"القاعدة" تتحول "قاعدات" قبل أن تزول

  • 12 مايو 2011

استطاع باراك أوباما أن يحقق في ولايته الأولى ما تلّهف جورج دبليو بوش لإنجازه خلال ولايتيه، علماً أن الأول لم يضع قتل أسامة بن لادن في طليعة أولوياته، كما فعل الثاني الذي جعل من تصفية زعيم تنظيم "القاعدة" هدفاً شخصياً، مثلما تبين أيضاً أنه (أي بوش) حدد منذ أيامه الأولى في البيت الأبيض إسقاط نظام صدام حسين في العراق كواحد من الأهداف العاجلة لسياسته الخارجية.

لم يعد خافياً أن قتل بن لادن شكل نوعاً من الثأر الوطني للأمريكيين، حكومة وشعباً، إذ أعاد الثقة ليس فقط بقدرات وكالة الاستخبارات المركزية الأمريكية (سي آي إي)، بل أيضاً بمرامي "الحرب على الإرهاب"، رغم أن أوباما كان قد أعاد النظر في مفاهيمها ومصطلحاتها، حتى إنه اعتبرها منتهية، أقله بصيغتها البوشية.

وككل حدث مهم كهذا أُثيرت تساؤلات كثيرة في ضوء مجرياته. ومن أبرزها التعاون المفترض أنه وثيق وكامل من جانب الجيش الباكستاني وأجهزة الأمن مع الولايات المتحدة في مجال مكافحة الإرهاب. لذلك تلّح واشنطن على إسلام أباد بضرورة التحقيق في الفشل الباكستاني في معرفة أين أقام بن لادن منذ أعوام، فيما كانت المؤشرات تدفع للبحث عنه في أماكن أخرى بعيدة. ثم إن وجوده في ذاك المكان الآمن يشي بأنه كان يتمتع بحماية ما من داخل الأجهزة الباكستانية.

لكن الأهم أن "قطع رأس الأفعى" مثّل تقدماً غير متوقع في الحرب على تنظيم "القاعدة"، الذي لم يفقد زعيمه فحسب، وإنما بات معرضاً للانكشاف أكثر ومضطراً لمراجعة كل أوضاعه اللوجيستية بسبب ما وصل إلى الأمريكيين من معلومات كانت قبل أيام قليلة في مخبأ بن لادن. ويقال إن الهجوم الذي نجا منه أنور العولقي، أحد القادة اليمنيين البارزين في "القاعدة"، تم تنفيذه بناء على المعلومات التي باتت في حوزة الأمريكيين.

بعد ساعات قليلة على العملية الناجحة ضد المجمع السكني في أبوت آباد، كان الترحيب بالتخلص من بن لادن مترافقاً مع التحذير من أن تنظيم "القاعدة" لا يزال يشكل خطراً، وأنه سيقوم بعمليات انتقامية. لكن هذه التقديرات الواقعية لا تقلل من أهمية غياب القائد والمرشد الروحي لمثل هذا النوع من التنظيمات. فهو سيؤثر في أدائها بلا شك، إضعافاً وتفتيتاً لتماسكها. فقد كان استمرار وجود بن لادن، رغم عدم اضطلاعه بالشأن اليومي والتفصيلي للتنظيم، بمنزلة بوصلة أمان للقاعديين، ووسيلة لاجتذاب المتطوعين الجدد خصوصاً من بلدان خليجية. وعلى افتراض صحة المعلومات التي تفيد بأن التنظيم استطاع الحفاظ على مصادر تمويله، فإن الفضل في ذلك كان يعود بالتأكيد إلى وجود بن لادن شخصياً على رأسه. ويعتقد خبراء أن غيابه سيتسبب باختلال تلك المصادر أو على الأقل بتراجع حماسها لتغذية "القاعدة" لتبقى وتنشط.

من المتوقع أن تساهم المواد الكمبيوترية التي صودرت فور قتل بن لادن، في تمكين الأمريكيين من رسم خريطة كاملة ومفصلة لانتشار "القاعدة" وقادتها البارزين. فهذا ما تعبر عنه تصريحات أوباما التي يؤكد فيها أن ثمة فرصة الآن لتوجيه "ضربة قاضية" للقاعدة، باعتبار أن مهاجمة القادة الآخرين باتت ممكنة، ومن الأفضل أن تحصل سريعاً قبل أن يغيروا أمكنة إقامتهم. ومن هنا جاء الضغط على باكستان لتكشف ما لديها عنهم. غير أن الأمريكيين خبروا طوال الأعوام العشرة الماضية أن التعاون الباكستاني سيبقى على ما هو عليه، حفاظاً على تماسك الجيش والأجهزة الأمنية، وتفادياً لنوع من "حرب أهلية" داخل كل منها.

