الغناء والبرلماتات والتنشئة السياسية!!

  • 3 نوفمبر 2003

تزايدت في الآونة الأخيرة ظاهرة اعتراض بعض النواب في البرلمانات والمجالس التشريعية العربية على قيام مطربات لبنانيات بإحياء حفلات في دولهم، وطالب بعض هؤلاء النواب منع بث أغاني مطربات بعينهن بسبب ما يرونه خروجا على الآداب العامة في هذه الأغاني. وقد أثار هذا الأمر حفيظة بعض الكتّاب ودفعهم إلى مهاجمة هؤلاء النواب وانتقاد البرلمانات العربية التي تهتم بمثل هذه "الأمور" التي يرون أنها لا تستحق أن تناقش داخل أورقة البرلمانات ودوائر صنع القرار في الدول.

والحقيقة فإن "تعرّض" البرلمانيين إلى قضايا تفصيلية وفرعية كهذه ليس بالأمر الطارئ في الممارسة الديمقراطية، ولكنه في الدول العربية ربما يتخذ منحا مغايرا، ويطرح تساؤلات أكثر ما يقدم من إجابات وردود، فالقضية ليست في حفلات غنائية تقدمها هذه أو تلك من المطربات اللبنانيات أو غيرهن، والمسألة ليست متعلقة أيضا بأجندة هؤلاء النواب السياسية وأولوياتهم، كما أن الأمر أيضا لا يتصل برفضنا أو تأييدنا لموقف هؤلاء النواب أو تنظيم الحفلات الغنائية من عدمه، بل هي بالأساس قضية التنشئة السياسية في الدول العربية، وقد تحدث تقرير التنمية البشرية في الدول العربية عن هذه القضية بشيء من التركيز، حين تحدث عن التنشئة التي تتسم بالتسلط والحماية الزائدة التي تجعل الأطفال يعتادون منذ الصغر على كبح تساؤلاتهم، ما يعني قتل روح المبادرة واكتشاف الغث من السمين بداخلهم.

إنها إذاً ليست مسؤولية هؤلاء النواب المعترضين على الحفلات الغنائية وحدهم، بل هي مسؤولية التنشئة السياسية التي اعتدنا عليها، ونصرّ على أن نمارسها رغم إدراكنا حجم التحولات الراهنة في تكنولوجيا الاتصالات، والتي تجعل رفضنا تنظيم حفل غنائي لا يحول دون دخول هذه المطرية أو تلك لبيوتنا في ظل انتشار "الإنترنت" والأقمار الصناعية التي جعلت من الصعب إغلاق أبواب بيوتنا على أنفسنا، ولم يعد هناك خيار سوى التفاعل مع ما هو قائم ليس بالمشاركة فيه بل بطرح رؤى نقدية وترك الشباب يختار ما يشاء من دون قيود أو إملاءات. صحيح أن رفض هذه الحفلات قد ينطوي على "رسالة" معينة ولكنه -على الأرجح- لن يحقق الغرض الذي ينشده هؤلاء. والمأمول إذاً هو التعامل مع ما يعتبره هؤلاء النواب "خطرا" على المنظومة القيمية والأخلاقية بعقلية تفاعلية لا ترتكز على إلغاء الفكر الآخر، بل على طرح وجهة نظرنا فيه عبر "قوة الاعتدال"، فالسياسة عندما تفتقر إلى الأفكار الخلاقة يصبح تأثيرها سلبيا وربما معاكسا.

 

شارك

الفعاليات المقبلة

إصدارات