العلاقات الخليجية- الإيرانية… مسيرة توتر

  • 26 مايو 2010

بديهي القول إن العلاقات الخليجية- الإيرانية تتسم بكثير من التعقيدات والتناقضات. فمنذ ما قبل الثورة الإسلامية في إيران كانت المطامع الإيرانية متجلية في أكثر من سلوك ومكان، من إعلان الشاه في وقت من الأوقات البحرين جزءاً من الدولة الإيرانية، وصولاً إلى احتلال الجزر الإماراتية الثلاث في العام 1971. ومع قيام الثورة عام 1979، أصبح هناك قلق وخوف لدى الدول الخليجية من الامتداد الأيديولوجي للثورة إلى الداخل الخليجي، وخصوصاً إلى الدول التي يشكل الشيعة جزءاً مهماً من نسيجها الاجتماعي. وأظهرت الحرب الإيرانية- العراقية موقف دول مجلس التعاون لدول الخليج العربية من إيران، فدعمت بغداد في تلك الحرب التي استمرت لمدة ثماني سنوات، وهو "استثمار سياسي" تتوج بخيبة كبيرة مع احتلال صدام حسين الكويت والتبعات العسكرية والسياسية ذات الطابع الاستراتيجي التي نجمت عن تلك الخطوة الحمقاء.

لم يدم طويلاً المنحى الجديد في التعاطي الإيراني مع دول الخليج، والذي برز في عهد الرئيسين علي أكبر هاشمي رفسنجاني ومحمد خاتمي، والذي أخذت معه العلاقات الخليجية- الإيرانية اتجاهاً متوازناً ومنفتحاً توج بتوقيع اتفاقية أمنية عام 2001 شكلت محطة مهمة بين الطرفين. فالمسار انقلب بوصول أحمدي نجاد إلى سدة الرئاسة والعودة القوية لفكرة تصدير النفوذ، إن لم يكن ممكناً تصدير الثورة.

لم تكن تلك التصريحات التي أطلقها في الآونة الأخيرة أكثر من مسؤول إيراني ضد دولة الإمارات بُعيد تأكيد وزير الخارجية الإماراتي الشيخ عبدالله بن زايد حق بلاده في جزرها وإقامته المقارنة المنطقية بين الاحتلالات، لكن ما أمكن استغرابه هو وصول الصلافة والعنجهية لدى طهران إلى حد التحذير من "غضب الشعب الإيراني"، وكأن المجتمعات لا تزال تعيش شريعة الغاب، ولم تتعرف بعد على القوانين الدولية والأعراف، وما أمكن استنتاجه هو أن كل الكلام الذي تطلقه طهران في كل الأوقات عن الأخوة الإسلامية وحسن الجوار و"العدو المشترك" المتمثل بإسرائيل ليس سوى شعارات تخفي النيات المبيتة التي لا تتردد في الإفصاح عن نفسها بأسوأ الأشكال.

وكانت العلاقات الإيرانية- الخليجية شهدت مزيداً من التدهور مع إعلان الجمهورية الإسلامية استئنافها لبرنامجها النووي، والذي ترى فيه دول الخليج تهديداً مباشراً لأمنها وأمن النفط، فضلاً عن تنامي النفوذ الإيراني في المنطقة، وما يمكن أن يؤدي إلى اختلال كبير في ميزان القوى. فما هي مخاوف الدول الخليجية من إيران نووية؟

أولاً، تفاقم التأثير الشيعي، فهناك قلق متزايد بين القادة العرب من النفوذ الإيراني وتأثيره على الأقليات الشيعية في الدول الخليجية من السعودية إلى الكويت والبحرين، وهي أقليات تعيش في وئام كامل مع أنظمتها، لكن ممارسة التدخل في شؤونها أو التحريض يمكن أن يحول جزءاً، ولو قليلاً، منها إلى عنصر اضطراب وعدم استقرار. وقد شهدنا في الآونة الأخيرة في البحرين إعفاء وزير الدولة منصور بن رجب من منصبه في قضية متصلة بشبكة لغسيل الأموال، تعمل لصالح الحرس الثوري الإيراني للتحايل على الحصار المالي المفروض عليه دولياً. وإذ لم تعلن بشفافية نتائج التحقيقات، فإن ما تم تداوله يتراوح بين تبييض أموال من حصيلة بيع ممنوعات الكيف الإيرانية إلى جهات خارجية في بعض الدول مثل أذربيجان وكولومبيا وبين مسائل أخرى أقل خطورة لكن لا تقل في عدم شرعيتها عن الغسيل والتبييض ومرتبطة في كل الأحوال بمصالح نافذة في طهران.

