العلاقات الإماراتية – الموريتانية راسخة وماضية نحو مزيد من المتانة

منذ أن تأسست دولة الإمارات العربية المتحدة، حرصت، وانطلاقاً من العمق العربي الراسخ في سياساتها الخارجية، على توطيد العلاقات بكل أشكالها مع الجمهورية الإسلامية الموريتانية، وهو ما أشار إليه سيدي محمد ولد الطالب أعمر، رئيس حزب الاتحاد من أجل الجمهورية، الحزب الحاكم في موريتانيا، في مقال نشرته صحيفة الاتحاد في 20 أغسطس الجاري.

ولد الطالب أعمر الذي أشار في مقاله المعنون بـ: “العلاقات الموريتانية الإماراتية.. ماضٍ حافل ومستقبل واعد” إلى قيام علاقات بلاده مع دولة الإمارات على قاعدتين صلبتين، الأولى: تطوير العلاقات الثنائية بين شعبين متماثلين في الطباع والقيم، توحد بينهما أواصر الدين واللغة والهوية والمصير، والثانية: تنسيق المواقف لصالح البلدين، وفق متطلبات حماية وخدمة القضايا العربية والإسلامية، تعدّ إشارة في غاية الدقة، فالمغفور له بإذن الله تعالى، الشيخ زايد بن سلطان آل نهيان، طيب الله ثراه، ومنذ عام 1973، أي بعد تأسيس الاتحاد بسنتين، حرص على نسج خيوط العلاقات مع موريتانيا وفق أسس متينة من التعاون والتنسيق، فلطالما كان، رحمه الله، يشيد بنخوة الموريتانيين، التي قابلَها بكثير من النخوة والشهامة.

وفي إشارة ولد الطالب أعمر في مقاله إلى زيارة الشيخ زايد، رحمه الله، الرسمية الأولى إلى موريتانيا في الـ 13 من أغسطس عام 1974، التي كان لها عميق الأثر في وضع الأسس القوية للعلاقات بين الدولتين، وامتدادها إلى نصف قرن من الزمن تعززت فيها العلاقات وتطورت على مختلف الصعد، حتى صارت نموذجاً رائداً للعلاقات الثنائية المثالية بين الدول العربية، دلالات عدّة؛ حيث تطورت هذه العلاقات وتراكمت حتى أفضت إلى المزيد من التعاون المشترك في المجالات كافة، شملت البعثات الشرطية، والتعليمية، والقضاء والحراسات وتنمية الثروة الحيوانية.

وحرصت دولة الإمارات، منذ نهاية سبعينيات القرن الماضي على تقديم كل أوجه الدعم لموريتانيا، إسهاماً في تعزيز نهضتها التنموية، ففي مجال البنى التحتية قدمت دولة الإمارات عام 1979 قرضاً بمبلغ 40 مليون درهم إماراتي لموريتانيا. وفي مجال الزراعة قدّم صندوق أبوظبي للتنمية قرضاً بمبلغ 24 مليون درهم إماراتي لتمويل مشاريع زراعية في عام 1980، وقرضاً آخر قدمته حكومة أبوظبي في العام نفسه، بقيمة 43 مليون درهم في مجال استثمار نهر السنغال. أما التآخي الأكبر فقد تجسد في هبة الشيخ زايد، رحمه الله، التي بلغت 1.5 مليون دولار، التي شيّد بفضلها ثاني أكبر مستشفى في موريتانيا في عام 2000، هو مستشفى “الشيخ زايد” في العاصمة نواكشوط، يوفّر العلاج لذوي الدخل المحدود من الموريتانيين.

وفي سياق العلاقات التي حرصت دولة الإمارات على تعزيزها مع موريتانيا، حتى بعد وفاة الشيخ زايد، رحمه الله، فقد تطرق ولد الطالب أعمر في مقاله إلى استقبال صاحب السمو الشيخ محمد بن راشد آل مكتوم، نائب رئيس الدولة، رئيس مجلس الوزراء، حاكم دبي، رعاه الله، وصاحب السمو الشيخ محمد بن زايد آل نهيان، ولي عهد أبوظبي، نائب القائد الأعلى للقوات المسلحة، حفظه الله، في فبراير الماضي، لفخامة محمد ولد الشيخ الغزواني، الرئيس الموريتاني، مؤكداً أن هذه الزيارة كان لها دلالة عميقة على متانة العلاقات الأخوية بين الدولتين، وخاصة أنها اعتُبِرت أول زيارة للرئيس الموريتاني إلى دولة عربية منذ انتخابه رئيساً.

