العنف الطائفي في العراق وتداعياته الكارثية عراقياً وإقليمياً

مراد بطل الشيشاني: العنف الطائفي في العراق وتداعياته الكارثية عراقياً وإقليمياً

  • 8 ديسمبر 2006

"ينبغي أن نأخذ مأخذ الجد، بقدر أكبر، الأنظمة السياسية التي تقول، إن نشر الديمقراطية، ربما يفضي، ليس فقط إلى إنهاء سلطانها الاستبدادي، بل أيضاً إلى انهيار الدولة بأكملها…فمنذ اللحظة التي التي ترى فيها العصبيات الخاضعة أن أية ظاهرة انفتاح في النظم الاستبدادية هي في الواقع علامة على ضعف العصبية المهيمنة، يصعب أن تتفادى ذلك الانهيار".

 هذا الكلام لم يكتب عن العراق اليوم، الذي تحولت فيه "الديمقراطية" التي وعدت بها الولايات المتحدة، إلى حالة من الفوضى التي تشوبها هواجس اندلاع حرب أهلية طائفية شاملة بدأت مقدماتها في الظهور، وإنما كتب قبل الاحتلال الأمريكي للعراق بثماني سنوات، في مقدمة د. غسان سلامة لكتاب "ديمقراطية من دون ديمقراطيين" الصادر عن مركز دراسات الوحدة العربية، وفكرته المركزية هي أن الديمقراطية تعبير مؤسساتي بالأساس، وهي فكرة تفسر إلى حد بعيد واقع العراق اليوم، والذي يشهد تصاعداً غير مسبوق في وتيرة العنف الطائفي، منذ تفجيرات ضريح الإمامين علي الهادي والحسن العسكري بسامراء، في فبراير 2006.

 فجذور هذا العنف الطائفي تكمن في أزمات بنيوية وسمت بها جل الأنظمة السياسية العربية، التي عمدت، بدورها، إلى تأجيل علاجها، عوضاً عن إيجاد حلول جذرية لها، فالنظام العراقي "البعثي" سعى إلى "تحديث" المجتمع العراقي و"مدينته" قسرياً، وبشكل أدى إلى تغييب المؤسسات السياسية لحساب المؤسسة الأمنية، فبقيت أزمة المجتمع البنيوية كامنة كـ "الرماد تحت النار"، وما إن انهار النظام، حتى برزت إلى السطح، باستعارة المصطلح الذي استخدمه غسان سلامة، "العصبيات الخاضعة" (الشيعة والأكراد) لتقتص من "العصبية" المهيمنة (السنة العرب)، والتي بدورها، فقدت امتيازاً تاريخياً، مما دفعها لمحاولة استعادته مع انهيار النظام (المقاومة العراقية، مع ضرورة الإشارة إلى أنها وإن كانت مدفوعة بفقدان هذا الامتياز التاريخي، فإن النسبة الغالبة من هذه المقاومة مدفوعة بضرورة إخراج المحتل).

 هذه العصبيات، ولغياب مؤسسات سياسية حقيقية، لعبت دور الحاضن والحامي للفرد، مع انهيار النظام العراقي، وهو ما يعيدنا إلى السفر المهم والأساسي الذي كتبه الباحث الأميركي من أصل فلسطيني، "حنا بطاطو" عن "الطبقات القديمة في العراق"، والذي يمكن أن يوصف بـ "الدليل العلمي لفهم العراق اليوم"، على الرغم من مضي أكثر من عقدين ونصف على نشره. ففي معرض تحليله للمجتمع العراقي، أشار بطاطو، إلى وجود سيطرة سنية تاريخية على مقاليد السلطة في المجتمع العراقي، الأمر الذي انعكس في بنى قيادات الأحزاب السياسية والتشكيلات الحكومية وغيرها، مشيراً إلى أن حقبة "ثورة العشرين" ضد الاحتلال البريطاني مثلت الفترة الذهبية لتأسيس إجماع وطني بتوحد الطائفتين الشيعية والسنية في مواجهة المحتل، ورغم ذلك ظلت حالة الانقسام الطائفي بين العراقيين تثير الحساسيات.

