العلاقات المصرية- الإيرانية إلى أين؟

  • 28 أبريل 2011

على الرغم من كثرة التلميحات السابقة إلى قرب رفع التمثيل الدبلوماسي بين مصر وإيران من مستوى مكتب لرعاية المصالح إلى مستوى السفارة كما حدث مثلاً في عامي 2003 و2008، إلا أن أيّاً من تلك التلميحات لم يثر ضجة مماثلة لتلك التي أثارها تصريح وزير الخارجية المصري نبيل العربي في 29 مارس/ آذار 2011 عن أن مصر تعتبر إيران "دولة من دول الجوار ولنا معها علاقات تاريخية طويلة وممتدة في مختلف العصور، والحكومة المصرية لا تعتبرها دولة معادية". ويمكن القول إن مبعث التعامل بجدية كبيرة مع تصريح نبيل العربي يعود في جوهره إلى أمرين اثنين:

الأول، أن نجاح الثورة المصرية في إطاحة الرئيس مبارك فتح الباب أمام احتمالات تغيير سياسة مصر الخارجية، فكل الثورات التي شهدها التاريخ عرفت مثل هذا النوع من التغيير. وبالفعل فقد بدت بعض إرهاصات التغيير فيما يخص القضية الفلسطينية التي كانت هي السبب المعلن لقيام إيران بقطع علاقاتها الدبلوماسية مع مصر عام 1980، ثم استمرت قضية خلافية أساسية بين الدولتين خصوصاً بعد اتفاقيات أوسلو، وبالتالي فإن تغير الموقف المصري من تلك القضية يعني ضمناً تحييد أحد أبرز المظاهر "المعلنة" للخلاف المصري– الإيراني.

ومن أبرز تلك التغييرات في سياسة مصر تجاه فلسطين تخفيف إجراءات دخول الفلسطينيين إلى الأراضي المصرية عبر معبر رفح، وتقديم وزير البترول السابق وبعض أركان وزارته إلى القضاء للتحقيق معهم في تهمة إهدار المال العام في صفقة تصدير الغاز لإسرائيل، مع العلم بأن خط الأنابيب الذي يوصل الغاز لإسرائيل قد تعرض للتفجير مرتين بعد الإطاحة بمبارك. وهكذا كان هناك مبرر موضوعي للاعتقاد بأن ثّمة تغيير "ما" يمكن أن يطال توجهات الخارجية المصرية، بدأ بفلسطين، والأرجح أن ينتقل لإيران. ساعد على ذلك أن إيران التقطت من فورها طرف الخيط فاجتمع القائم بالأعمال الإيراني في مصر مجتبي أماني بوزير الخارجية المصري وسلمه رسالة من نظيره علي أكبر صالحي تدعوه لزيارة طهران، وتبدي استعداد صالحي نفسه لزيارة القاهرة، كما جاء محمد علي خزاعي مندوب إيران في الأمم المتحدة إلى مصر في زيارة هي الأولى من نوعها، بل رَشحت تسريبات الدبلوماسي علي أكبر سيبويه ليكون أول سفير لإيران في مصر. وعندما نفت المتحدثة باسم الخارجية المصرية منحة باخوم وجود أي اتفاق بين البلدين على رفع مستوى التمثيل الدبلوماسي بينهما، دعا وزير الخارجية الإيراني مصر للتحلي بالشجاعة واتخاذ قرار رفع التمثيل.

الثاني، أن التطورات السياسية التي تشهدها البلدان العربية منذ نهاية العام الماضي تفتح الباب أمام إعادة ترتيب توازنات القوى سواء بين محوري الاعتدال والممانعة، أو داخل كلٍ من المحورين على حدة. وبالتالي قد تتصور إيران أن تلك هي الفرصة المناسبة من أجل دعم المحور الذي تنتمي إليه باستمالة دول مثل ليبيا واليمن ومصر، مع أهمية خاصة لهذه الأخيرة بحكم ثقل وزنها الإقليمي. ولعل هذا يفسر لماذا حاولت إيران استباق الأحداث في غمار الثورة المصرية بطرح شكل النظام الذي تفضله لمصر وهو "النظام الشعبي الإسلامي"، وبادعاء أن الثورة المصرية هي امتداد للثورة الإيرانية. ومما يعزز التحليل السابق، أي حرص إيران على ضم مصر إلى محور الممانعة، أن النظام السوري الذي يشترك مع إيران في المحور نفسه يواجه محنة حقيقية مفتوحة على كل الاحتمالات. صحيح أن مصر لا تملك التأثير الذي تملكه سورية في لبنان، لكن الصحيح أيضاً أن الحركة الإيرانية على الساحة العربية تحتاج إلى غطاء عربي يعتد به.

