العلاقات الإماراتية – السعودية وآفاقها المستقبلية في ظل زيارة محمد بن سلمان لأبوظبي

  • 30 نوفمبر 2019

كانت زيارة ولي العهد السعودي الأمير محمد بن سلمان إلى دولة الإمارات العربية المتحدة يوم الأربعاء الماضي، فرصة جديدة لتمتين التعاون الثنائي بين الدولتين، كما أنها كانت فرصة لتعزيز العمل العربي المشترك بشكل عام، في ظل المكانة الخاصة التي تتمتع بها كل من أبوظبي والرياض داخل منظومة العمل العربي المشترك.
شكلت الزيارة التي قام بها صاحب السمو الملكي الأمير محمد بن سلمان بن عبدالعزيز آل سعود، ولي العهد نائب رئيس مجلس الوزراء وزير الدفاع السعودي إلى دولة الإمارات العربية المتحدة يوم الأربعاء الماضي فرصة جديدة لمزيد من تطوير العلاقات الثنائية بين الدولتين، وهي العلاقات التي شهدت بالفعل قفزات نوعية كبيرة خلال السنوات الأخيرة، كما أنها في الوقت نفسه، مثلت فرصة لتعزيز التعاون العربي المشترك بشكل عام، وذلك في ضوء المكانة الخاصة التي تتمتع بها كل من أبوظبي والرياض داخل منظومة العمل العربي المشترك، وهما اللتان تمثلان ركيزتين أساسيتين للأمن القومي العربي، وتشكلان ركيزة الاعتدال العربي لمواجهة المخاطر التي تستهدف سيادة الدول ووحدة المجتمعات وأمن الشعوب واستقرارها.
وقد جاءت زيارة الأمير محمد بن سلمان، لدولة الإمارات في ظل ظروف إقليمية دقيقة، ما أضاف إليها المزيد من الأهمية، حيث تمر المنطقة خلال المرحلة الحالية بتحديات متعددة، تتطلب المزيد من التنسيق والتشاور بين كل من دولة الإمارات والسعودية، اللتين تقومان بدور كبير في دعم الدولتين، انطلاقاً من المبادئ التي تقوم عليها السياسة الخارجية لكلتا الدولتين، واللتين ترفضان التدخل في الشؤون الداخلية للدول الأخرى، وتنبذان بشدة العنف والتطرف والكراهية، وتدعوان إلى ترسيخ قيم السلام والتعايش المشترك.
ولعل هذه التحديات المتصاعدة في منطقة الشرق الأوسط، كانت دافعاً أساسياً لتطوير العلاقات الأخوية بين دولة الإمارات والسعودية، والقفزات النوعية الكبيرة التي شهدتها هذه العلاقات، وهي التي تمثلت أبرز معالمها بتشكيل اللجنة العليا المشتركة بين دولة الإمارات والسعودية في مايو 2014، وهي التي تولت تنفيذ الرؤى الاستراتيجية لقيادتي البلدين؛ بهدف مواجهة التحديات في المنطقة ودعم العلاقات الثنائية وتعزيزها، وفق رؤية واضحة عبّرت عنها بقوة محددات «استراتيجية العزم» ومخرجات «مجلس التنسيق السعودي – الإماراتي» الذي تم إعلانه في مايو 2016.
وفي ظل الزيارة التي قام بها الأمير محمد بن سلمان لأبوظبي، تم عقد الاجتماع الثاني لـ «مجلس التنسيق السعودي – الإماراتي». وقد جرى خلال هذا الاجتماع، استعراض عدد من المبادرات الاستراتيجية في عدد من المحاور الأولوية، وهي التي تأتي بعد أشهر من العمل المشترك بين اللجان التكاملية المنبثقة من اللجنة التنفيذية، لتتبلور كمبادرات يحقق من خلالها المجلس الاستغلال الكامل لطاقات وموارد البلدين بما يعزز التعاون والارتقاء بمصالح الشعبين الشقيقين، حيث تضمنت هذه المبادرات الآتي:
• • التأشيرة السياحية المشتركة: التعاون بين الهيئة العامة للسياحة والتراث الوطني في المملكة مع وزارة الاقتصاد في دولة الإمارات على إصدار تأشيرة سياحية مشتركة للمقيمين في البلدين عند الوصول.
• • تسهيل انسياب الحركة بين المنافذ الجمركية: تعمل الهيئة العامة للجمارك في المملكة العربية السعودية مع الهيئة الاتحادية للجمارك في دولة الإمارات على تسهيل انسياب الحركة في المنافذ التي من شأنها تعزيز التعاون الجمركي لانسيابية الحركة التجارية في المنافذ الجمركية بين البلدين، حيث أسهمت المبادرة بعد إطلاقها في خفض «مدة الفسح الجمركي» من 14 ساعة في عام 2018 إلى 4 ساعات في عام 2019 على أن يتم تقليص هذه المدة خلال السنوات المقبلة.
• • استراتيجية الأمن الغذائي المشتركة: تهدف هذه المبادرة إلى توثيق العمل بين الدولتين في مجال الأمن الغذائي لضمان التغلب على التحديات الغذائية التي تواجه البلدين بصورة خاصة والمنطقة بصورة عامة.
