العلاقات العربية-العراقية: تطورات متباينة وتحركات مطلوبة

مصطفى عبدالعزيز مرسي: العلاقات العربية-العراقية: تطورات متباينة وتحركات مطلوبة

  • 20 يناير 2010

شهدت العلاقات العربية-العراقية منذ الغزو الأمريكي للعراق في مارس/آذار من العام 2003 تعقيدات عديدة حالت دون ظهور دور عربي فاعل على الساحة العراقية، ربما كان أبرزها الانقسام العربي حول كيفية التعامل مع النظام العراقي الجديد، وما قامت به سلطات الاحتلال من تقويض لمقومات وكيان الدولة العراقية ومؤسساتها وإعادة بنائها على أسس طائفية وعرقية ساهمت إلى حد كبير في تمييع الهوية العربية لهذا البلد، ولاسيما مع اتجاه بعض القوى العراقية الجديدة الفاعلة إلى تغليب البعد الطائفي على ما عداه، وتعثر جهود المصالحة الوطنية التي وعدت بها الحكومات العراقية المتعاقبة. كما مثلت حالة الانفلات الأمني الخطيرة، التي عانى منها العراق لفترات طويلة، معوقاً آخر مهماً أمام تفعيل الدور العربي في هذا البلد، ولاسيما بعدما طالت أعمال العنف هذه بعض السفراء العرب هناك.

غير أن الوضع شهد تحسناً ملحوظاً في السنوات الأخيرة، ولاسيما مع تراجع حدة العنف والنزاعات الطائفية المسلحة، واستشعار العرب لخطورة الانسحاب من الساحة العراقية، والذي كان من شأنه ترك المجال واسعاً أمام قوى إقليمية أخرى للتغلغل في هذا البلد لخدمة مصالحها. وكان من أبرز مؤشرات هذا التحسن قيام العديد من المسؤولين العرب بزيارة العراق والتنسيق مع مسؤولية بشأن بعض القضايا الأمنية والسياسية والاقتصادية، ومن هؤلاء العاهل الأردني الملك عبدالله الثاني ورئيس الوزراء اللبناني السابق فؤاد السنيورة اللذان زارا بغداد في أغسطس/آب 2008، وولي عهد أبوظبي سمو الشيخ محمد بن زايد آل نهيان، الذي زارها في شهر أكتوبر من العام نفس ، ووزراء خارجية مصر والإمارات والبحرين وغيرهم من المسؤولين. كما بدأت العديد من الدول العربية تعيد فتح سفارتها هناك، في الوقت الذي بدأت فيه الحكومة العراقية تطالب العرب بتعزيز حضورهم على الساحة العراقية، وهو ما عكس وجود رغبة متبادلة من الجانبين في تعزيز العلاقات بينهما.

وتكرست هذه الرغبة في الأسابيع القليلة الماضية، ولاسيما مع إحراج الجانب الإيراني المتواصل لحكومة المالكي، والذي كان آخر مظاهره احتلال القوات الإيرانية لحقل الفكة النفطي داخل الأراضي العراقية؛ حيث بدأت الحكومة العراقية تحث العرب على تعزيز حضورهم لموازنة الدور الإيراني داخل العراق، وكان وزير الخارجية العراقي، هوشيار زيباري، صريحاً جداً في هذا الصدد عندما دعا خلال وجوده في مصر خلال الشهر الماضي إلى حضور مصري قوي في العراق لـ"خلق حالة من التوازن". كما دعا رئيس الوزراء العراقي، نوري المالكي، في بيان صدر عن مكتبه في الشهر نفسه، إلى زيادة الحضور العربي في العراق في جميع المجالات، وألا يبتعد العرب عن العراق؛ لأنه عضو مؤسس للجامعة العربية ويقوم بدور فاعل في محيطه الإقليمي والدولي، مبيناً أن العراق تجاوز الخطر وخرج من العزلة الدولية التي كان يعانيها بسبب سياسات النظام السابق، مشيراً إلى أن هناك أجندات إقليمية تريد تحويل العراق إلى ساحة للصراع، لكن الشعب العراقي وقواه الوطنية المخلصة ستواجه هذه الأجندات وتفشلها.

وعلى الجانب العربي، قامت جامعة الدول العربية مطلع هذا العام بإرسال مبعوثها الجديد إلى بغداد، ناجي أحمد شلغم، الذي تسلم مهام عمله هناك بعد استقالة مبعوثها السابق في بداية العام الماضي 2009، لاستكمال جهود الجامعة الرامية إلى تحقيق المصالحة الوطنية وتقديم الدعم للعراقيين في مختلف المجالات. كما قامت القاهرة بتعيين سفير جديد لها لدى العراق في نوفمبر/تشرين الثاني الماضي خلفاً للسفير إيهاب الشريف الذي تم اختطافه وقتله ببغداد في يوليو/تموز 2005.