إذن نخلص مما سبق إلى أن بوادر التغيير في السياسة الخارجية المصرية من جانب، واهتمام إيران باستثمار هذا التغيير من جانب آخر، عاملان يدفعان إلى اهتمام خاص بتصريح الوزير نبيل العربي. لكن المشكلة هي أن الانفراجة الحالية في العلاقات المصرية– الإيرانية تأتي في مرحلة بلغ فيها التدهور في العلاقات الإيرانية– الخليجية ذروته، وبما لا يقاس بالمراحل السابقة التي عرفت فيها تلك العلاقات سلسلة من الأزمات المتتالية. ويرجع ذلك لتدخل إيران السافر في شأن الاحتجاجات البحرينية التي بدأت في 14 فبراير/شباط 2011، لاسيما بعد استعانة البحرين بقوات درع الجزيرة. وجاء التصعيد على خلفية تصريحات إيرانية بالغة الاستفزاز أتت على ألسنة مختلف رموز الحكم في طهران من قبيل تلويح وزير الخارجية الإيراني علي أكبر صالحي بأن "بلاده لن تقف مكتوفة الأيدي" أمام قتل الشيعة في البحرين، أو كما في تحذير يحيى صفوي مستشار خامنئي للسعودية من "غزو أجنبي" لأراضيها إذا ما تصاعدت احتجاجات شعبية ضد نظامها، أو كما ورد في تفسير نجاد لدور قوات درع الجزيرة بأنه يجب أن يكون موجهاً فقط لصد العدوان الخارجي. كما جاء التصعيد أيضاً على خلفية توسيع إيران نطاق التعاضد مع موقفها في الساحتين اللبنانية والعراقية. لذلك سيتكرر استخدام تعبير" للمرة الأولى" في توصيف الإجراءات العقابية الإيرانية– الخليجية المتبادلة، كما في القول إنه للمرة الأولى يرفع الطرفان خلافاً بينهما إلى مجلس الأمن، فتشكو إيران من "المجزرة" التي تُنفذ بحق الشيعة في البحرين، وتدعو الدول الخليجية المجلس نفسه لاتخاذ الإجراءات اللازمة لوقف التدخلات الإيرانية في شؤونها، بل تتدارس هذه الدول اقتراحاً يقضي بتوجيه رسالة مشتركة لمجلس الأمن ليتدخل حماية لعرب الأحواز الذين ينظمون حركة احتجاجية منذ 16 أبريل/ نيسان 2011 ضد "الاحتلال الإيراني" وأيضاً لحماية المسلمين السنة في إيران. وللمرة الأولى تتداول دول الخليج في اتخاذ قرار جماعي لطرد كل البعثات الدبلوماسية الإيرانية وسحب بعثاتها الدبلوماسية من إيران.  ومن يعود إلى البيان الصادر عن الاجتماع الاستثنائي لوزراء خارجية دول مجلس التعاون الخليجي في 17 أبريل/ نيسان الحالي يتبين أنه البيان الأقوى في حسمه في إدانة التدخلات الإيرانية في شؤون تلك الدول.

