العلاقة بين الأجهزة الأمنية والصحافة

د. عبدالله العوضي: العلاقة بين الأجهزة الأمنية والصحافة

  • 13 أبريل 2008

العلاقة بين الأجهزة الأمنية والمؤسسات الصحافية والإعلامية ينبغي بشكل عام أن تكون تعاونية، وأن تسير في اتجاه متواز وليس متعارض أو متقاطع، وهو ما يؤكد أهمية الحاجة لوجود إعلام مجتمعي-أمني يركز على تأصيل دور الصحافة في الارتقاء بالحس الأمني لدى الأفراد. ومن هنا نطرح، في هذا الفضاء المفتوح، بعض النقاط المتعلقة بهذا الجانب الذي يُراد تطويره في دوريات النشر اليومية أو الأسبوعية أو الموسمية، سواء فيما يتعلق بنقل الخبر المباشر أو المتابعة الصحفية للقضايا الأمنية من خلال التحقيقات والمقابلات والاستطلاعات وغير ذلك من فنون العمل الإعلامي.

ويتعين الإشارة بداية إلى أن ثمة أنماطاً عدة يمكن أن تأخذها العلاقة بين الجهازين الأمني والإعلامي-الصحفي، بالشكل الذي يخدم أهدافهما معاً ويحقق المصلحة المجتمعية؛ فالجهاز الأمني على سبيل المثال يمكنه الاستفادة من الصحافة في رفع درجة الوعي الأمني لدى الجمهور في القضايا التي تراها الأجهزة الأمنية مهمة بالنسبة للمجتمع، ويتمّ ذلك من خلال وضع أجندة واضحة تُنجز وفق جدول زمني محدد، قصير أو متوسط أو طويل المدى، لتعزيز التعاون بين الجانبين في هذا الصد، حتى لا تصبح المعالجات الصحفية للقضايا الأمنية آنية ومبتورة عن سياق الأمن العام.

وقد يسهم التعاون بين الجهاز الأمني والصحف أو الإعلام في التركيز على البعد الوقائي للمشكلات الأمنية في التخفيف من حدة الضغط اليومي للحوادث التي تنشر على صفحات الجرائد، ويمكن تعزيز هذا التعاون بين الطرفين من خلال الاتفاق على تشكيل لجان تنسيقية مشتركة تتولى نشر هذا البعد الوقائي بين الجمهور، لاسيما عند وقوع جريمة كبرى لها أبعاد وأصداء مدوية في أروقة المجتمع المحلي.

وقد تقوم الصحافة ووسائل الإعلام الأخرى بدور أمني مهم من خلال عدم الاكتفاء فقط بنشر الحوادث، وإنما أيضاً البحث فيما وراءها وما يحيط بها من آثار جانبية تكون أحياناً أخطر من القضية التي تتم مناقشتها، الأمر الذي قد يساعد صانع القرار الأمني في علاج كثير من المشكلات الناجمة عن وقوع الجرائم الفردية في أي مجتمع. ولكنْ يتعين على وسائل الإعلام، ومن ضمنها الصحافة، أن تراعي حساسية بعض القضايا الأمنية، وألا تقوم بنشر المعلومات التي قد تكون سرية وتضر بالتحقيقات الجارية بشأنها، ومن هنا تبدو أهمية الاتفاق المبدئي أو المسبق بين الأمن والصحافة أو الأجهزة المعنية بالشأن الإعلامي على درجة السرية التي قد تحيط ببعض القضايا الأمنية التي يُراد للعدالة أن تأخذ مجراها بشأنها، وعدم السماح بنشر التسريبات التي تخرج على شكل إشاعات، وتلحق الضرر بسير العدالة. وبما أننا نعيش في مجتمع معولم ومنفتح على الآخر، فإن وجود بروتوكول مباشر أو غير مباشر لعلاج هذه الإشكالية ضروري لحسن سير العلاقة بين الطرفين، ومعرفة الحدود المسموح فيها بالنشر من عدمه، مع احترام حرية النشر في جميع الأحوال.

ويتعين في هذه الحالة أن يتم فك الارتباط بين حساسية بعض القضايا الأمنية أثناء النشر وبين حرية الصحافة، التي لا ينبغي لها التنازل عن مبدأ حرية النشر والتعبير، حتى لا تمس بمصداقيتها أمام جمهور القراء الذين يبحثون عن كل تفرد جديد في أي صحيفة تسبق الأحداث أمام المنافسة المفتوحة والإعلام الخارج عن نطاق السيطرة الأرضية، وذلك بعد دخول عالم الإنترنت إلى الساحة الصحفية، وظهور مفهوم "الصحافة الإلكترونية" التي تكون أسرع في النشر خارج القيود الورقية.

