القاعدة من العلاقة بطهران إلى أفريقيا: جردة حساب 2006

مراد بطل الشيشاني: القاعدة من العلاقة بطهران إلى أفريقيا... جردة حساب 2006

  • 17 يناير 2007

يلحظ المتابع لشؤون تنظيم "القاعدة"، أن جردة حساب العام المنصرم 2006، ليست في صالحه، بدءاً من مقتل "أميره" في العراق، "أبو مصعب الزرقاوي"، مررواً بالقبض على العديد من الخلايا المتعاطفة معه أو ذات العلاقة التنظيمية المرتبطة به في أوروبا والعالم العربي، وليس انتهاءً بإحباط عددٍ من عملياته التي وصفت بـ "التدميرية"، ومن أبرزها خلية مطار هيثرو.

ومع ذلك فإن العام المنصرم شهد عدداً كبيراً من الأشرطة لقيادات "القاعدة"، من "أسامة بن لادن" (المقل في الظهور الإعلامي في السنوات الأخيرة عموماً)، وساعده الأيمن "أيمن الظواهري"، وبعض القيادات الأخرى التي قد توصف بـ "الجديدة"، والتي يتوقع أن يكون لها دور في المراحل المقبلة، مثل "أبو حمزة المصري" في العراق، والهاربين من سجن قاعدة "باغرام" في أفغانستان السعودي "محمد القحطاني"، والليبي "أبو يحيى"، إضافة إلى الأشرطة العامة مثل "جحيم المرتدين"، في كل من الصومال والجزائر، وشريط "الجهاد في تركستان الشرقية"..إلخ. وقد لوحظ على تلك الأشرطة، أنها تحوي جرعة زائدة في الحديث عن الأوضاع الفلسطينية، و"الأطراف الإسلامية" (هذا إن افترضنا صحة القول بوجود مركز وأطراف في العالم الإسلامي)، فيما تراجع، بدرجة أو بأخرى، الحديث عن "الجهاد في العراق"، الذي طالما عد الفرصة الذهبية لـ "جر الأمريكيين لمعركة في قلب العالم الإسلامي".

وكان لافتاً ترافق هذا التراجع مع تراجع الخطاب الطائفي التحريضي لدى التنظيم، على الرغم من تصاعد العنف الطائفي بالمقابل، بالدرجة التي سعى لها التيار ويعتقد أنه ساهم بها، وفقاً للرسالة التي حصلت عليها القوات الأمريكية، وكانت مرسلة من "الزرقاوي" إلى "الظواهري" قبل مقتله في يونيو الماضي. كما أن "القاعدة" لم يسجل لها موقف واضح ضد الطائفة الشيعية أو "الرافضة"، كما يسمونها في الأوساط السلفية، التي تشهد بدورها، بفعل التوتر الطائفي، تحولات غاضبة، لمزيد من "الردكلة" وتبني الخطاب السلفي-الجهادي المتشدد. وغني عن القول إن هذا "الغضب الطائفي" امتد نحو الشعوب العربية الأخرى مع الشكل الطائفي الذي اتخذته عملية إعدام الرئيس العراقي السابق "صدام حسين"، وليس أدل على ذلك من مواقف حركات إسلامية عدة، كـ "الإخوان المسلمين" في غير قطر عربي، كانت تحسب من ذات "العلاقات الجيدة" مع طهران.

ومع كل هذا التوتر الطائفي لم يظهر للقاعدة أي إشارة صوتية أو مرئية أو "تفجيرية"، بهذا الخصوص، وهو ما يوقف المتابع أمام احتمالين أساسيين: الأول، أن للقاعدة بالفعل علاقات مع إيران، كما زعمت بعض التقارير والدراسات، كالقول بلقاء القائد العسكري لـ "حزب الله" "عماد مغنية" بـ"أسامة بن لادن"، أو أن "سيف العدل" الرجل الثالث في القاعدة يعيش في طهران، ويعد رجلها في التنظيم، وغيرها من المؤشرات التي يوردها مفترضو تلك العلاقة المزعومة. وفي حال ثبت أن "القاعدة" على علاقة بطهران، فإنها ستفقد جمهوراً سلفياً مؤيداً، و"جمهور سلفي آخر" سيؤيدها كلما ازداد التشاحن والاحتقان الطائفيين في المنطقة.

الاحتمال الثاني، هو أن القاعدة تخطط لعملية "كبيرة" "مدوية" تعيد لها جمهورها الذي فقدته في عمليات نفذها التنظيم ضد المدنيين فأثارت الاستياء، وعلى ذلك فإن عملية من هذا القبيل ستسعى إلى أن تكون متعددة الأهداف.

