العودة إلى الحوار في‮ ‬لبنان

  • 31 يوليو 2011

الجهود التي يبذلها الرئيس اللبناني، العماد ميشال سليمان، من أجل عودة القوى السياسية المختلفة إلى طاولة الحوار الوطني مجدّداً تنطوي على أهميّة كبيرة، ليس لأنها قد تسهم في تجنيب البلاد أزمة أكثر شدّة جرّاء استمرار تصاعد الجدل بشأن المحكمة الدولية الخاصة باغتيال رئيس الوزراء الأسبق، رفيق الحريري، وحسب، بل لأنها تسعى إلى إيجاد حلول توافقية للقضايا الخلافية التي تعمّق حالة الانقسام في لبنان، والتأسيس لمرحلة جديدة من العمل الوطني، تتيح للحكومة الجديدة التفرّغ لممارسة دورها والتعامل مع القضايا والملفات والتحدّيات الصعبة التي تواجهها أيضاً.

لقد خسر لبنان كثيراً على المستويات كافة من جرّاء المأزق السياسي الذي عاشه قبل "اتفاق الدوحة" عام 2008، وإذا لم تدرك القوى السياسية اللبنانية حجم المخاطر المحدقة بلبنان في الوقت الحالي جرّاء التطوّرات الأخيرة، فإن أجواء التأزيم السياسي قد تعود مجدّداً وبشكل أكثر دراماتيكية من ذي قبل، خاصة في ظل التوترات الداخلية المتصاعدة بشأن كيفيّة التعاطي مع قرار المحكمة الدولية الأخير الذي وجّه الاتهام إلى أربعة عناصر تابعين لـ "حزب الله" بالتورّط في اغتيال الحريري وكشفت المحكمة، مؤخراً، عن الأسماء الكاملة والأسماء المستعارة والمعلومات الشخصية لهم وطبيعة التهم الموجهة إليهم. كذلك يشهد لبنان هذه الأيام توتراً متصاعداً مع إسرائيل، ليس بسبب خرقها المتكرّر الأجواء اللبنانية فقط، وإنما نتيجة مساعيها الأخيرة إلى فرض سيطرتها على حقول الغاز والنفط في البحر الأبيض المتوسط أيضاً، التي تندرج ضمن الأحواض البحرية المشتركة مع لبنان، وتحذير "حزب الله"، الأسبوع الماضي، لها بعدم التنقيب في هذه المنطقة.

العودة إلى طاولة الحوار الوطني هي الضامن للحفاظ على أمن لبنان واستقراره، لأن هذا هو المدخل للتوصّل إلى صيغة توافقية تبتعد بالبلاد عن دائرة التوتر والانفجار، وهذا يقتضي من هذه القوى وضع أجندة توافقية لهذا الحوار، بالتركيز أولاً على القضايا التي لا تثير خلافات جوهرية، وتأجيل القضايا المعقّدة، وعدم اللجوء إلى صيغ التهديد التي لا شكّ تنسف كل محاولات بناء الثقة بينها، والاحتكام إلى مؤسسات الدولة باعتبارها الإطار الأمثل الذي ينبغي أن يتوافق حوله الجميع، ووضع آليات محدّدة تكون مسؤولة عن ترجمة ما يسفر عنه هذا الحوار من مقرّرات وتفاهمات على أرض الواقع.

إن الأوضاع الصعبة التي يعيشها لبنان داخلياً والتحدّيات التي تواجهه خارجياً يفرضان على القوى السياسية المختلفة التعاون بشكل إيجابي وبنّاء مع دعوات الحوار الوطني من أجل وضع أسس توافقية جديدة؛ تسهم في حلّ القضايا الخلافية، وتفوّت الفرصة على القوى التي تحاول العبث بأمن لبنان واستقراره؛ لأن كل يوم يمرّ من دون إدراك صعوبة المنزلق الذي قد تتجه إليه البلاد في حال استمرار أجواء التوتر والخلافات، ستكون نتيجته الحتميّة خسارة الجميع دون استثناء.

Share