العلاقات الإيرانية– الروسية: بين الحمولة التاريخية والآفاق المستقبلية

  • 9 أكتوبر 2011

ثمة عقبات أو مشكلات تظهر دائماً في التعاون العسكري بين إيران وروسيا، وتحول دون تنفيذ ما اتفقت عليه الدولتان أو تأجيل هذا التنفيذ على الأقل. ومن أمثلة ذلك ما حدث حين اتفقت إيران مع روسيا على شراء ثلاث غواصات هجومية من طراز كيلو، إذ لم يلبث أن تجمد هذا الاتفاق بامتناع روسيا عن تسليم إيران الغواصة الثالثة، مع العلم بأنها كانت قد سلمتها أول غواصة في تشرين الثاني/ نوفمبر 1992. وقيل في تفسير هذا الامتناع أنه يعود إلى ضغوط مارستها الإدارة الأمريكية على القيادة الروسية.

ومن أمثلة ذلك أيضاً أن روسيا، التي تعهدت في عام 1995 بأن تأخذ على عاتقها مهمة استكمال بناء مفاعل بوشهر النووي الذي بدأ العمل فيه عام 1975 ثم توقف لاحقاً بعد اندلاع الثورة الإسلامية، ماطلت في تشغيل هذا المفاعل الذي كان مقرراً له أن يبدأ في إنتاج الكهرباء عام 1999. وعلى الرغم من أن روسيا كانت تملك في كل مرة ترجئ فيها تشغيل مفاعل بوشهر حجة تبرر بها موقفها، كما في تذرعها عام 2008 بتلكؤ إيران في سداد الدفعة المالية المقررة في شباط/ فبراير 2007 وقيمتها 25 مليون دولار، وتعللها عام 2011 باكتشاف عطل في إحدى مضخات التبريد في المفاعل ينذر بتكرار كارثة تشيرنوبل. على الرغم من هذه المبررات المعلنة فإن المفهوم أن الموقف الروسي مبنيٌّ على أسس سياسية بامتياز؛ إذ لا يمكن الفصل بين تقلبات الموقف الروسي من قضية المفاعل، وطبيعة التطور في العلاقات الروسية– الأمريكية، خصوصاً فيما يتصل بقضيتين رئيستين هما: قضية توسع النفوذ الغربي (الأوروبي) في الفناء الخلفي الروسي إلى حد أصبحت معه معظم دول أوروبا الشرقية والوسطى عضواً في الاتحاد الأوروبي، وقضية الدرع المضاد للصواريخ الذي يستهدف مواجهة خطر الصواريخ الإيرانية لكنه يلامس الحدود الروسية. ومن الأمور ذات الدلالة في هذا الخصوص، أن عام 1995 الذي دشن التعاون الروسي– الإيراني في مفاعل بوشهر، هو نفسه العام الذي قيل إن اتفاقاً سرياً أبرم فيه بتاريخ 30 حزيران/ يونيو بين كل من رئيس الوزراء الروسي تشيرنومردين ونائب الرئيس الأمريكي آل جور لتقييد التعاون العسكري الإيراني– الروسي.

ثالث الأمثلة على ذلك ما حصل سنة 2007، حين تعاقدت روسيا مع إيران على بيعها صواريخ (إس- 300) بقيمة إجمالية تبلغ 800 مليون دولار، فقد وقّع الرئيس الروسي ميدفيديف في 22 أيلول/ سبتمبر 2010 مرسوماً يقضي بوقف شحنة الصواريخ تنفيذاً لقرار مجلس الأمن رقم 1929. ومعلوم أن القرار المذكور يحظر تصدير أسلحة لإيران عقاباً لها على عدم تعاونها بشكل كامل وشفاف مع الوكالة الدولية للطاقة الذرية. وهذا الإجراء الروسي يعد آخر الألغام التي تفجرت في مسار التعاون العسكري مع إيران إلى الحد الذي شن معه الرئيس الإيراني نجاد حملة شعواء على نظيره الروسي ميدفيديف معتبراً إياه قد باع نفسه للشيطان في إشارة للولايات المتحدة الأمريكية. ومضت إيران خطوة أبعد باللجوء للتحكيم الدولي لاختصام روسيا، إلا أن الأخيرة قامت برد مبلغ 166 مليون دولار قيمة القسط الذي تسلمته من إيران في إطار صفقة الصواريخ.

تكشف الأمثلة المذكورة أعلاه عن أهمية إيران كساحة للتنافس الأمريكي– الروسي. ليس فقط بحكم ثروتها النفطية بوصفها ثاني أكبر الدول المنتجة للنفط في منظمة الأوبك، ولكن أيضاً بحكم أهميتها الاستراتيجية، خصوصاً مع ما هو معلوم عن الهاجس الروسي الأبدي للوصول إلى المياه الدافئة، هذا فضلاً عن طبيعة خياراتها السياسية في قضايا الشرق الأوسط. وإذا كانت الورقة الإيرانية تُستخدم للضغط المتبادل بين روسيا والولايات المتحدة، فإن إيران نفسها تستخدم التنافس الأمريكي– الروسي وتوظفه لصالحها. في ضوء ذلك نستطيع أن نفسّر قيام شاه إيران في ذروة الارتباط الاستراتيجي مع الولايات المتحدة، والذي وصل إلى حد الدخول معها في معاهدة للدفاع المشترك وقبل ذلك الانضمام لحلف بغداد، بالتعهد للاتحاد السوفيتي في عام 1962 بعدم نصب صواريخ أمريكية في الأراضي الإيرانية. فالمقصود كان هو عدم قطع شعرة معاوية مع الجار السوفيتي القوي.