وفي الكويت أيضاً ألقت أجهزة الأمن القبض على شبكة تخابر وتجسس لمصلحة الحرس الثوري الإيراني تهدف إلى رصد المنشآت الحيوية والعسكرية الكويتية ومواقع تمركز القوات الأمريكية في البلاد، بالإضافة إلى إرسال تقارير عن الوضع السياسي في الكويت وتشعباته ومتانة الجبهة الداخلية. وإذا كانت النيابة العامة الكويتية أصدرت تعميماً بمنع النشر في القضية كونها منظورة أمام القضاء، فإن القلق الحقيقي جاء من الخشية على الوحدة الوطنية من التصدع جراء قيام وسائل إعلام شيعية متعاطفة مع طهران بهجوم مضاد اعتبر الأنباء عن اكتشاف الشبكة تخرصات تهدف إلى التحريض الطائفي وتصب في خانة إسرائيل!

والأكيد أن امتلاك إيران لقنبلة نووية سيعطي مبرراً إضافياً لمشاعر الاستقواء أو الاختراقات إذا تابعت إيران نهجها الحالي القائم على تعميق التناقضات وإيهام جزء أصيل من المواطنين الخليجيين بأنها الحامية له والقادرة على دعمه لتحقيق طموحاته في مزيد من المشاركة في السياسة والاقتصاد والقرار.

ثانياً، الهيمنة الإيرانية على المنطقة، فالبرنامج النووي الإيراني قد يشجع إيران على اتباع سياسة خارجية أكثر حزماً وتأثيراً في المنطقة. ومن خلال المتابعة يتضح أن الجمهورية الإسلامية أضحت مدخلاً لأي مفاوضات جديدة في المنطقة من العراق إلى فلسطين مروراً بلبنان وسورية؛ نظراً لامتداداتها على الساحة العربية من خلال تحالفاتها مع "حزب الله" و"حماس" ودمشق. ويأتي كل ذلك على حساب الدول الخليجية، ولاسيما السعودية التي تحرص على المحافظة على دورها المؤثر في عملية تشكيل السياسات الشرق أوسطية.

ثالثاً، سيناريو الضربة العسكرية، ففي حال حدوث ضربة عسكرية على إيران فإن الدول الخليجية الحليفة للولايات المتحدة ستجد نفسها في الواجهة، لوجود قواعد أمريكية على أراضيها. يضاف إلى ذلك القلق على أمن النفط الذي يعتبر الشريان الرئيسي للدول الخليجية. وفي هذا الإطار يمكن إدراج المناورات التي أجراها الحرس الثوري الإيراني مؤخراً في الخليج العربي ومضيق هرمز.

بالإضافة إلى المخاطر المباشرة المتعلقة باحتمالات الحرب أو تداعيات العقوبات على إيران، تدفع الأسباب المذكورة آنفاً إلى سباق تسلح خطير في الخليج. لكن، ليس مستبعداً أن تتسبب المخاوف والمطامع في سباق نوعي نووي إذا تمكنت إيران من النجاة بمشروعها النووي بسبب التناقضات الدولية وقدرتها الاستثنائية على التفاوض واللعب على حافة الهاوية. وسباق من هذا المستوى سيهدر إمكانات دول الخليج العربية وإيران على السواء، وسيعوق التنمية في دولٍ معظم سكانها في سن الشباب المحتاج إلى فرص عمل، وسيضع المنطقة أمام شقاق مذهبي خطير يجعل مهمة قوى الاعتدال بعيدة المنال، ويحوِّل الدعوات إلى الحوار صرخات في واد.

Share