• • الأمن السيبراني: تهدف المبادرة إلى تعزيز الأمن السيبراني لدى البلدين، ودعم توفير فضاء سيبراني موثوق به لكل بلد يمكن من خلاله تقديم خدمات وتعاملات إلكترونية آمنة. وقد أسهمت المبادرة، خلال المرحلة الماضية، في خفض الهجمات السيبرانية مقارنة بإجمالي الهجمات السيبرانية على القطاعات الحساسة بنسبة 55%، حيث أدى هذا الانخفاض إلى توفير 257 مليون درهم مقارنة بعام 2018، وانخفاض المدة اللازمة للاستجابة للهجمات السيبرانية من 24 ساعة بحد أقصى، إلى 6 ساعات، وانخفاض المدة اللازمة للتعافي من الهجمات السيبرانية بنسبة 25%، ما وفّر أكثر من 500 ألف درهم يومياً لكل هجمة، وازدياد وعي الجهات والأفراد بالتهديدات السيبرانية بنسبة 30%.
• • العملة الرقمية المشتركة: إصدار عملة رقمية إلكترونية بشكل تجريبي ومحصور التداول بين عدد من بنوك البلدين، وذلك بهدف فهم ودراسة أبعاد التقنيات الحديثة وجدواها في تعزيز الاستقرار المالي، ومعرفة مدى أثرها في تحسين وخفض تكاليف عمليات التحويل وتقييم المخاطر التقنية وكيفية التعامل معها، إلى جانب تأهيل الكوادر التي ستتعامل مع تقنيات المستقبل، وفهم متطلبات إصدار عملة رقمية تُستخدم بين دولتين، بالإضافة إلى إيجاد وسيلة إضافية لنظم التحويلات المركزية في البلدين، وإتاحة المجال أمام البنوك للتعامل مع بعضها بعضاً بشكل مباشر لتنفيذ التحويلات المالية.
• • مشروع المصفاة العملاقة الجديد: بناء مصفاة جديدة لتكرير النفط الخام بطاقة استيعابية تبلغ 1.2 مليون برميل نفط في اليوم متكاملة مع مجمع حديث للبتروكيماويات بتكلفة تقديرية مبدئية تبلغ 70 مليار دولار في ولاية ماهاراشترا في غرب الهند، لتعمل على تأمين توريد ما لا يقل عن 600 ألف برميل يومياً من النفط الخام السعودي والإماراتي للسوق الهندي مع نسبة مرتفعة من التحويل للكيميائيات. تستهدف المبادرة تأمين منافذ مخصصة لمبيعات النفط الخام السعودية والإماراتية في السوق الهندي للتكرير والبتروكيميائيات، ومن خلال المشاركة في مشروع تطوير المصفاة ومجمع البتروكيماويات لإنتاج وقود النقل الموافق لأحدث المواصفات الفنية العالمية / البنزين، وقود الطائرات، والديزل/، إضافة إلى مجموعة من المنتجات الكيميائية التي تستهدف بشكل رئيسي السوق المحلية الهندية المتوقع نموها بشكل مطرد في العقود المقبلة، مع إمكانية تصدير فائض المنتجات إلى الأسواق العالمية.
• • مجلس الشباب السعودي – الإماراتي: تأتي مبادرة إنشاء مجلس الشباب السعودي – الإماراتي تعزيزاً للشراكة بين الشباب في البلدين، وتبادل الأفكار بينهم، وتنسيقاً للجهود الرامية إلى رفع القدرات بما يؤدي إلى استثمار طاقاتهم وإمكانياتهم في تنمية المجتمع. وسيعمل المجلس على تمكين الشباب من الإسهام والمشاركة بفاعلية في وضع التصورات التنموية المستقبلية وتشجيعهم على تطوير المبادرات الإنمائية لمواجهة تحديات المستقبل. وقد تم إطلاق منصة تفاعلية ودليل استرشادي يُوضح آلية عمل مجلس الشباب السعودي – الإماراتي وأهدافه، وإعداد تقرير ربع سنوي عن أداء المجلس، وإيصال أفكار الشباب إلى متخذي القرار في البلدين.
كما تبادل الجانبان، تزامناً مع الاجتماع، أربع مذكرات تفاهم جديدة في مجالات الصحة والثقافة والفضاء والأمن الغذائي، بهدف تكثيف الجهود وتكاملها وإيجاد حلول مبتكرة لتحقيق الاستغلال الأمثل للموارد المتوافرة، والوصول إلى الأهداف التنموية لكلا البلدين.
والمذكرات التي تبادلها الجانبان، هي:
• • مذكرة تفاهم في المجــال الصحي تبـادلها معـالي عبدالرحـمن بن محمد العويس وزير الصحة ووقاية المجتمع وزير الدولة لشؤون المجلس الوطني الاتحادي وصاحب السمو الأمير فيصل بن فرحان آل سعود وزير الخارجية السعودي.
• • مذكرة تفاهم في المجال الثقافي تبادلها كل من معالي نورة بنت محمد الكعبي وزيرة الثقافة وتنمية المعرفة وصاحب السمو الملكي الأمير بدر بن عبدالله بن فرحان آل سعود وزير الثقافة في المملكة العربية السعودية.
• • مذكرة تفاهم في مجالات الفضاء تبادلها معالي الدكتور أحمد بن عبدالله حميد بالهول الفلاسي وزير دولة لشؤون التعليم العالي والمهارات المتقدمة رئيس مجلس إدارة وكالة الإمارات للفضاء ومعالي محمد بن مزيد التويجري وزير الاقتصاد والتخطيط في المملكة.
• • مذكرة تفاهم في مجالات الأمن الغذائي تبادلها كل من معالي مريم بنت محمد سعيد حارب المهيري وزيرة دولة المسؤولة عن ملف الأمن الغذائي المستقبلي ومعـالي محمد بن مزيد التويجري وزير الاقتصاد والتخطيط في المملكة.
• • ولا شك أن هذه النتائج التي أفرزها اجتماع مجلس التنسيق السعودي-الإماراتي تصب في سبيل المزيد من تقوية العلاقات الثنائية بين الدولتين، وهي العلاقات التي باتت نموذجاً يحتذى به على المستويين العربي والدولي.

Share