ولضمان حسن سير العلاقة المتوازية بين الجانبين، يمكننا اقتراح مجموعة من التوصيات التي يمكن أن تقلص من حجم الفجوة أو الفراغ الذي قد يلاحظ بين المؤسستين في الجانب العملي، ومن ذلك ما يلي:

 – العمل على تعزيز عملية الاندماج المجتمعي بين الأمن والصحافة، من خلال تفعيل التعاون بين الجامعات فيما يخص استحداث مسارات خاصة بالإعلام الأمني، كجزء من المواد التي يستلزم تدريسها لطلبة الاتصال الجماهيري، وتنظيم لقاءات دورية بين مسؤولي الأجهزة الأمنية والمسؤولين عن الصحف بعيداً عن المؤتمرات الصحفية المعلنة، للتباحث حول مستجدات القضايا الملحة، التي يصعب إبقاؤها طيّ "كتمان العدالة" لفترة طويلة، من أجل الوصول إلى طريقة متفق عليها للنشر والابتعاد عن المحاذير الجانبية لقضية ما.

– ضرورة وجود ممثلين دائمين من قطاع الصحافة في اللجان الأمنية الرسمية لضمان سرعة إيصال الرسالة الأمنية إلى الإعلام بصورتها الصحيحة، للابتعاد عن جو الإشاعات التي تضر بالقضية أكثر من النشر المجرد في أي صورة كان، والعمل كذلك على إطلاع رؤساء تحرير الصحف على المستجدات الأمنية العامة أو الطارئة، وذلك لتجنب الوقوع في بعض محاذير النشر، التي قد تضر بسير العدالة المرجوة في الحفاظ على حقوق الناس وعدم تعرضهم للإساءة أو التشهير.

– إحياء فكرة إنشاء مؤسسات خاصة بالوقاية من الجريمة، على أن نشرك فيها كافة الفعاليات المجتمعية، وعلى رأسها الصحافة؛ الأمر الذي من شأنه تخفيف الضغط عن كاهل الأجهزة الأمنية المشغولة بالمكافحة اليومية للجرائم، والتي قد لا تملك الوقت ولا الإمكانات للتركيز على عمليات الوقاية التي تحتاج إلى جهد جماعي من كافة قطاعات المجتمع المدني.

– ضرورة الاتفاق بين الصحف والأجهزة الأمنية المعنية على تخصيص صفحات ضمن التبويب العام للصحف والدوريات المختلفة، للتركيز على أهم القضايا الأمنية المثارة، وإشراك كافة الأطراف الأمنية، الإعلامية، الاجتماعية والاقتصادية…إلخ، في طرح تصوراتها بشأن هذه القضايا المطروحة للصالح العام. ورغم أن هناك كثيراً من الإصدارات والدوريات الأمنية التي تصدرها الأجهزة المعنية بالأمن، وهي غالباً ما تضع في اعتبارها وعلى عاتقها الجانب الرسمي، وهو أمر لا غبار عليه، فإن الأجدى في تصوري هو استحداث دوريات ونشرات أخرى بالتعاون مع الصحافة، تجمع بين الرؤية الرسمية للمشكلات الأمنية والتغطية الإعلامية لها معاً؛ لتحقيق هدف واحد، وهو تعزيز مفهوم الأمن العام في المجتمع بوجهيه الرسمي والجماهيري، بدلاً من الاكتفاء بنشر البيانات الصحفية-الأمنية المجردة.

لعلنا بهذه النقاط المقتضبة حول أهمية تقوية العلاقات البينية بين الأجهزة الأمنية والصحافة نضيف نقاطاً يمكن تطبيقها بين الجانبين لضمان جودة المخرج الإعلامي العام إلى ساحة المجتمع، الذي يبحث دائماً عما يعزز وعيه الأمني السليم لشتى القضايا أو الحوادث الأمنية التي تتناولها وسائل الإعلام المختلفة بالشرح والعرض والتحليل.

إن إرساء دعائم التعاون والتنسيق الدائم في المجتمع بين أطراف العملية التنموية بالدولة هو أمر مهم لإنجاح الخطوات التالية لأي مشروع يُراد منه تقوية النسيج الوطني في المجتمع وخلق جو من الوئام العام، بدلاً من تداخل المصالح وتعارض الأولويات، التي تؤكد أهمية الحاجة لتنمية الوعي والحس الأمني الإعلامي للمواطنين. ولا يمكن أن يحدث ذلك إلا بتقوية العلاقة المستمرة بين الصحافة في ثوبها الإعلامي المتنوع وكافة الأجهزة الأمنية المعنية في المجتمع، الذي يقوم بنيانه الأصيل على مزيد من مبادرات الالتئام.

Share