غياب هذين الاحتمالين، قد يشير إلى أن تنظيم "القاعدة"، حتى بـ "لا مركزيته"، تراجع، وبات عاجزاً عن الحركة. ولكن نشاط التيار في تونس ومواجهاته مع السلطة، وبثه أشرطة على نمط "القاعدة" في الجزائر، وتزايد الخلايا التي قبض عليها في المغرب، وأيضاً دعوة "الظواهري" للجهاد عبر العمليات الانتحارية ضد القوات الأثيوبية في الصومال، وأنابيب النفط التي تتفجر يومياً في نيجيريا، ودعوات "بن لادن" و"الظواهري" السابقة للتوجه نحو دارفور في السودان، كلها تشير إلى أن الرهان القادم للقاعدة سيكون على أفريقيا. وإذا كان النشاط المتزايد للقاعدة في شمال أفريقيا مرده إلى التضييق ضد السلفيين-الجهاديين في أوروبا، والذين بدؤوا يعودون إلى بلدانهم، فإن أفريقيا تبقى قارة بكراً أو "خام" للنشاط فيها، ولذلك يلاحظ أن دعوة الظواهري للـ "الجهاد ضد الأثيوبيين" جاءت بعد أن انسحبت المحاكم الإسلامية من العاصمة؛ لأن نمط العمليات الانتحارية هناك سيلفت الانتباه أكثر نحو "الحرب الصليبية ضد المسلمين الأفارقة"، مما يسهل عملية التجنيد في صفوفهم، في الوقت الذي ستوفر فيه المناطق الأفريقية "ملاذاً آمناً" للسلفيين-الجهاديين، لدعم ونقل المعركة إلى قلب العالم الإسلامي، فلسطين.

ويلاحظ في هذا الإطار أن القاعدة تراهن على فشل حماس في الاستمرار بالسلطة، لتبرهن على أن "الخيار الأمثل، إن لم يكن الأوحد هو "الجهاد"، وهي ترى في الفوضى الأمنية الحادثة في مناطق السلطة الفلسطينية واستمرار الاحتلال الإسرائيلي، فرصة للتسلل إلى هذه المنطقة، خاصة أن النواة الفكرية للجماعات السلفية-الجهادية بدأت تتشكل في ظل تلك البيئة السياسية القائمة في الضفة الغربية وقطاع غزة.

وفي الوقت ذاته، يلاحظ المراقبون، أنه وبتأثير الغزو والاحتلال الأمريكي للعراق، بدأت مناطق لبنانية كمخيم عين الحلوة، ومناطق سلفية سنية تقليدية أخرى، تشهد تزايداً للتأثير الإيديولوجي السلفي-الجهادي، لاسيما مع توارد الأخبار عن متطوعين خرجوا من تلك المناطق إلى العراق، وتم الاحتفاء بهم بأساليب دينية ودعائية زادت من جاذبية هذا التيار في صفوف الشباب، والمعدمين منهم بدرجة خاصة. كما تشير بعض التقارير إلى أن مقتل رئيس الوزراء اللبناني السابق "رفيق الحريري"، أفقد الطائفة السنية موقعاً متميزاً لها، خاصة وأن ورثته، غير قادرين على لعب الدور الذي كان يقوم به لصالح السنة في لبنان، وهو ما قد يمثل دافعاً للبحث عن أيديولوجيات "حاضنة" تعبر عن هذه الطائفة والنزعات الأولية لجمهورها.

على ما سبق، فإن المشهد القادم، الجغرافي منه على الأقل، يشير إلى أن تنظيم القاعدة يسعى إلى تشكيل نوعٍ من الحزام لاختراق المنطقة يمتد من شمال أفريقيا وحتى القرن الأفريقي (اليمن بدورها أعلنت أنها اتخذت إجراءات لمنع تدفق إسلاميي المحاكم الصومالية إلى أراضيها، كما أعلنت الولايات المتحدة الأمريكية أنها أرسلت قوة بحرية لغلق منافذ الصومال أمام الإسلاميين دخولاً وخروجاً)، وهو بالتالي ما يؤكد عدم تخلي "القاعدة" عن العراق، كـ "ملاذ آمن"، ولكنها قد تتريث في عملياتها هناك لحين حدوث "مواجهة طائفية شاملة" يستدعي فيها الطرفان متطرفييهم، وهو ما يبدو أنه بدأ يحدث فعلاً، بالشكل الذي يمنح نشاطها غطاءً وقبولاً في أوساط السنة العرب. وفي الوقت ذاته، تراهن "القاعدة" أو التيار السلفي-الجهادي بالأصح على "الفوضى الأمنية" الفلسطينية وفشل "حماس"، واستمرار التوتر في لبنان، مما يمكنها من التسلل (ليس بالضرورة كأفراد بل كأفكار) إلى "قلب العالم الإسلامي"، وتكون إلى ذلك الحين قد عادت لترفع من مؤشر شعبيتها بين أوساط الجماهير العربية، من خلال التأكيد على الافتراق الطائفي القائم في المنطقة.

Share

الفعاليات المقبلة

إصدارات