لقد كان لهذه الزيارة، التي لم يمضِ عليها أشهر قليلة، وما تمخض عنها من نتائج عمّقت العلاقات الثنائية بين الدولتين، دلالة مهمة على أن دولة الإمارات ماضية على عهدها في الوقوف صفاً بصف إلى جانب الإخوة الموريتانيين، وذلك حين وجّه صاحب السمو الشيخ خليفة بن زايد آل نهيان، رئيس الدولة، حفظه الله، وصاحب السمو الشيخ محمد بن زايد آل نهيان، حفظه الله، بتخصيص ملياري دولار لتنفيذ مشاريع تنموية واستثمارية في موريتانيا، غداة تلك الزيارة.

ولد الطالب أعمر، الذي اعتبر نتائج تلك الزيارة تأكيداً لما كان معروفاً وثابتاً من مواقف دولة الإمارات تجاه موريتانيا، وما شهدته من توقيع اتفاقيات، ومذكرات تفاهم، لتعزيز التعاون بين الدولتين وتنويع آفاقه، كالإعفاء المتبادل من التأشيرات على الجوازات الدبلوماسية وجوازات العمل، والتعاون في المجالات التعليمية، والعسكرية والفنية والأمنية والتنموية والاستثمارية والإنسانية والرعاية الاجتماعية، شكلت دعماً قوياً للاقتصاد الموريتاني في لحظة صعبة، وعكست المثال الحي والنموذج الأفضل للتكامل والتآخي بين الأشقاء، وبالطبع هي كذلك، فالعلاقات الاقتصادية شهدت بين الدولتين تطوراً كبيراً، ووصل حجم التبادل التجاري بينهما إلى نحو 325 مليون دولار، وتزايدت استثمارات دولة الإمارات في موريتانيا في العديد من المجالات؛ أهمها القطاع الزراعي، فضلاً عن تمويل العديد من المشروعات التنموية في موريتانيا، مثل النقل والطاقة والصناعات المعدنية والخدمات.

وسياسياً، حافظت الدولتان على علاقتهما القائمة على التنسيق في القضايا ذات الاهتمام المشترك، وتعززت في السنوات الأخيرة بشكل لافت للنظر، وهو ما تحدّث عنه ولد الطالب أعمر في مقاله؛ حيث قال إن العلاقات الإماراتية – الموريتانية تقوم على الاحترام المتبادل والتعاون، وتطابق الرؤى والمواقف من مجمل القضايا العربية والإقليمية والدولية، وإن دولة الإمارات مؤتمنة على القرارات التي تتخذها خدمة للقضايا العربية والإسلامية، لما تمتلك من حسن تقدير وتدبير لحماية مصالحها ومصالح أشقائها، وأن “دولة الإمارات من أكثر الأشقاء حرصاً على استعادة الفلسطينيين حقوقهم غير منقوصة، من خلال استقلال دولتهم وعاصمتها القدس الشرقية”.

وفي مجالات التعاون العسكري والأمني، شهدت العلاقات الإماراتية – الموريتانية تعاوناً وتنسيقاً كبيرين، انطلاقاً من تقارب رؤى الدولتين في مكافحة الإرهاب والجريمة المنظمة؛ وهو ما عرّج عليه ولد الطالب أعمر في مقاله، حين تطرق إلى «كلية محمد بن زايد للدفاع» الكلية الأولى من نوعها في موريتانيا التي أُنشئت بتمويل إماراتي، وأصبحت إطاراً لتدريب الضباط العسكريين في مجموعة دول الساحل الخمس، معتبراً أن بلاده التي تقع ضمن فضاء الساحل، الذي يشهد تحديات أمنية تتجسد بالإرهاب والهجرة غير الشرعية والتهريب، ويعاني ضغوطات اقتصادية وزراعية كبيرة، بحاجة إلى التعاون المستمر مع دولة الإمارات، لضمان استمرار النجاحات الأمنية.

وفي سياق حديثه عن الآفاق الواعدة والمبشرة التي تنتظر علاقات الدولتين الاستثنائية، اعتبر ولد الطالب أعمر أنها ستكون رافعة لتعزيز وتوطيد هذا الإرث الزاخر بالثقة والاحتضان المتبادل لحماية الدولتين والمنطقة من مخاطر متغيرات الساحة الدولية، وانعكاسات الصراع على المصالح والنفوذ، وهو ما تعمل عليه بالفعل دولة الإمارات التي لم تترك موريتانيا ولن تتركها لأي تحدٍّ قد يواجهها، وهو ما يشهد عليه إرسال الدولة، وفي إطار مواجهة تداعيات وباء “كوفيد – 19″، في إبريل الماضي طائرة تحمل 18 طناً من المساعدات الطبية والغذائية إلى موريتانيا، استفاد منها 10 آلاف من العاملين في مجال الرعاية الصحية، وطائرة أخرى، أُرسِلت في يونيو الماضي، محمّلة بمساعدات تحتوي على 18 طناً من الإمدادات الطبية والغذائية إلى موريتانيا، وتدعم أكثر من 14 ألفاً من العاملين في مجال الرعاية الصحية لتعزيز جهودهم في احتواء الوباء الذي يعصف بالعالم كله.

Share