العلاقات الإماراتية-الصينية.. رؤية قائد

العلاقات الإماراتية-الصينية.. رؤية قائد

  • 29 ديسمبر 2015

شكّلت الزيارة التاريخية التي قام بها صاحب السمو الشيخ محمد بن زايد آل نهيان، ولي عهد أبوظبي، نائب القائد الأعلى للقوات المسلحة، حفظه الله، منتصف شهر ديسمبر الجاري، نقلة نوعية في العلاقات بين دولة الإمارات العربية المتحدة وجمهورية الصين الشعبية، لتذكرنا بالزيارة التاريخية للمغفور له – بإذن الله تعالى – الشيخ زايد بن سلطان آل نهيان، طيب الله ثراه، قبل أربعين عاماً تقريباً، والتي أرست علاقات قوية بين دولة ناشئة وأخرى عظمى، ترتّب عليها إيجاد أرضية لربط المصالح المشتركة للطرفين، وتمخضت عنها نتائج إيجابية عدة أسهمت في تعزيز العلاقات الثنائية.

ومنذ ذلك التاريخ جرت من تحت الجسر مياه كثيرة تركت آثارها على موازين القوى في المنطقة والعالم، فدولة الإمارات العربية المتحدة، التي تكوّنت حديثاً في بداية السبعينيات من القرن الماضي، تحوّلت إلى دولة صاعدة سريعة النمو تملك اقتصاداً متنوعاً، وتقدّم نموذجاً تنموياً فريداً من بين الدول المنتجة للنفط، إضافة إلى قوة عسكرية امتحنت شجاعة أبنائها في حرب اليمن ضمن التحالف العربي.

في الوقت نفسه تحولت الصين من دولة نامية يحتل اقتصادها مرتبة متوسطة بين اقتصادات العالم إلى دولة متقدمة يشكل اقتصادها ثاني أكبر اقتصاد في العالم وقوة عسكرية يحسب حسابها في اتخاذ القرارات الدولية، ما يعني تحول الصين إلى لاعب أساسي في العلاقات الدولية وفي سير النمو الاقتصادي العالمي.

مجمل هذه التطورات والتغيرات السريعة كانت ضمن رؤية القائد ونهجه في رسم علاقات دولة الإمارات للقرن الحادي والعشرين، حيث يتوقع أن يحتل الاقتصاد الصيني المرتبة الأولى عالمياً بعد سنوات عدة، وأن تتطور قوة دولة الإمارات العسكرية وتأثيرها السياسي، ما يتطلب التحضير لهذه المرحلة المقبلة من خلال تعزيز العلاقات مع القوى الكبرى المؤثرة، وفي مقدمتها الصين.

لذلك وضعت زيارة صاحب السمو الشيخ محمد بن زايد آل نهيان أسساً صلبة للتطور المرتقب في العلاقات بين البلدين، حيث يمكن تلمس ذلك من خلال طبيعة الاتفاقيات التي وقّعت في أثناء هذه الزيارة، التي شملت كثيراً من أوجه التعاون: كالفضاء، والطاقة، والتعليم، والتدريب، والمصارف، والإدارة، بالإضافة إلى توقيع شركة "مصدر" اتفاقية تعاون مع مؤسسة البترول الوطنية الصينية.

ولم يتم الاكتفاء بذلك، كما هي الحال في الكثير من الاتفاقيات الدولية، وإنما أُتْبِع بخطوات عملية تمثلت في إنشاء صندوق استثماري بعشرة مليارات دولار لتشجيع الاستثمار المشترك وتمويل المشروعات التنموية وتطوير التبادل التجاري، حيث تعتبر الصين في الوقت الحاضر ثاني أكبر شريك تجاري لدولة الإمارات العربية المتحدة، إذ بلغ حجم هذا التبادل بين البلدين 100 مليار دولار، بنسبة ارتفاع كبيرة بلغت 35% خلال عشر سنوات تحولت معه الدولة إلى أهم شريك تجاري للصين في الشرق الأوسط.

وإذا ما أخذنا قطاع الطاقة على سبيل المثال، فهو قطاع مستقبلي يعتمد على تقنيات متطورة للغاية، ما يسهم في دعم البرنامج الفضائي لدولة الإمارات العربية المتحدة وتهيئة الكوادر الوطنية القادرة على تشغيل البرنامج الوطني وإدارته، حيث تسعى الدولة إلى إرسال مركبة إلى المريخ بحلول عام 2021، الذي يصادف مناسبة عزيزة على قلوبنا تتمثل في الاحتفال بالذكرى الخمسين لقيام الاتحاد. وفي هذا القطاع، فإن المؤشرات كافة تشير إلى أن هناك تحولاً سريعاً لصادرات العالم من النفط، ولا سيما الصادرات الخليجية التي أخذت تتجه إلى البلدان الآسيوية، وخاصة الصين والهند بدلاً من الأسواق التقليدية المتمثلة في بلدان الاتحاد الأوروبي والولايات المتحدة الأمريكية التي تسعى إلى تقليل اعتمادها على النفط العربي والخليجي تحديداً، ما يقلل من اهتمامها ومصالحها في بلدان المنطقة، حيث تتوافر الإمكانات لتتحول الصين إلى أكبر مستورد للنفط الإماراتي.

هذه وغيرها من التغيرات السريعة تفرض إعادة بلورة العلاقات الخارجية للبلدان كافة، وخاصة البلدان الديناميكية سريعة التحرك، كدولة الإمارات العربية المتحدة التي لا تترك شيئاً للمصادفات والمفاجآت، حيث جاءت هذه الزيارة لتؤكد ثوابت سياسة الدولة وأهمية الدفاع عن مصالحها الوطنية وتوجهاتها المستقبلية الرامية إلى تعزيز نموذجها التنموي وتوازن علاقاتها الخارجية.

وبالإضافة إلى مجالَي الفضاء والطاقة، فإن هناك الكثير من القطاعات التي تشكل أرضية خصبة للتعاون بين البلدين، فدولة الإمارات العربية المتحدة تملك خبرات مهمة في مجال التجارة والسياحة والطيران التجاري والقطاع المالي، في حين تملك الصين التقنيات الرخيصة اللازمة لتطوير مصادر الطاقة النظيفة، وخاصة اللوائح الشمسية التي حققت فيها الصين نجاحاً مشهوداً في السنوات القليلة الماضية.

وإلى جانب التعاون الاقتصادي، يلاحظ توافق مواقف دولة الإمارات والصين في الكثير من القضايا الدولية، بما فيها قضايا الشرق الأوسط المتأزمة، وهو ما يفتح المجال أمام التنسيق في الشؤون السياسية والعسكرية والأمنية، بما فيها وضع حد للتدخلات الخارجية في شؤون دول المنطقة ومحاربة الإرهاب وتعزيز الأمن والاستقرار في منطقة الخليج العربي.

وبالتالي تعتبر زيارة صاحب السمو الشيخ محمد بن زايد آل نهيان للصين زيارة غير تقليدية وذات رؤية مستقبلية ستتمخض عنها نتائج مهمة ذات مردود إيجابي على الصُّعد كافة: الاقتصادية والسياسية والعسكرية والاستراتيجية، ما سيسهم في تقوية مركز الدولة الاقتصادي وضمان منافذ تصديرية لصادراتها من النفط ودعم تحالفاتها الدولية وتعزيز الأمن والاستقرار في المنطقة.

Share

الفعاليات المقبلة

إصدارات