العنصرية ضد السود في أمريكا… حالات فردية أم ظاهرة حقيقية؟

  • 21 يونيو 2020

أثارت عملية قتل رجل أسود أعزل في جورجيا الأمريكية مجدداً، برصاص شرطي أبيض، أسئلة كثيرة حول الإجراءات التي اتخذتها السلطات للتعامل مع هذه الظاهرة والحد منها؛ وأظهرت أن مسألة العنصرية تبدو أعمق بكثير مما يتم طرحه، وتتجاوز السلوك الفردي أو المعزول، وقد تكون بالفعل ثقافة سائدة داخل جهاز الشرطة، وربما خارجه.

ما كادت الجراح التي تسبب بها مقتل المواطن الأمريكي من أصل إفريقي جورج فلويد، يوم 25 مايو 2020، على يد شرطي أبيض، تلتئم حتى وقعت حادثة قتل أخرى مماثلة تم تصويرها على الهواء مباشرة، حيث أقدم شرطي بشكل متعمد على قتل رجل أسود أعزل، ولم يكن يشكل أي خطر على الشرطة؛ بل تم استهدافه من الخلف وهو هارب من محاولة اعتقاله لفشله في اختبار تعاطي الكحول؛ ما أثار موجة سخط في العالم (الحقيقي)، حيث خرجت مظاهرات كبيرة في جورجيا، تخللتها عمليات عنف وحرق، وفي العالم (الافتراضي) أيضاً، حيث اجتاحت وسائل التواصل الاجتماعي موجة من الغضب، وخاصة أن الحادثة وقعت بينما ما زالت قضية فلويد تتفاعل داخل أمريكا وخارجها.

والحقيقة أن هاتين الحالتين ليستا معزولتين، وهناك عشرات، بل مئات، من حالات القتل التي تحدث للسود سنوياً، وقد سبق أن فجرت بعضها احتجاجات واسعة؛ فقد قَتلت الشرطة تلميذاً أسود عام 2012، وتمت تبرئة الشرطي، وقد أشعلت تلك الواقعة فتيل حراك «حياة السود مهمّة» الاجتماعي، التي أعطى لها مقتل فلويد أبعاداً أوسع؛ وفي عام 2014 قُتل رجل أسود مختنقاً في نيويورك، بعد اعتقاله للاشتباه ببيعه السجائر غير الخاضعة للضريبة؛ وفي العام نفسه قُتل شاب أسود عمره 18 عاماً بالرصاص، بعد مشادة مع ضابط الشرطة، الأبيض، في فيرغسون بميسوري؛ وفي عام 2015، قُتل رجل أسود بثلاث طلقات في الظهر، أثناء فراره من الشرطة في نورث تشارلستون بكارولينا الجنوبية؛ وبعد أسبوع من هذه الحادثة قُتل شاب أسود عمره (25 عاماً) أثناء اعتقاله. وفي العام نفسه انتحرت شابة من السود بعد توقيفها من قبل الشرطة بسبب مخالفة مرور بسيطة؛ وفي عام 2016 أطلق شرطي النار على رجل أسود بعدما طلب منه التوقف على جانب الطريق، في مدينة فالكون هايتس بولاية مينيسوتا، فأرداه قتيلاً. وفي عام 2018، قُتل شاب أسود في شقته، على يد شرطية، خارج أوقات خدمتها الرسمية؛ وفي عام 2019 قُتلت طالبة طبّ من السود بالرصاص داخل غرفة نومها الخاصة، في مدينة فورث وورث بولاية دالاس، على يد ضابط شرطة. وفي مارس من هذا العام قُتلت طبيبة طوارئ شابة بثماني طلقات، عند مداهمة عناصر الشرطة شقتها، في مدينة لويزفيل بولاية كنتاكي، كجزء من التحقيق بتهم المخدرات، ولم يعثروا على أي ممنوعات في بيتها. ولم يمرّ شهران على الحادثة حتى وقعت حادثة مقتل فلويد، ثم تبعها بأيام مقتل رجل أسود يدعى رايشار بروكس بعد فراره من الاعتقال، وهو لا يشكل أي تهديد.

هذه بالطبع أمثلة على حالات أثارت موجات غضب واحتجاجات شعبية، بينما هناك الكثير من عمليات قتل كثيرة وقعت على أساس عنصري في الولايات المتحدة؛ وسواء كانت تمثل ظاهرة أو لا، فهي تشير إلى أن هناك عنصرية متفشية في جهاز الشرطة الأمريكي؛ فحوادث القتل تستهدف عادة، إن لم يكن دائماً، السود أو الذين هم من أصول إفريقية؛ وهي تتم في الغالب أثناء علميات اعتقال، ومعظم الحالات كان واضحاً أنها لا تشكل أي تهديد للشرطة؛ بينما سجلت الكاميرات الكثير من محاولات الاعتقال التي كان البيض يقاومون فيها بشدة رجال الشرطة، ولكن تجري معاملتهم بشكل مخالف، بل ولا يوجد هناك حوادث قتل مسجلة كما يحدث للسود.

هذا كله يؤكد أن هناك عنصرية ممنهجة ضد السود الذين يعانون، ومناطقهم، أعلى معدلات الفقر والبطالة، وانتشار المخدرات؛ وبدلاً من أن تقوم الدولة بحل مشاكلهم وتنمية مناطقهم، تقوم أجهزتها التي يفترض أن تحميهم، بقتلهم لأتفه الأسباب، فما أظهرته الكاميرات يدل على أنه لا قيمة لحياة البشر لدى الكثير من هؤلاء؛ وربما ما لا تظهره الكاميرات أعظم، ولا يقل خطورة.

Share

الفعاليات المقبلة

إصدارات