نقطة الجوار الجغرافي هذه نقطة مهمة جداً في إلقاء الضوء على تطور العلاقات الإيرانية- الروسية. فالجوار يصنع المشكلات بقدر ما يولد فرص التعاون. فقد تسبب هذا الجوار في اندلاع حربين بين الدولتين في القرن التاسع عشر، وفي امتداد النفوذ السوفيتي إلى شمال إيران في القرن العشرين، وفي المحاولات السوفيتية المتكررة لإذكاء النزعات الانفصالية في إيران بقصد إضعافها وتسهيل السيطرة عليها. وتسبب أيضاً في وقوف الدولتين على طرفي نقيض إبان الاحتلال السوفيتي لأفغانستان، ثم في التنسيق معاً ضد حكم طالبان بعد الانسحاب السوفيتي، وبشكل أخص بعد الغزو الأمريكي لها في عام 2001. هما كذلك تعاونتا في نزاع أرمينيا مع أذربيجان على إقليم ناجورنو كاراباخ، ووقفت إيران مع روسيا إلى جانب أرمينيا بسبب تعقيدات المسألة الآذرية وامتداداتها الإيرانية، وهذا أحد أبرز المواقف شديدة البراجماتية في السياسة الخارجية الإيرانية. وهما اختلفتا على الساحة العراقية ثلاث مرات، المرة الأولى عندما دعم الاتحاد السوفيتي العراق في حربه مع إيران، والمرة الثانية عندما سهلت إيران الاحتلال الأمريكي للعراق وأخرجته من دائرة النفوذ الروسي، والمرة الثالثة عندما استنزفت إيران النفوذ السياسي والوجود العسكري الأمريكي في العراق لصالح دعم نفوذها السياسي والأمني.

نصل الآن إلى السؤال عن مستقبل العلاقات الإيرانية– الروسية، ولاسيما في ضوء الحركات الاحتجاجية العربية. يمكن القول إن ثمة عوامل مشتركة تقرب بين الدولتين وتحتم تعاونهما في حدود الأمد المنظور. أحد هذه العوامل هو أن الدولتين خسرتا معاً من جراء تلك الاحتجاجات الشعبية، وتجلت خسارتهما الأبرز في إضعاف النظام السوري واحتمال إطاحته وارتفاع الأصوات الداعية للقطع معهما جراء موقفهما الداعم لهذا النظام. وسورية ليست دولة عادية فهي مهمة بحد ذاتها كرقم صعب في التنافس الإقليمي والدولي على صوغ خريطة الشرق الأوسط، وهي مفتاح لعديد من الساحات التي لا تقل عنها أهمية: لبنان وفلسطين والعراق. ويفسر لنا ذلك استماتة الدولتين معاً أي إيران وروسيا لإنقاذ نظام بشار الأسد. روسيا بعضويتها الدائمة في مجلس الأمن التي تمكنها من إشهار سلاح الفيتو لإجهاض أي مشروع قرار يطالب بتطبيق العقوبات على سورية. وإيران من خلال الحرس الثوري وحزب الله والماكينة الإعلامية التي تؤكد أن ما يجري في سورية هو محض مؤامرة.

عامل آخر يتعلق بأن الدولتين لهما مصلحة في لجم طموحات جارهما التركي الصاعد بقوة الصاروخ على مستوى الشرق الأوسط في إطار سياسة "العثمانية الجديدة". ولعل أحد العوامل التي كانت قد دفعت روسيا إلى تأييد قرار مجلس الأمن رقم 1929 هو قبول إيران بدور لتركيا مع البرازيل في إبرام صفقة تبادل اليورانيوم عام 2010. فقد آذى الروس أن يرفض الإيرانيون منهم ما قبلوه من الأتراك، أي تخصيب اليورانيوم خارج الأراضي الإيرانية. وأتصور الآن أنه من الصعب جداً على إيران أن تكرر سابقة إقحام تركيا في ملفها النووي، ولاسيما بعد الشعبية التي حصل عليها أردوغان في عموم الدول العربية جراء لحاقه بقاطرة دعم الثورات والاحتجاجات العربية في مرحلة متأخرة. ثم إنه مع وجود تكافؤ نسبي في مقومات القوة المادية لكل من إيران وتركيا، فإن هذه الأخيرة تتفوق في عناصر القوة الناعمة (الدراما والثقافة)، هذا فضلاً عن مذهبها السني الذي يصلها بالأغلبية الساحقة من العرب المسلمين. تركيا إذن هي مصدر لمنافسة كلٍ من روسيا و إيران سواء على المستوى العربي أو على مستوى القوقاز خصوصاً فيما يتعلق بمسائل تصدير النفط والغاز عبرها للخارج.

عامل ثالث وأخير مرتبط جزئياً بسابقه هو أنه ليس من مصلحة روسيا إضعاف إيران اقتصادياً بالكامل بما يصب في النهاية لمصلحة ارتفاع أسهم تركيا، وليس من مصلحتها كذلك إفلات إيران من الرقابة الدولية على نشاطها النووي، وبالتالي قيام دولة نووية على حدودها. لكن الشكل المثالي للجوار الإيراني من وجهة نظر روسيا هو أن تمثل دولة متوسطة القوة تستطيع أن تنافس تركيا، لكنها في الوقت نفسه لا تهدد روسيا. ومن هنا نفهم المبادرة الروسية الأخيرة لحلحلة العقدة النووية الإيرانية، والتي تتمثل في التخفيف التدريجي من العقوبات الاقتصادية على إيران مع التقدم التدريجي في المفاوضات الإيرانية مع دول 5+1.

وهكذا فإنه مع كل التشابك والتعقيد في محددات العلاقات الإيرانية– الروسية، فإن التحديات التي تواجهها الدولتان في الأمد المنظور ستفرض عليهما الدفاع عنها إلى المدى الأقصى.

Share