 وقد يكون من المهم هنا الإشارة إلى أن وجود العديد من الزيجات المختلطة بين الطائفتين في مدن العراق الرئيسة، والتي قللت من حدة هذه الحساسيات، وهو الأمر الذي راهن عليه البعض في تفادي حدوث الصراع الطائفي، ولكن يبدو أن ذلك الرهان قد انهار مع تزايد حدة العنف الطائفي، كما يتضح من حالة بلدة "بلد"، مثلاً، الواقعة على نهر دجلة، والتي تميزت بـ "أجيال من الزيجات المختلطة والجيرة بين الشيعة والسنة العاديين"، ولكنها شهدت تزايداً للعنف الانتقامي ما بين الطائفتين مؤخراً، "حيث بات المعتدلون في الجانبين يبحثون عن المتطرفين كي يحموهم، بعد أن أثبتت قوات الأمن الحكومية أنها عاجزة عن ذلك". وهو ما يدلل على صحة الفكرة القائلة بأن غياب المؤسسات المدنية الحقيقية، يدفع للجوء إلى العصبية سواء كانت طائفة، أو قبيلة، أو عرق…الخ.

 والحديث عن الطائفية في العراق، معقد لدرجة أنه لا يقتصر على الانقسامات الطائفية الأساسية، بين الشيعة والسنة، بل إن هناك انقسامات تستند إلى معايير طبقية، وعرقية، ومناطقية، داخل كل طائفة على حدة، لعبت دوراً في تشكيل توجهاتها السياسية.

 ويلاحظ مثلاً في حالة الشيعة في العراق، أن معظم مرجعياتها، من أصول غير عربية، ما عدا التيار الصدري الذي مثله "المحمدين الصدريين": "باقر" و"صادق". وعلى ذلك فإن هذا التيار، الذي يصف نفسه بالـ "التيار الشيعي العربي الوطني"، يرفض "التدخل الإيراني" والهيمنة "الفارسية" على شيعة العراق، كما يرفض "مشروع الفيدرالية" لتقسيم العراق إلى ثلاث مناطق، والذي اقترحه رئيس المجلس الأعلى للثورة الإسلامية عبد العزيز الحكيم، والأهم أن لهذا التيار موقفاً مناوئاً للاحتلال الأمريكي. وقد انقسم التيار إلى ثلاثة أجنحة، يقود أحدها "آية الله العظمى محمد الحسني الصرخي"، الذي تصادم مع القوات الأمريكية في أغسطس الماضي، وجناح "آية الله محمد اليعقوبي"، الذي يشكل حزب الفضيلة، ثم جناح "مقتدى الصدر" وهو زعيم جيش المهدي.

 وقد كان هذا التيار الأخير هو الأقرب لبلورة تيار وطني سياسي مناهض للاحتلال، يجمع سنة العراق وشيعته، كما في "ثورة العشرين". ولكن مسألتين أساسيتن أضعفتا الفكرة، الأولى: أن أغلب المتعاطفين مع هذا التيار هم من الفقراء والبسطاء. والثانية والأخطر، أن هذا التيار بدأ مؤخراً يتورط في ارتكاب جرائم عنف ضد طائفة السنة، كما تشير وسائل الإعلام. والعاملان يرتبطان ببعضهما بعضاً، فعدم قدرة الدولة/الحكومة على توفير الأمن الاقتصادي-السياسي أبرز الطائفة لتلعب هذا الدور، كما ذكرنا.

 ولعل أكثر ما يدلل على ذلك، شخصية "أبو درع"، التي توصف بـ "زرقاوي الشيعة"، والذي تبنى الجيش الإسلامي مقتله مطلع ديسمبر 2006، وارتبط اسمه بالعديد من المجازر بحق السنة؛ حيث تشير التقارير إلى أنه كان يمثل أداة يستخدمها فرقاء الشيعة (التيارين الصدري والمجلسي) لتنفيذ مهمات قذرة. وقد جعلت الأساطير، التي بدأت تحاك حول هذا الشخص، باعتباره "حافظ الأمن الذي لا تستطيع الحكومة أن توفره"، والمعاون الذي "يدفع النقود والرواتب"، وصاحب النفوذ والشعبية الذي "يخطب السياسيون وده"، و"المعبر عن الطبقة المسحوقة"، جعلت منه المعبر عن الفعل الطائفي العصبي، في مواجهة "الهجمات الطائفية"، التي تنفذها "القاعدة في العراق"، وتعجز الحكومة عن توفير الحماية منها. غير أن هذا الفعل، يعبر أيضاً، عن "إقصاء الآخر" من منطق "الغلبة".

