الغارة الجوية الأمريكية على سورية: الدلالات والنتائج

د. مصطفى عبدالعزيز مرسي: الغارة الجوية الأمريكية على سورية: الدلالات والنتائج

  • 9 نوفمبر 2008

في سابقة هي الأولى من نوعها، قامت مروحيات عسكرية أمريكية يوم 26 أكتوبر/تشرين الأول الماضي (2008) بالتوغل داخل الأراضي السورية بعمق ثماني كيلومترات، ونفذت عملية إنزال جوي بمنطقة البوكمال (قرية السكرية) الواقعة على الحدود العراقية-السورية المشتركة، مخلفة وراءها  ثمانية قتلى وعدداً من الجرحى، وقيل في تبرير هذه العملية إنها استهدفت أحد عناصر تنظيم القاعدة يدعى "أبو غادية"، ويدير شبكة سرية لتهريب المتسللين إلى الأراضي السورية.

 ويلاحظ أن الغارة الأمريكية على الأراضي السورية تمت على غرار الغارات التي تشنها القوات الأمريكية على مناطق الحدود الباكستانية-الأفغانية المشتركة، والتي تسببت بدورها في خلق أزمة في العلاقات الأمريكية-الباكستانية، وهي تمثل انتهاكاً صارخاً للسيادة السورية، ومخالفة واضحة للمعايير والأعراف الدولية، رغم محاولة الإدارة الأمريكية تبرير هذا الهجوم باعتباره يمثل تطبيقاً لمبدأ "الدفاع عن النفس"، والقول بأن سورية لم تكن مستهدفة، وأن المقصود هو "أبو غادية"، الذي كان يعد لهجوم جديد داخل الأراضي العراقية، مستبيحاً الأراضي السورية، وهذا التبرير لا يمكن قبوله بطبيعة الحال، فمن المعروف أن سورية تتخذ موقفاً معادياً من تنظيم القاعدة، وكانت تقوم بتعزيز التنسيق مع الأجهزة الأمنية العراقية في هذا الصدد، مما أسفر عن نتائج إيجابية، انعكست في تراجع عمليات التسلل داخل الأراضي العراقية، باعتراف الجنرال "ديفيد بترايوس" نفسه.

 لقد كشفت هذه الغارة عن تخبط واضح في عمل الإدارة الأمريكية وافتقارها إلى التنسيق بين أجهزتها السياسية والأمنية؛ حيث جاءت بعد أيام قليلة من اللقاء المهم الذي جمع بين "وليد المعلم" وزير الخارجية السوري، و"كوندليزا رايس" وزيرة الخارجية الأمريكية، والذي توقعت عدة مصادر سياسية ومراكز بحثية أمريكية أن يسفر عن حدوث تطور إيجابي في مسار العلاقات الأمريكية-السورية، وعزز من هذه التوقعات تصريحات "شون ماكورماك"، المتحدث باسم الخارجية الأمريكية، التي قال فيها "إن سورية قامت بمبادرات إيجابية عندما قررت إقامة علاقات مع لبنان والدخول في مفاوضات سلام غير مباشرة مع إسرائيل، وإن كان لا يزال هناك كثير من العمل يتعين القيام به". ولكن يبدو أن هناك بعض العناصر داخل الإدارة الأمريكية نفسها تسعى إلى عرقلة هذا التطور، حتى لا ينتقل للإدارة الجديدة؛ فرغم أن سورية قامت بتعديل مسار سياساتها بشكل إيجابي في عدة ملفات مهمة، وهو تطور كان يستحق الإشادة، سواء تعلق ذلك بالملف السوري-اللبناني، أو بالمفاوضات غير المباشرة التي تجري مع إسرائيل برعاية تركية، أو بالتعاون مع الحكومة العراقية لضبط الحدود المشتركة، فقد فوجئنا بشن هذه الغارة التي أعادت العلاقات الأمريكية-السورية إلى المربع الأول، وهذا يوضح أن تلك الغارة كان لها أهداف سياسية تقع خارج هذا النطاق، يتعين البحث عنها.

 في هذا السياق يرى بعض المراقبين أن هذه الغارة وغيرها من الغارات التي يجري تنفيذها على الحدود الباكستانية-الأفغانية كانت تتم بشكل مخطط لتحقيق أهداف انتخابية لصالح المرشح الجمهوري بالدرجة الأولى؛ فتنشيط العمليات العسكرية في المناطق الساخنة (أفغانستان والعراق) يعطي زاداً إضافياً للمرشح الجمهوري، ولاسيما أن اللعب بالمخاوف والتهديدات الإرهابية مازال رائجاً داخل الولايات المتحدة، كما أن هذه الغارات كانت تهدف إلى توجيه رسالة للناخب الأمريكي بأن الولايات المتحدة في حاجة لرئيس قوي ذي خبرة عسكرية للتعامل مع المخاطر والتهديدات الأمنية والإرهابية، غير أن نتيجة الانتخابات التي فاز بها المرشح الديمقراطي باراك أوباما أكدت خطأ هذا المنطق.

