القاعدة في باكستان

د. عبدالعزيز شادي: القاعدة في باكستان

  • 25 أغسطس 2008

عندما أعلن بن لادن عام 1998 تأسيس جبهته للجهاد ضد اليهود والصليبيين، كان "فضل الرحمن خليل"، زعيم حركة المجاهدين الباكستانية، أحد الموقعين على البيان الأول الصادر عن هذه الجبهة، والذي تضمن تشريع فتوى الجهاد. وعندما وقعت تفجيرات بالي 2002، وتفجيرات مدريد عام 2004، وتفجيرات لندن عام 2005، برز على السطح الدور الحيوي الذي تلعبه معسكرات التدريب الباكستانية في التخطيط والإعداد للعمليات الإرهابية التي تمت بواسطة عناصر تنتمي لتنظيم القاعدة، اتخذت من المنطقة القبلية المجاورة للحدود الأفغانية-الباكستانية ملاذاً آمناً، ومكاناً للتدريب والتخطيط، لا سيما بعد إعلان الحرب على الإرهاب في أفغانستان عقب أحداث الحادي عشر من سبتمبر 2001.

ورغم اختيار الرئيس الباكستاني "برويز مشرف" الانحياز للولايات المتحدة في الحرب على الإرهاب، وذلك من خلال المشاركة بنحو 100 ألف جندي في الحملة ضد حركة طالبان وتنظيم القاعدة ومحاولة تأمين حدود بلاده، واعتقال وقتل حوالي 700 من قيادات القاعدة الاستراتيجيين والقائمين على عمليات التخطيط والتمويل، رغم ذلك استطاعت القاعدة إعادة تنظيم صفوفها، والانتشار شمالاً وجنوباً في منطقة القبائل وإقليم وزيرستان، وفي العديد من المدن والمناطق الأخرى المهمة مثل كويتا وبيشاور وبلوشستان.

الانحياز الباكستاني للولايات المتحدة والغرب في الحرب على الإرهاب أثار استياء تنظيم القاعدة، الذي بدأ ينظر إلى النظام الباكستاني باعتباره نظاماً عميلاً وخائناً يشكل خطراً على "المجاهدين"، وهو الأمر الذي أكده بوضوح الرجل الثاني في التنظيم، أيمن الظواهري، الذي وصف الجيش الباكستاني، في الرسالة التي بعث بها إلى الزرقاوي في يوليو/تموز 2005، بأنه الخطر الأكبر على الحركة الجهادية، بسبب ما يقوم به هذا الجيش من عمليات تمشيط وبحث عن "المجاهدين" في المناطق القبلية وفي إقليم بلوشستان والإقليم الشمالي الغربي، واتهم الظواهري الجيش الباكستاني بالعمالة.

ولم تقتصر تلك الاتهامات للنظام الباكستاني بالعمالة على تصريحات قادة تنظيم القاعدة، بل امتدت إلى القيادات الدينية في منطقة الباشتون، وإلى زعماء الأحزاب الإسلامية، الذين بدؤوا ينظرون إلى برويز مشرف على أنه عميل للغرب وللولايات المتحدة، ومجرد دمية تحركها واشنطن كيفما تريد، بل إن بعض القيادات الحزبية والدينية أصبحت تطلق على مشرف اسم "موش" "Mush" على وزن "بوش".

وفي أعقاب إعلان السلطات البريطانية وجود دور باكستاني في تفجيرات مترو أنفاق لندن، اتخذ مشرف مجموعة الإجراءات لمحاربة جذور التطرف الديني في باكستان، وشملت تلك الإجراءات إصلاح الخطاب الديني، ومحاصرة قيادات العنف، وطرد طلاب المدارس الدينية الأجانب، وزيادة رقابة الدولة على إنشاء تلك المدارس وتمويلها؛ إلا أن تلك الإجراءات لم تنجح في مواجهة جماعات التطرف داخل باكستان، والتي تشكل حاضنة مهمة لفكر واستراتيجيات القاعدة. ويمكن تفسير سبب عدم فعالية هذه الإجراءات التي اتخذها مشرف في احتواء التطرف الديني وتقليص نفوذ القاعدة، بالعوامل الآتية:

أولا: زيادة تأثير حركة طالبان الأفغانية في منطقة وزيرستان، واحتضان قبائل الباشتون للقيادات الطالبانية، لدرجة أفضت إلى تكوين حركة طالبان باكستان، التي استطاعت أن تثبت قدرة هائلة على تحدي الجيش الباكستاني في المناطق التي خضعت لسيطرتها، وقد قامت تلك الحركة الجديدة بقتل نحو مائتين من زعماء القبائل المتعاونة مع الجيش الباكستاني ومع الولايات المتحدة.

ثانيا: وجود قيادات عسكرية داخل الجيش والمخابرات الباكستانية متعاطفة مع حركة طالبان الأفغانية. وتبرر تلك القيادات تعاطفها هذا بأن الحركة تشكل ركيزة استراتيجية لمواجهة النفوذ الإيراني، وكذلك الهندي، في أفغانستان وفي إقليم كشمير ومناطق الحدود الأفغانية-الباكستانية.

ثالثا: استمرار المدارس الدينية المنغلقة التي تتبنى التفسير الضيق والمتطرف لأمور الدين في باكستان، وزيادة عدد الطلاب الأجانب في هذه المدارس، واستمرار الدعم الذي تتلقاه من بعض الدول الإسلامية التي تتبنى نفس التفسيرات المنغلقة والمحرضة على كراهية الغرب والولايات المتحدة.

