«العمل عن بعد» خيار استراتيجي بعد «كوفيد-19»

  • 14 يونيو 2020

منذ بداية انتشار فيروس «كوفيد-19» وتحوله إلى وباء عالمي في شهر مارس الماضي، بدأ مفهوم العمل عن بعد يستحوذ على اهتمام أكبر من قبل المؤسسات والشركات سواء في القطاع الحكومي أو الخاص، وذلك بهدف تقليل اختلاط الأفراد ببعضهم بعضاً إلى حدوده الدنيا في بيئة العمل، باعتبار أنّ التباعد الجسدي هو أحد أهم العوامل الفاعلة في منع انتقال الفيروس وتفشيه.

في ظل الانتشار السريع للفيروس الذي تمثل المكاتب والشركات بيئة مثالية لانتقاله، لجأ الكثير من دول العالم وكذلك الشركات الكبرى إلى تعطيل العمل في المكاتب بنسب متفاوتة من موظفيها والعاملين فيها وصلت في بعض الحالات إلى 100%، وهو ما تطلّب البحث عن حلول للاستمرار في تقديم الخدمات وعدم تعطلها وخصوصاً فيما يتعلق بالجوانب الحيوية التي لا يمكن للناس العيش من دونها.

العمل عن بعد أصبح بعد مرور نحو 3 أشهر على التجربة الأولية، خياراً أساسياً واستراتيجياً لدى الحكومات والشركات التي قرر بعضها بعد نجاح التجربة الأخذ به واعتماده ليصبح نظاماً دائماً لديها، حيث أعلنت كل من شركتي «تويتر» و«فيسبوك» نيتهما اعتماد هذا النظام بشكل دائم وإلى ما بعد انتهاء فيروس كورونا لنسبة كبيرة من موظفيهما ممن لا يتطلب إنجاز أعمالهم حضورهم إلى مقرات الشركتين أو مكاتبهما، في الوقت الذي بدأت فيه الكثير من الدول إجراء دراسات جدية وتجارب فعلية للأخذ بهذه الطريقة في الكثير من مجالات العمل التي لا تتطلب بيئة خاصة أو تجهيزات محددة، وخاصة في الجوانب الإدارية التي لا تتأثر فيها إنتاجية الموظف ولا قدرته على أداء مهامه الوظيفية بمسألة الحضور والانصراف أو الوجود داخل مقار العمل أو في المنازل.

المؤشرات كافة لمرحلة ما بعد «كوفيد-19» تؤكّد أنها لن تكون كما كانت قبله، وأنها ستتضمن الكثير من الفرص والتحديات التي أفرزتها الجائحة وخصوصاً فيما يتعلق بالعمل ومدى ضرورة وصول الموظفين إلى أماكن عملهم وتأثير ذلك في الإنتاجية، حيث سيزداد الاعتماد على مفهوم العمل عن بعد بما يسهم في ضمان ممارسة الأعمال بالشكل الأمثل وباستخدام أحدث التقنيات المتطورة، وهو ما يتطلّب من القطاعين العام والخاص في دول العالم كافة تعزيز التحوّل الرقمي وتطوير البنى التحتية في هذا المجال لتوفير التسهيلات الكافية التي تضمن للموظفين القدرة على الوصول بسهولة إلى مهامهم الوظيفية وأدائها إلكترونياً، وتتيح لهم ولمسؤوليهم إمكانية التواصل بسهولة ومن دون عوائق وفي أي وقت.

ويرى الخبراء في هذا المجال أن على الجهات الحكومية والشركات الخاصة أن تأخذ بعين الاعتبار عندما تفكر في اعتماد نظام العمل عن بعد، الجوانب التكنولوجية والثقافية، وأن تعمل على تكييف هياكلها مع الواقع الجديد بحيث تصبح أكثر رشاقة تنظيمياً وأن تركّز على الابتكار لتتمكن من المنافسة بقوة، ذلك أن المؤسسات التي ستواصل الإصرار على العمل وفق الأساليب التقليدية، لن تكون قادرة على الاحتفاظ بتنافسيتها على المدى البعيد.

نظام العمل عن بعد ليس حديث عهد ولا يعتبر اكتشافاً جديداً ناتجاً عن جائحة كورونا، فهو نظام معمول به منذ مدة طويلة، وخصوصاً في العديد من قطاعات الأعمال مثل تقنيات المعلومات والتسويق وتطوير التطبيقات، وأنواع محددة من مبيعات التجزئة، ولهذا النظام العديد من الفوائد، مثل تقليل تكاليف استئجار المكاتب وتخفيض البصمة الكربونية من خلال تقليل تنقلات الموظفين، وتراجع استهلاك الكهرباء في المكاتب، غير أنّ نسبة عدد العاملين عن بعد من المنزل ارتفعت عالمياً العام الحالي بمعدل 140% مقارنة بعام 2005، وفقاً لدراسة أجرتها شركة «جلوبال وركبليس أناليتكس» للأبحاث. وتقول شركة «أوللابس» المتخصصة في إنتاج نظم مؤتمرات الفيديو إن 16% من الشركات في العالم توظف حصرياً العاملين عن بعد، أما منصة العمل عن بعد «أب ورك» فتتوقع أن تشغّل 73% من الإدارات في العالم موظفين عن بعد بحلول عام 2028.

Share

الفعاليات المقبلة

إصدارات