلة، وقد صدرت عشرات القرارات الدولية التي تؤكد أنها جزء لا يتجزّأ من الأراضي العربية التي احتلتها «إسرائيل» في عدوانها على الدول العربية عام 1967؛ بل هي وكل ما يرتبط بها غرباً وشرقاً بما فيها ما يسمّى الآن «القدس الغربية» يقعان ضمن قرار التقسيم الذي أصدرته الجمعية العامة للأمم المتحدة في نوفمبر عام 1947، والذي تم بموجبه تقسيم أرض فلسطين بين العرب، سكان البلاد الأصليين والقاطنين فيها منذ آلاف السنين، واليهود، الذين قدموا إليها مهاجرين من كل حدب وصوب. وقد تمّ تجاوز هذا القرار منذ عقود، وما يجري الحديث عنه الآن هو الأراضي التي احتلت عام 1967 وهي الضفة الغربية وقطاع غزة؛ وهذه كلّها تشكّل 22 في المئة من مساحة فلسطين التاريخية.

ومن المعروف أن العرب والفلسطينيين وقبل قبولهم الذهاب إلى مدريد قبل أكثر من ربع قرن، تلقوا ضمانات أمريكية مكتوبة تنصّ على أسس عملية السلام -التي تحتضر، بل غير الموجودة منذ سنوات بسبب سياسات الاحتلال وتعنّته- وكانت تلك الضمانات تستند إلى قرارات مجلس الأمن الدولي الملزمة، وفي مقدّمتها القرار 242 الذي يطلب صراحة من إسرائيل الانسحاب من الأراضي التي احتلتها عام 1967؛ وقد أكدت الإدارات الأمريكية المتعاقبة مرجعية هذا القرار؛ كما صدرت عشرات القرارات الأممية والبيانات من مختلف دول العالم، بما فيها الولايات المتحدة الأمريكية، التي تعتبر الاستيطان في الضفة الغربية، بما فيها القدس الشرقية غير شرعي؛ وقد دان قرار مجلس الأمن رقم 2334 -الذي صدر في ديسمبر 2016 ولم تعترض عليه واشنطن، بل اعتُبر امتناعها عن التصويت عليه دعماً له- الاستيطان الإسرائيلي في الأراضي المحتلة، وأكد مخالفته للقانون الدولي وطالب بإزالته. إذن نحن هنا أمام قضية واضحة وهي أن القدس كما هي فلسطين عربية ويجب أن تكون عاصمة للدولة الفلسطينية المنتظرة؛ وهذا أمر يجمع عليه المجتمع الدولي الذي أكد عبر المؤتمرات الكثيرة التي عقدت حول القضية الفلسطينية والبيانات الرسمية المتكررة وتصريحات القادة ورؤساء الدول المختلفة ضرورة إقامة دولة فلسطينية على الأراضي المحتلة عام 1967 بما فيها القدس الشرقية؛ ومن ثم لا يُتصور أن تكون هناك دولة فلسطينية قابلة للحياة والاستمرار من دون أن تكون عاصمتها القدس. وهناك إجماع عالمي على خطورة الأمر وتحذيرات من أن أي مساس بوضع القدس ستكون له عواقب وخيمة؛ ولا نستطيع أن ننسى أن دخول اليميني المتطرّف أرييل شارون عام 2000 باحة المسجد الأقصى وتدنيسه لها قد فجّر الانتفاضة الفلسطينية الثانية التي عرفت بانتفاضة الأقصى، كما فجّرت غضباً عربياً وإسلامياً، ودولياً واسعاً؛ ومن ثم فلا شكّ في أن أي قرار يتجاوز القدس وما قررته الشرعية الدولية ويجمع عليه المجتمع الدولي ستكون له تداعيات خطيرة، وسيقود إلى غضب عارم على امتداد العالمين العربي والإسلامي، كما سيزيد من حالة التوتر التي تعانيها المنطقة، وسيغذّي التطرف والعنف، فضلاً عن كونه سيقوّض جهود تحقيق السلام التي يقول ترامب نفسه إنه يعمل على إحيائها وإعطائها زخماً جديداً بعد فشل آخر جهود أمريكية قبل سنوات عدّة، حيث تحدثت مصادر البيت الأبيض عن اعتكاف مستشاريه لبلورة خطة تسوية سياسية بين الفلسطينيين والإسرائيليين؛ والعرب مستعدون للمساعدة، ولكن كيف يمكن تحقيق ذلك من دون القدس؟!

شارك

الفعاليات المقبلة

إصدارات