 ومن المحتمل كذلك أن تكون هناك أطراف إسرائيلية تقف وراء الحث على القيام بهذه الغارة؛ فإسرائيل من مصلحتها تشتيت النظام السوري، وإظهار انكشافه، ولاسيما أن هذا النظام بدأ في ممارسة سياسات تصالحية معتدلة يمكن أن تسهم في فك الحصار الدولي المفروض عليه، وظهر ذلك بوضوح في تعامله مع الملف السوري-اللبناني، والاستعداد الذي أبداه للدخول في جولة جديدة في التفاوض مع إسرائيل، وزيادة التنسيق الأمني مع الجانب العراقي لضبط الحدود. ومن المعروف أن إسرائيل لا ترحب بسياسات الاعتدال العربية؛ لأنها تكشف تعنت السياسة الإسرائيلية ورفضها للحلول السلمية.

 ولا يمكن كذلك تجاهل إمكانية الربط بين تنفيذ هذه الغارة وبين تعثر مشروع الاتفاقية الأمنية الذي طرحته واشنطن على العراق؛ فربما أرادت واشنطن من شن هذه الغارة توجيه رسالة إلى الجانب العراقي وإشعاره بخطورة "تصرفات" دول الجوار، من أجل حثه على قبول مشروع هذه الاتفاقية التي تمنح الولايات المتحدة بقاءً غير محدد المدة والصلاحيات في العراق.

 وأياً كان السبب الذي دفع القوات الأمريكية إلى شن هذه الغارة، فإنها مثلت انتهاكاً لسيادة سورية ولقواعد القانون الدولي المتعارف عليها، لذا جاءت ردود الفعل والتصريحات الرسمية السورية متسمة بارتفاع نبرتها وحدتها، وتم إفساح المجال أمام ردود الفعل الشعبية التي عبرت عن رفضها لهذا السلوك من خلال المظاهرات الجماهيرية، وذهبت دمشق إلى حد مطالبة الولايات المتحدة بالاعتذار ودفع تعويضات عن الأضرار التي تسببت بها الغارة، لكن هذه الردود اتسمت إجمالاً بأنها ردود فعل محسوبة ومنضبطة سياسياً؛ فقد أحجمت القيادة السورية عن أية ردود فعل ميدانية، واكتفت بوعد مشروط بالقيام بذلك إذا تكررت مثل هذه الغارة. وعلى الرغم من بعض التعليقات التي لامت سورية على عدم ردها ميدانياً على الغارة الأمريكية وما سبقها من خروقات إسرائيلية؛ فإن الحسابات الدقيقة لعلاقات القوى كانت ترجح عدم الفعل. كما أن الإحجام عن الرد الميداني خيب آمال بعض أطراف الإدارة الأمريكية التي كانت ترغب في استدراج سورية إلى معركة غير متكافئة في هذا التوقيت بالذات لأهداف سياسية.

 من ناحية أخرى، كشف الموقف العراقي عن تخبط واضح؛ فقد عبرت التصريحات الحكومية الأولى عن استنكارها للغارة الأمريكية، لكنها في الوقت نفسه، طالبت سورية بإحكام سيطرتها على حدودها لمنع تسلل الإرهابيين إلى الأراضي العراقية، وهو ما رأت فيه سوريا تماهياً بين التصريحات العراقية والأمريكية، ودفعها إلى توجيه انتقادات شديدة للجانب العراقي، وإلى إرجاء اجتماع اللجنة العليا المشتركة بين البلدين، والذي كان من المقرر عقده خلال هذا الشهر، الأمر الذي دفع الحكومة العراقية إلى السعي لتطويق تداعيات هذه الأزمة سواء بتصريحات معدلة من جانبها، أو من جانب عدد من الشخصيات والنواب المحسوبين عليها، خلصت إلى تمني أن تقدر الحكومة السورية حقيقة ما يجري في العراق، وجهود حكومته لاستعادة سيادة العراق تدريجياً، مع استنكارها للغارة الأمريكية على الأراضي السورية.

 مجمل القول إن الغارة التي شنتها القوات الأمريكية على الأراضي السورية مؤخراً لم تحقق أهدافها الخفية، ولن تسهم في تخفيف حدة المأزق الأمريكي في العراق، بل على العكس قد تدفع سورية إلى تبني سياسات عكسية متشددة تزيد من تعقيد هذا المأزق.

Share

الفعاليات المقبلة

إصدارات