العملات الرقمية: طريق نحو الالتفاف على العقوبات الأمريكية

  • 6 أغسطس 2019

تعزى المكانة التي تتمتع بها الولايات المتحدة الأمريكية في النظام المالي العالمي إلى تفوق عملتها على غيرها من العملات لأسباب عدّة؛ أهمها الاعتماد الواسع على الدولار الأمريكي كعملة احتياطيات نقدية، وربط سعر صرفه في كثير من الدول بالعملة الوطنية، وارتباطه التاريخي و«الأزلي» بالنفط.
أغلب الحكومات تخزن الدولار لتعاملاتها التجارية حول العالم، ما يعني مرور جزء مهم من التعاملات عبر البنوك الأمريكية، الأمر الذي يكسب الولايات المتحدة نفوذاً سياسياً، لقدرتها على وقف تعاملات هذه البنوك مع دولة ما أو – بكلمات أخرى – استخدام عملتها كسلاح عقوبات ضدها. ولكن تبدو في الأفق بوادر التفاف حول هذا النظام المالي «التقليدي»، مدفوعاً بتقنيات «البلوك تشين» وتطبيقاتها الأهم المتمثلة بالعملات الرقمية المشفرة. وبحسب تقرير صدر عن مؤسسة الدفاع عن الديمقراطية الأمريكية، في يوليو 2019، فإن دولاً عدة، مع اختلاف أسباب كلٍ منها، تسعى لنظام مالي خارج نطاق سيطرة الولايات المتحدة، يعتمد على البلوك تشين، وذلك في حال تمكنها من التغلب على العقبات التي ما زالت تواجهها بهذه التقنيات. فنزويلا اختبرت العام الماضي عملة رقمية لم يكتب لها النجاح، لكن التجربة دعت إدارة رئيسها (نيكولاس مادورو) إلى بحث خيارات أخرى. وبالفعل، أفادت تقارير صدرت الشهر الماضي بأن مسؤولين حكوميين في هذا البلد اللاتيني، بدأوا باستخدام محافظ رقمية لتحويل «البتكوين» لبورصات خارجية، ليتم تحويلها بعد ذلك إلى دولارات لحساب الحكومة الفنزويلية. هذه المناورات نجحت، إلى الآن، بالالتفاف حول العقوبات الأمريكية التي كانت ناجحة في غلق النظام القائم على الدولار في وجه فنزويلا.
وكذلك تسعى إيران بجدية نحو إنشاء عملة مشفرة تساعدها في التحايل على العقوبات الأمريكية المفروضة عليها؛ ووفقاً لتقارير إخبارية، فإن إيران أجرت مفاوضات مع ثماني دول أخرى لإنشاء عملة رقمية، وبحث كذلك سبل تطوير نظام يعتمد «البلوك تشين» كبديل لنظام الدفع الدولي «سويفت» والذي استثنيت منه البنوك الإيرانية نهاية العام المنصرم نتيجة تلك العقوبات.
أما روسيا الاتحادية فقد بدأت النظر إلى «البلوك تشين» كاستراتيجية تضمن على المدى البعيد جوانب مهمة في أمنها الاقتصادي والوطني، وتقليل أي أثر لعقوبات أمريكية محتملة عليها؛ فقد أعلن الرئيس الروسي فلاديمير بوتين صراحة أنه يتعين على روسيا البحث بجدية في «البلوك تشين»، لتجنب القيود المختلفة في التجارة والتمويل العالمي. وبالفعل، تجرى على قدم وساق حالياً في العديد من البنوك الروسية، اختبارات على تطبيقات «البلوك تشين»، بل إن مسؤولين في البنك المركزي الروسي أثاروا احتمال استخدام هذه التقنية – وربما عملة رقمية – لبناء نظام دفع جديد لأعضاء الاتحاد الاقتصادي الأوروبي – الآسيوي، وهو سوق يجمع العديد من الدول الواقعة في أوروبا الشرقية وشمال آسيا. كذلك انضمت في العام الماضي بنوك التنمية الروسية الكبرى إلى نظيراتها في الصين والهند والبرازيل وجنوب إفريقيا، ضمن اتفاقية لدراسة تكنولوجيات «البلوك تشين» وتطبيقاتها المالية.
الصين تعد حالة فريدة بين الدول المذكورة، فمن ضمن أولوياتها الوطنية تحجيم النفوذ الأمريكي، وإن كان ذلك عبر إنشاء عملة رقمية تعتمد «البلوك تشين» وتستطيع منافسة النظام القائم على الدولار. ويجادل المسؤولون الصينيون بأن من شأن العملة الرقمية، حال وجودها، تعزيز التجارة الدولية ضمن ما يسمى مبادرة الحزام والطريق، وهي استراتيجية عالمية للاستثمار في البنى التحتية التجارية والصناعية في بلدان عدّة، ضمن آسيا وأوروبا وإفريقيا، وتمثل أكثر من 60% من سكان العالم. الجدير بالذكر أن بنك الصين الشعبي – البنك المركزي – يدرس إصدار عملة رقمية منذ عام 2014. لكن في يوليو الماضي، أعرب وانغ جين، مدير مكتب الأبحاث في البنك، عن قلقه بشأن التأثيرات السلبية لعملة فيسبوك الرقمية المقترحة «ليبرا» في النظام المالي للدول، وأن هذه العملة ذاتها قد تجبر الصين على تكثيف جهودها نحو إنشاء عملتها الرقمية الخاصة.
وفي النهاية، سيكون هناك تداعيات سلبية محتملة على الاستقرار السياسي العالمي، وليس فقط على النظام المالي الدولي، في حال وجود منظومة مالية بعيدة عن الدولار الأمريكي، وسيناريوهات الخطر متعددة وفرصة حدوث أي منها قائمة فعلياً إن نجحت دولة «مارقة» في استغلال عملة رقمية كأساس لنشاطاتها غير المشروعة البعيدة كل البعد عن الرقابة الأمريكية المباشرة.

Share