قد يبدو منطقياً وواقعياً أن قتل المزيد من القادة سينهك "القاعدة"، وربما ينهيها، كتنظيم ذي تسلسل هرمي، لكن هذا التحليل كان سيبدو صحيحاً لو أن تنظيم "القاعدة" بقي في أرض واحدة مثل أفغانستان، متمتعاً برعاية حركة "طالبان" ودعمها. غير أنه منذ فرار قيادته وتبعثرها إثر حرب أفغانستان في أكتوبر/ تشرين الأول 2001، برزت فجأة أنشطة الفروع، أولاً في باكستان ثم أندونيسياً، وبعد عامين في العراق ثم الصومال، وأخيراً في اليمن والمغرب العربي. ويعتقد بعض الخبراء أن في الإمكان القول بوجود "فرع أوروبي" تختلف طبيعته عن الفروع الأخرى، لكن أمكن التقاط روابط وصلات بينها وبين فرعي اليمن (نموذج الشاب النيجيري الذي حاول نسف الطائرة المدنية ليلة عيد الميلاد 2009) وباكستان (حيث تلقى أفراد من القاعدة تدريباً على السلاح في معسكراتٍ هناك).

كان استمرار وجود بن لادن في باكستان مؤشراً، وربما مبرراً، لاستمرار وجود معسكرات التدريب في المناطق الأفغانية- الباكستانية المتداخلة. ولعل بن لادن كان صلة الوصل المستمرة أيضاً مع حركة "طالبان". لكن غيابه قد يضعف هذه الصلة إلا إذا وجدت "طالبان" أنها لا تزال تحتاجها في تكتيكاتها العسكرية، وبالتالي فإنها ستتولى تنظيم العلاقة عبر القادة الميدانيين الذين تعرفهم. وفي هذه الحال يمكن القول إن "طالبان" قد تؤدي دوراً في ترجيح قيادة "القاعدة" لأي من المرشحين لها. لكن يبقى ذلك في إطار الاحتمالات فحسب، فثمة دوافع عقائدية قد تشجع "طالبان" على إبقاء صلاتها مع "القاعدة"، إلا أن الانكشاف الأمني للأخيرة سيدفع الحركة الأفغانية إلى الحذر.

وهذا الانكشاف ذاته سيكون له دور في رسم العلاقة بين "القاعدات" المنتشرة وما تبقى من "القاعدة" الأم في أرض ولادتها في أفغانستان- باكستان. وتكاد التقديرات الحالية تجمع على أن هذه العلاقة مرشحة للتراجع والتقلص، وإذا كان لها أن تبقى لضمان "عالمية" التنظيم فلا شك أن هذا يعزز مكانة أيمن الظواهري لتسلم القيادة، استناداً إلى الأقدمية والأهلية العقائدية والقدرة التنظيرية، فضلاً عن أنه كان يعتبر "الرجل الثاني" بعد بن لادن. لكن في الوقت نفسه شكل غياب بن لادن مناسبة لظهور الظواهري كشخصية خلافية. في نهاية المطاف قد يجد "القاعديون" من خلال مجلس الشورى (ليس معروفاً إذا كان سيتمكن من الانعقاد) أن الظواهري يبقى الأفضل بين المؤهلين أو الجاهزين فعلاً لتسلم القيادة. غير أن الفروع (وقادتها) ستزداد استقلالية واعتماداً على الذات لتدبير أمورها في التمويل والتسلح والتخطيط.

هذا لم يمنع تسليط الأضواء على أشخاص آخرين ربما ينبرون للمنافسة على القيادة. منهم مثلاً رجلان ليبيان هما عطية عبد الرحمن و"أبو يحيى الليبي"، واليمني أنور العولقي، وسيكون مهماً ولافتاً أن يميل التنظيم في تحديد القائد إلى الكفاءات العملياتية أو إلى الكفاءات العقائدية.

كل ذلك يفترض طبعاً أن تنظيم "القاعدة" سيجهد للمحافظة على وجوده، ولن يمضي وقتاً طويلاً قبل أن يوضح مسألة القيادة. لكن ضربة أخرى مماثلة لقتل بن لادن من شأنها أن تحوله إلى عصابات متفرقة جغرافياً. والرهان هنا ليس على العمليات العسكرية الأمريكية فقط، وإنما على التغيير الحاصل في العالم العربي، وقد اعتبره كثير من المحللين بمنزلة "الموت الأول" لأسامة بن لادن. ورغم أن التحولات العربية تمر هي نفسها بمرحلة عدم يقين، إلا أنها سرقت الأضواء من "القاعدة" وما ادعت تمثيله عربياً وإسلامياً، فضلاً عن أنها حددت أهدافاً للتغيير الذي تنشده وأهمها الدولة المدنية والحريات والتنمية، على عكس "القاعدة" التي بقيت أهدافها في إطار العنف والتفجيرات. لا شك أن هذه التحولات هي التي ستضع النهاية الحقيقية لتنظيم "القاعدة" الذي سيشهد بدوره تحولات قبل أن يزول عملياً بزوال مبررات وجوده.

Share