في هذا السياق يمكن تفهم قلق دول الخليج حيال بوادر التقارب المصري- الإيراني، وهو القلق الذي أضيف إلى بعض المشكلات التي ثارت بالنسبة لاستثمارات خليجية في مصر بعد الثورة لتكون المحصلة هي توتر مكتوم في العلاقات المصرية– الخليجية. وهنا سيثور السؤال: كيف يمكن استشراف مستقبل العلاقات المصرية– الإيرانية في ظل المفارقة القائمة بين عوامل تدفع للأمام من جهة، وسياق خليجي غير موات تعتبر مصر أمن وحداته واستقرارها وعروبتها "خطوطاً حمراء لا تقبل المساس بها" على حد تعبير وزير الخارجية المصري؟ 

في إجابة هذا السؤال يمكن التمييز بين أمرين، الأول: أن قرار رفع مستوى العلاقات الدبلوماسية مع إيران لم يعد موضع خلاف بين دوائر صنع القرار في مصر رغبة في تصفير مشكلاتها الخارجية، ولذلك جاءت تصريحات رسمية مثلاً تفيد بحرص مصر على تطوير العلاقة مع دول القارة الأفريقية، تلك العلاقة التي كانت برودتها من أسباب وقوف دول حوض النيل ضد مصر والسودان في قضية المياه. وبالمثل فإن مد الجسور مع إيران قد يحيد نسبياً تأثيرها السلبي في بعض القضايا الحيوية، فهل هي مصادفة الاتفاق على المصالحة بين فتح وحماس في القاهرة في 27 أبريل/ نيسان الحالي اعتماداً على الورقة المصرية التي سبق أن تحفظت عليها حركة حماس؟ بطبيعة الحال يوجد أيضاً المتغير الإخواني الذي قد يكون أدى دوراً في التمهيد لتلك المصالحة مع نظيره الإخواني في غزة أي حماس، كما يوجد أيضاً الواقع السياسي الجديد في سورية الذي يشغل نظام الأسد حالياً عن القيام بدور خارجي نشط، لكن أيضاً يوجد الدور الإيراني الذي كانت تُعزى إليه في كل مرة مسؤولية كبيرة عن امتناع حماس عن توقيع اتفاق المصالحة في اللحظات الأخيرة.

الأمر الثاني، أن قرار رفع مستوى العلاقات الدبلوماسية مع إيران يحتاج إلى بضعة أشهر ينضج فيها. كما أن القرار عندما يصدر لن يكون بحال على حساب المصالح العربية لمصر في العموم، وفي الخليج العربي على وجه الخصوص. فمن المتصور أن تأخذ العلاقة بين إيران ومصر شكل العلاقات بين إيران والسعودية، أي توجد فيها قضايا خلافية تتعلق بالبرنامج النووي الإيراني، وشكل نظام الحكم في البلدين، والنزعة الإيرانية الدوؤبة للتمدد، لكن أيضاً توجد مصالح اقتصادية مشتركة وعلاقات تجارية متبادلة. وكما أن تعدد محاور الخلاف بين السعودية وإيران لم يحل دون توقيع الدولتين اتفاقية أمنية في 17 أبريل/ نيسان 2001، لمحاربة الإرهاب وغسل الأموال وعمليات التسلل، فإن اقتصار علاقات مصر بإيران على مستوى مكتب رعاية المصالح لم يحل دون اشتراكهما معاً في تأسيس مجموعة الدول الثماني الإسلامية في عام 1997.

إن مؤشرات من نوع التصريحات المصرية حول أن وزير الخارجية نبيل العربي لم يتخذ قراراً بتلبية الدعوة لزيارة إيران، أو من قبيل القول الصريح والقاطع للمجلس الأعلى للقوات المسلحة بأنه لا يقبل "أن يحكم مصر خميني آخر"، تحمل على الاعتقاد أن تطوير العلاقات الدبلوماسية بين البلدين مؤجل إلى حين. كما أن مؤشرات مثل قيام اللواء مراد وافي رئيس المخابرات العامة المصرية في أول زيارة له بالتوجه لعدد من الدول الخليجية في مارس/ آذار الماضي، أو امتداح وزير الخارجية نبيل العربي تدخل درع الجزيرة في البحرين بقوله "إن منظمة مجلس التعاون الخليجي نجحت في التحرك بشكل منسق للحفاظ على الاستقرار في البحرين، في تطبيق عملي لمفهوم الأمن الجماعي في منطقة الخليج"، جميعها مؤشرات تنم عن مركزية أمن الخليج بالنسبة للأمن القومي والمصري، الأمر الذي يصبح من غير المنطقي معه أن تمثل علاقة مصر بإيران على أي مستوى تكون تهديداً لدول المجلس أو أمنها.

Share