العنف الطائفيّ في العراق

  • 14 يوليو 2009

التفجيرات التي شهدتها مناطق متفرقة في العراق خلال الأيام القليلة الماضية، تذكّر بأجواء الاحتقان الطائفي التي شهدها العراق قبل ثلاثة أعوام، لكن خطورة التفجيرات الجديدة أنها لا تستهدف إثارة الصّراعات السنية-الشيعية، وتسميم العلاقات بين السنّة والشيعة فحسب، بل تسعى إلى إثارة الصراعين الطائفي والعرقي بين مختلف مكوّنات الشعب العراقي أيضاً، سواء بين المسلمين والمسيحيين، أو بين العرب والأكراد، أو بين الأكراد والأتراك. فموجة التفجيرات التي شهدتها مناطق متفرقة في العراق يومي السبت والأحد الماضيين، استهدفت أربع كنائس في مناطق متفرّقة من بغداد، إضافة إلى ذلك قتل مسلحون مسيحياً يشغل منصب مدير »دائرة الرقابة المالية« في كركوك يوم الأحد الماضي. اللافت للنظر أن هذه التفجيرات تسير بالتوازي مع استهداف أماكن العبادة وتجمّعات الشيعة والسُّنة في مناطق مختلفة.

تجدّد أعمال العنف الطائفي، وتمدّده ليشمل مختلف مكونات الشعب العراقي، يشكلان أكبر خطر يتهدّد العراق ومستقبله السياسي، لاعتبارات عديدة: أولها أن اندلاع العنف الطائفي ليشمل مكوّنات الشعب العراقي ينال من أساسين لازمين لوجود أيّ دولة، وهما التعايش بين الفئات والطّوائف والأعراق المختلفة في المجتمع، وتماسك الدولة، ووحدة أراضيها. ثانيها أن العنف الطائفي قد تكون له انعكاسات سياسية خطرة في ظل حالة الاحتقان التي تسيطر على العلاقة بين القوى السياسية في العراق، وهذا لا شكّ في أنه قد يؤثر بالسلب في جهود المصالحة السياسية. ثالثها أن تجدّد أعمال العنف الطائفي وتصاعدها بعد انسحاب القوات الأمريكية من المدن، نهاية شهر يونيو الماضي، قد يؤثران في توجّهات السياسة الأمريكية وخططها المتعلقة بالانسحاب النهائي من العراق في نهاية عام 2011. وهو ما عبّر عنه صراحة نائب الرئيس الأمريكي، جو بايدن، خلال زيارته للعراق بداية الشهر الجاري، فقد حذّر العراقيين من »أن الالتزام الأمريكي في العراق يمكن أن ينتهي إذا ما عاد هذا البلد مرة أخرى إلى براثن العنف العرقي والطائفي«. ولا شكّ في أن تخلّي الولايات المتحدة عن التزاماتها في هذه الحالة قد يؤدّي إلى وقوع العراق مرة أخرى في الفوضى، ليس هذا فحسب، بل سيكون دافعاً للجماعات المسلحة لمواصلة نهجها الرامي إلى تفجير الساحة العراقية، والدفع بالبلاد إلى أتون الحرب الأهلية أيضاً. رابعها أنّ المنفذ الطائفي هو المنفذ الأخطر، الذي يمكن لأيّ قوة في الداخل أو الخارج النفاذ منه للنَّيل من العراق، وتهديد أمنه ووحدته، خصوصاً مع وجود العديد من القضايا والملفات العالقة والمثيرة للخلاف بين طوائف العراق المختلفة، وهذه الملفّات تتشابك مع أجندات قوى خارجية، لا تريد الخير أو الاستقرار للعراق وأبنائه، ولها أهدافها ومصالحها التي تتعارض بشكل تامّ مع مصالح الشعب العراقي.

إن تجدّد أعمال العنف الطائفي والعرقي يفرض على مختلف القوى السياسية في العراق العمل على إنجاح جهود المصالحة الوطنيّة الشاملة، وحلّ القضايا الخلافية التي تعرقل أي مساعٍ للتقارب فيما بينها، لأن هذا هو الطريق الوحيد أمام تحصين الساحة الداخلية من أيّ محاولة لإثارة الضغائن بين مكوّنات الشعب العراقي، كما أنه، وهذا هو الأهم، سيفوّت الفرصة على الجماعات المتطرفة والقوى الخارجية التي تريد تفجير الساحة الداخلية، والعودة بالعراق إلى الوراء.

Share

الفعاليات المقبلة

إصدارات