الـخداع الإسرائيلي

  • 5 يونيو 2009

من الواضح أن الحكومة الإسرائيليّة تحاول الالتفاف على الضغوط الدولية عليها من أجل تحريك العملية السلميّة، من خلال أساليب المناورة والخداع، وليس عبر خطوات حقيقيّة تثبت التزامها وإيمانها بضرورة العمل من أجل التسوية، وهذا ما يتضح من موقفها الذي عبّرت عنه مؤخراً تجاه قضيتي الاستيطان والحصار المفروض على قطاع غزة، فقد أشارت تقارير إسرائيلية إلى أن إسرائيل تفكّر في رفع الحصار جزئياً وتدريجياً عن القطاع، للسماح بدخول بعض المواد الغذائية قبل شهر رمضان المبارك، وتجميد الاستيطان بشكل جزئيّ أيضاً برغم أن العالم كله يطالبها بوقفه تماماً. وعلى الرغم من أن ما يتمّ الحديث عنه لا يتجاوز خطوات صغيرة في القضيتين تدخل ضمن التزامات إسرائيلية يجب الوفاء بها أصلاً، فإنّ إسرائيل تعمل على الحصول على مقابل لها، سواء من الجانب الفلسطيني والعربي، أو الجانب الدولي، حيث تشير المصادر الإسرائيليّة إلى أن التفكير في تخفيف الحصار غير المشروع على غزة تدريجياً مرتبط بإبداء المرونة في مفاوضات إطلاق الجندي الإسرائيلي جلعاد شاليط. واستبعد نائب وزير الخارجية الإسرائيليّ، داني أيالون، إقدام بلاده على تجميد الاستيطان في الضفة الغربية دون الحصول على مقابل من الفلسطينيين والعرب. وهكذا يتضح أن الحكومة الإسرائيليّة تتبع تكتيكاً محدداً هو رفض الالتزامات المقررة عليها وفقاً لمقرّرات عملية السلام، وخطة "خارطة الطريق" الدولية، ثم التراجع الجزئيّ تحت الضغط الدولي، ولكن مع طلب المقابل، وهذا يعني أنها تعمل على إعادة التفاوض على الالتزامات المقررة عليها أساساً، ومحاولة الحصول على الكثير في مقابل خطوات صغيرة وغير مؤثرة من المفترض أنها مطالبة بأكبر منها بكثير إذا كانت جادّة فعلاً في التحرك من أجل السلام.

هذا الخداع الإسرائيلي يعني أن عملية السلام سوف تدور في حلقة مفرغة لا نهائية من الخداع والمناورة تعيد الأمور كلّها إلى نقطة الصفر ليتم التفاوض حولها من جديد. تطالب إسرائيل العالم العربي والفلسطينيين بخطوات إيجابيّة تجاهها ثمناً لالتزامها بعض استحقاقات السلام، وهذه الخطوات تم اتخاذها بالفعل منذ أن وافق العرب والفلسطينيون على "مبدأ الأرض مقابل السلام"، ومنذ أن تم طرح "المبادرة العربية للسلام"، التي تؤكّد الانسحاب من الأرض مقابل التطبيع الكامل، في حين أن الواقع يشير إلى أن إسرائيل هي التي تريد دائماً أن تحصل على كل شيء دون أن تقدّم أي شيء جدّي أو جوهري، وهي التي تراوغ في التزاماتها، وترفض كل حكومة إسرائيلية جديدة الاعتراف بالتزامات الحكومة السابقة، ما يدخل المسألة كلّها في إطار عبثي.

الكرة الآن في ملعب إسرائيل. والعرب والفلسطينيون والعالم ينتظرون منها الوفاء بما عليها من استحقاقات، والتوقف عن اختراق الأطر الدولية الحاكمة لعملية السلام منذ انطلاقها، أو مخالفتها، والتخلّي عن الخداع وتكتيكات استنزاف الوقت وفرض الأمر الواقع، لأن كل هذه الأساليب لن تصنع السلام، ولن تؤدّي إلى الأمن والاستقرار الحقيقيين، لا لإسرائيل ولا للمنطقة ولا للعالم.

Share