لكن مسار العلاقات العربية-العراقية لم يكن إيجابياً على طول الخط. فقد شهدت علاقات العراق ببعض الدول العربية ولاسيما سورية والمملكة العربية السعودية توترات عدة. فقد وجهت الحكومة العراقية انتقادات قوية ومتكررة لدمشق تتهمها بالوقوف خلف التفجيرات الإرهابية التي تستهدف العراق وإيواء بعض المعارضين البعثيين الضالعين في هذه التفجيرات، ومن ذلك التفجيرات التي وقعت في شهر أغسطس/آب الماضي وأودت بحياة العشرات من العراقيين، والتي اتهمت حكومة المالكي بعثيين سابقين يقيمون في سورية بالوقوف خلفها، وطالبت دمشق بتسليمهم، بل ترافق هذا الطلب مع سحب السفير العراقي في دمشق للاحتجاج، ووصل الأمر إلى حد المطالبة بتشكيل لجنة دولية للتحقيق في هذه التفجيرات ومحاسبة المسؤولين عنها أسوة بتلك المشكلة للتحقيق في جريمة اغتيال الحريري. كما تم توجيه أصابع الاتهام إلى سورية أيضاً بالوقوف خلف التفجيرات التي وقعت في بغداد خلال الشهر الماضي، وأسفرت عن سقوط نحو 300 شخص بين قتيل وجريح. وقد أوجدت هذه الاتهامات فجوة مصطنعة في العلاقات السورية-العراقية، أرجعتها إلى ما دون الصفر، وربما كان ذلك متعمداً من بعض الجهات. فبعض التحليلات السياسية لم تستبعد ضلوع إيران في هذه التفجيرات لخشيتها من تطوير التقارب العراقي- السوري على حساب نفوذها، فضلاً عن قلق إيران من مسيرة انفتاح سورية على الغرب، وبدايات خروج لبنان من مأزقه السياسي. وعلى الرغم من التحالف السوري- الإيراني الاستراتيجي فثمة مؤشرات على وجود تضارب في مصالح البلدين إقليمياً، أخذ يتزايد بشكل واضح.

كما تشهد العلاقات العراقية-السعودية بعض التوترات بين فترة وأخرى تعكسها تصريحات بعض العناصر في الحكومة العراقية، والتي تتهم المملكة دون أدلة واضحة على مواقف سلبية تجاه العراق، وكان هناك اتهامات للسعودية بأنها تحاول تقويض الأمن في الساحة العراقية عن طريق تحريض المسلحين ودعمهم. وعلى الرغم من التحسن الذي شهدته هذه العلاقات مؤخراً، فإن ذلك لم يحل دون حدوث بعض الأزمات، لعل آخرها هجوم المالكي على المؤسسة الدينية السعودية واتهامها بأنها تحمل "فكراً تكفيرياً حاقداً وعدائياً"، وذلك رداً على الانتقادات التي وجهها أحد رجال الدين السعوديين للمرجع الشيعي العراقي آية الله علي السيستاني.

لا خلاف على أن هناك شعوراً عربياً شبه جماعي بالقلق من تطور الأوضاع في العراق مبعثه التغلغل الإيراني الواسع في هذا البلد، والخوف من عودته مجدداً إلى دائرة العنف الطائفي الأعمى، بكل ما قد يترتب على ذلك من انعكاسات سلبية على مجمل الأوضاع الأمنية في المنطقة. ولا خلاف على أن هناك رغبة عربية عامة في أن يعود العراق بخصائصه التاريخية والجغرافية وبإمكانياته المادية دولة فاعلة في محيطها العربي؛ لأنه سيمثل رصيداً إضافياً للقوة العربية وأداة لتحقيق التوازن الاستراتيجي في منطقة الخليج والشرق الأوسط ككل. ولا خلاف أيضاً على أن العراق يحتاج إلى تعزيز عمقه العربي، ولاسيما بعد أن كشفت التحركات الإيرانية الأخيرة عن أطماعها في هذا البلد، حتى وإن كانت الصورة لا تزال ملتبسة لدى بعض القوى العراقية الطائفية.

كل ذلك يفرض على الجانب العربي العمل الجاد من أجل تعزيز جسور التعاون والتقارب مع العراق بما يخدم المصلحة المشتركة للجميع. فالعرب مطالبون بتفعيل حضورهم السياسي داخل الساحة العراقية، ليس فقط من خلال إرسال السفراء إلى هناك، ولكن أيضاً، وهذا هو الأهم، من خلال التحرك بفاعلية، ومواجهة مخططات القوى الإقليمية الأخرى التي تسعى إلى تعزيز نفوذها في هذا البلد ومحاولة إخراجه من انتمائه العربي، خاصة أن العراق مقبل على استحقاقات مهمة سيكون لها دورها المحوري في تقرير مستقبله، يأتي على رأسها الانتخابات البرلمانية المقرر أن تجري في شهر مارس 2010، فضلاً عن الانسحاب الأمريكي المتوقع أن يكتمل في عام 2011.

ومع الاعتراف بحقيقة استمرار وجود بعض العقبات التي يمكن أن تحد من الفاعلية المطلوبة للدور العربي على الساحة العراقية، أهمها استمرار النفوذ الإيراني القوي داخل العراق وحالة عدم الاستقرار الأمني التي يشهدها هذا البلد رغم التحسن الحادث في هذا المجال، فإن ذلك لا ينبغي أن يشكل مبرراً لعدم التحرك، خاصة بعد أن اتضح للجميع سلبيات هذا الغياب العربي عن العراق، بل ينبغي ابتكار الأساليب التي يمكن أن تساعد على تجاوز هذه العقبات، واستثمار الأجواء الإيجابية التي بدأت تظهر مؤخراً، وأهمها تزايد شعبية القوى الوطنية مقابل تراجع القوى الطائفية في العراق بعد إفلاس المشروع الطائفي في إدارة الدولة، وإدراك بعض القوى العراقية، وإن جاء هذا الإدراك متأخراً، لأهمية وجود قاعدة لأدوار عربية فعالة لمواجهة توسع النفوذ الإيراني المتضخم في العراق. فهل نشهد بداية مرحلة جديدة للعلاقات العربية-العراقية تعيد التوازن والاستقرار المطلوب للمنطقة، أم تستمر حالة الغياب العربي بكل سلبياتها على العراق والمنطقة؟

Share

الفعاليات المقبلة

إصدارات