 وعلى ذلك فقد أحيل كل من "أبو درع"، وقبله "الزرقاوي"، إلى رمز إلى ما وصل إليه البؤس العراقي، فنلاحظ أن "أبو درع" نفسه، وبغض النظر عن صدق كلامه، قال في مقابلة مع رويترز: «إن وسائل الإعلام حولته إلى فزاعة، رغم أنه يحب السنة لأنهم أخوته في الإسلام، وإنه يريد فقط حماية فقراء المدينة، مثل أرسين لوبين في الروايات الإنجليزية، وطرد الأمريكيين من العراق». لكن الحال العراقي المتردي سمح له بأن يصدق "الأسطرة" المحاكة حول شخصيته، والتي لم يكن أحد ليسمع باسمها، لولا واقع العراق المشوه اليوم، والذي ينذر بتداعيات محلية عراقية، وإقليمية كارثية.

 فعراقياً، ارتبط هذا العنف بتزايد نزعة "تطهيرية مفترضة" انعكست على تحريم بيع "الصحف الشيعية"، في المناطق السنية، أو بالعكس. كما انعكست على الجامعات العراقية، فطلاب جامعات بغداد السنة اضطروا إلى الانتقال لجامعات في "محافظات سنية مثل تكريت والموصل"، ولكنهم يعانون في تلك الجامعات أيضاً، من تدخلات «القاعدة» بفرض الرقابة ومنع الاختلاط بين الطلبة. وأما الجامعات في المدن الشيعية كالنجف، فقد منعت الاختلاط أيضاً، وفرضت المظاهر الدينية، واستبدلت الأغاني في الكافتيريات بـ "اللطميات". والأخطر، أن برز "القتل على اللهجة"، بعدما كنا نحذر من القتل على الهوية كما في لبنان إبان الحرب الأهلية، واستهداف المساجد، والأسواق، وانقسم العراق على أسس طائفية مناطقية، فـ "بغداد التي عرفت منذ قرون بأنها "مدينة السلام" تتفكك إلى مناطق لجماعات طائفية مسلحة، تتصارع فيما بينها، مما دفع الآلاف للفرار من ديارهم". وعلى ذلك أشار آخر تقارير الأمم المتحدة، إن نحو مليوني عراقي نزحوا عن ديارهم بسبب موجة العنف الطائفي المتصاعد، في أكبر "حركة سكانية قسرية"، وأن بغداد شهدت مقتل ما يقرب من 5000 من بين 7054 قتيلا في شهري سبتمبر وأكتوبر 2006.

 أما إقليمياً، فإن العنف الطائفي قد يتسبب بتوتر إقليمي لا يستبعد الحرب، فمنذ احتلال العراق ونزعة "الجامعة الشيعية" Pan-Shiism، في تزايد، وهم يشكلون 50% من أولئك القاطنين في "القوس" الممتد من لبنان حتى باكستان، كما يشير الباحث في شؤون الشيعة "والي نصر". وقد ازدادت هذه النزعة مع "انتصار" "حزب الله" الأخير في الحرب مع إسرائيل مؤخراً، لدرجة أن بدأ الحديث عن "تشيع سياسي" في العالم العربي. وإذا ما ارتبط ما سبق بالمشروع النووي الإيراني، وإمكانية هيمنتها، بالتالي، على المنطقة، فإن الحرب الإقليمية، تبقى، وللأسف، احتمالاً إقليمياً قائماً، ولعل ما كتبه المستشار الأمني السعودي "نواف عبيد"، في "واشنطن بوست" (29 نوفمبر2006)، حين قال: بأن الانسحاب الأميركي من العراق سيدفع السعودية للتدخل لحماية السنة، ولو دفع ذلك إلى قيام حرب اقليمية، ينمّ عن حال الاحتقان "المؤجل" في العالم العربي، ومدى صدقية احتمال الحرب الإقليمية، رغم أن السعودية قالت إن "عبيد" لا يعبر عن موقف رسمي.

Share