تفاعلت كل هذه العوامل في تحويل إقليم وزيرستان إلى ملاذ آمن لكل الحركات الجهادية الأجنبية، ولتنظيم القاعدة بشكل خاص، ولم تستطع الحكومة الفيدرالية في إسلام آباد السيطرة عليه، لا سيما أن ثقافة تلك المناطق قبلية تحمي الضيف وتكرمه، وتمنع عنه أية محاولات للقبض عليه. وقد حاولت المؤسسة العسكرية الباكستانية بأساليب الترغيب تارة، وبأساليب الترهيب تارة أخرى، أن تقضي على تلك العلاقة الحميمة بين القبائل وطالبان والقاعدة، لكن النتيجة كانت في صالح هذا التحالف الثلاثي.

وبشكل عام، تنامى نشاط القاعدة والجماعات المرتبطة بها، وتنوعت عملياتها في باكستان؛ حيث استهدفت سفارات أجنبية مثل سفارتي مصر والدانمارك، وقامت بأكثر من محاولة لاغتيال الرئيس مشرف، وشاركت في التخطيط لعملية الاغتيال التي أنهت حياة زعيمة المعارضة بي ناظير بوتو، التي قتلت في نهاية احتفال سياسي في مدينة روالبندي في نهاية العام 2007، ناهيك عن دعم بعض المنظمات المتحالفة مع القاعدة، والتي تبنت خطابها المعادي للولايات المتحدة والغرب، وعلى رأس تلك المنظمات "حركة المجاهدين" ومنظمة "جيش محمد"، اللتان تستهدفان تحرير كشمير من الوجود الهندي وضمها إلى باكستان. وكانت المنظمة الأخيرة "جيش محمد" قد أعلنت الحرب على الولايات المتحدة، وانشق عنها حركات فرعية موالية لتنظيم القاعدة، مثل "خُدام الإسلام"، و"جماعة الفرقان"، التي يتهم زعيمها باغتيال الصحفي الأمريكي دانييل بيرل عام 2002. وتُعد تلك المنظمة (جيش محمد) مسؤولة عن التفجيرات التي حدثت في البرلمان الهندي وبعض القواعد العسكرية الهندية بواسطة هجمات انتحارية. وتوفر كل هذه الجماعات ملاذات آمنة لتنظيم القاعدة وقيادته، وتقدم لهم الدعم والمساندة.

لقد استخدمت القاعدة المنظمات الخيرية التي تقوم بتوفير الاحتياجات الأساسية لسكان منطقة القبائل لكي تقوم بتجنيد أعضاء جدد، كما تحالفت مع بعض منظمات الجريمة المنظمة، واستغلت تعاطف القيادات الدينية لكي تفتح فروعاً لها في مدن كويتا وكراتشي وغيرها، الأمر الذي ينذر باستمرار خطر تنظيم القاعدة في تلك الدولة النووية والمحورية في منطقة جنوب غرب آسيا، والتي تضم نحو 160 مليون مسلم، تزداد راديكاليتهم نتيجة تآكل شرعية المؤسسات القائمة على التحول الديمقراطي، وتآكل شرعية الجيش الباكستاني كحام للهُوية، حيث أصبح الجيش هدفاً لهجوم حركة طالبان باكستان، وحركة الشريعة، وتلاميذ المسجد الأحمر وغيرهم؛ لذلك تخشى الولايات المتحدة من وقوع باكستان النووية في أيدي المتطرفين الإسلاميين المتحالفين مع تنظيم القاعدة.

ورغم هذه الهواجس الأمريكية، فإن سياسات المحافظين الجدد لم تنجح في اقتلاع جذور التطرف الباكستاني؛ فالمنح التي قدمتها الولايات المتحدة لتطوير وتنمية المناطق الحدودية لم تتعد منطق الرشوة لقيادات القبائل دون أن يشعر بها المواطن الباكستاني الفقير في تلك المناطق، في الوقت الذي أثارت فيه الهجمات العسكرية الأمريكية، التي قتلت بطريق الخطأ أطفالاً ونساءً ومدنيين باكستانيين في وزيرستان ومنطقة القبائل، غضب هذا المواطن ودفعته للتعاطف مع تنظيم القاعدة.

لقد تحولت القاعدة في باكستان إلى منظمة تهدد الأمن الدولي، وتحالفت مع حركات جهادية سلفية باكستانية تحظى بدعم المؤسسة العسكرية الباكستانية كما هو الحال في كشمير، وأضحت حركة طالبان باكستان حاضنة للخلايا النائمة التي تستخدمها القاعدة في الهجوم على المؤسسات والمصالح الغربية والهندية والباكستانية العسكرية، وزاد نشاط هذه الجماعات في منطقة القبائل وفي الإقليم الشمال الغربي، إلى الحد الذي دفع بعض المحللين إلى وصف هذه المناطق "بالغرب المتوحش"، الذي يوفر البيئة المناسبة للتطرف الحاضن للقاعدة.

كل ما سبق يؤكد أن تنظيم القاعدة في باكستان موجود وفاعل، وقد ساهمت حالة عدم الاستقرار السياسي التي تشهدها باكستان بين الفينة والأخرى في دعم نفوذ هذا التنظيم. ولا شك في أن إقدام الرئيس مشرف، الذي كان يعد ركيزة الاستراتيجية الأمريكية في مواجهة القاعدة، على الاستقالة بعد الضغوط السياسية الداخلية التي تعرض لها، تعني غياب القائد الذي أسهم في تقليص نفوذ القاعدة في بلاده، وحيث إن باكستان تفتقد إلى قيادة كاريزمية مدنية تستطيع ملء الفراغ الذي قد يتركه مشرف، فإن الدولة الباكستانية ستصبح في خطر الانزلاق إلى الهاوية، وسيعطي ذلك للقاعدة وللتنظيمات المرتبطة بها فرصا هائلة للنمو.

Share

الفعاليات المقبلة

إصدارات