العلاقات الإسرائيلية-التركية.. إلى أين؟

  • 12 يوليو 2010

يعكس إحراق العلم الإسرائيلي في المدن التركية، والاعتداء على النصب التذكاري للجنود الأتراك في "ساحة أتاتورك" وسط مدينة بئر السبع في أوائل يونيو/حزيران الماضي، المدى الذي وصل إليه تردي العلاقات بين إسرائيل وتركيا. وتتضمن قائمة المؤشرات على هذا التردي العديد من الوقائع التي تبّين أن هوة الخلافات بين الطرفين تزداد اتساعاً، بفعل المواقف وردود الأفعال التي لم تستطع الدبلوماسية الهادئة تحجيمها، ما يجعل من المبرَّر التساؤل عن طبيعة هذه الهوة وآفاقها.   

فمنذ الهجوم الإسرائيلي على قطاع غزة، اتخذت العلاقات بين إسرائيل وتركيا منحى مغايراً لما كان عليه الوضع قبل ذلك، وسط انتقادات تركية حادة للسلوك الإسرائيلي، وانتقادات إسرائيلية للتوجهات التركية الجديدة، ليس فقط إزاء القضية الفلسطينية، بل أيضاً بشأن موضوعات أخرى، منها؛ العلاقات الثنائية مع إسرائيل، والقيام بإجراء مناورات عسكرية مشتركة مع سورية، والسعي إلى توطيد العلاقات مع إيران، والذي توج بتوقيع الاتفاق الثلاثي التركي-الإيراني- البرازيلي الخاص بتبادل الوقود النووي، وهو الاتفاق الذي وصفته إسرائيل بأنه "خدعة" للالتفاف على العقوبات الدولية.

وعلى هذا المسار اندلعت أزمات عدة، أبرزها؛ أزمة إهانة السفير التركي لدى إسرائيل من قبل نائب وزير الخارجية الإسرائيلي، على خلفية بث محطة تلفزيونية تركية خاصة مسلسلاً اعتبرته إسرائيل معادياً للسامية؛ حيث أجبرت الدبلوماسية التركية آنذاك إسرائيل على تقديم اعتذار رسمي مكتوب. والأزمة التي سببها الهجوم الإسرائيلي على "أسطول الحرية"، الذي أسفر عن مقتل تسعة متضامنين أتراك. ولا تزال تفاعلات هذه الأزمة في حالة نشاط؛ حيث قدمت تركيا خمسة مطالب هي؛ الاعتذار عن الهجوم على "أسطول الحرية"، وتعويض ضحاياه، وإعادة السفن المحتجزة، وتشكيل لجنة تحقيق دولية، ورفع الحصار عن غزة.

وحسب تقارير معتبرة، تنتظر تركيا أن تعمل إسرائيل على تلبية مطلبين قريباً، وهما الاعتذار والتعويض، أو الاعتذار وإعادة السفن، فيما تبدو المطالب الأخرى، مثل تشكيل لجنة التحقيق ورفع الحصار عن غزة، ذات أبعاد دولية وإقليمية معقدة وتتطلب مزيداً من الوقت. ولكن الإشارات التي صدرت عن الجانب الإسرائيلي، وخاصة عن رئيس الحكومة بنيامين نتنياهو ووزير خارجيته أفيجدور ليبرمان، تؤكد أن إسرائيل ترفض الاعتذار لتركيا، كما ترفض بحث إمكانية دفع تعويضات لذوي الشهداء والجرحى.

وعلى الرغم من عقد لقاء بروكسل بين وزير الخارجية التركي أحمد داود أوغلو ووزير التجارة الإسرائيلي بنيامين بن إليعازر، فإنه لم يتم التوصل إلى تفاهمات حقيقية، وانحصرت أهمية هذا اللقاء في مجرد انعقاده.

في هذه الأثناء ظلت التقارير الإعلامية تتحدث عن مزيد من القرائن التي تبيّن أن العلاقات بين الطرفين مستمرة بالتراجع. وكمثال؛ قامت تركيا في منتصف يونيو/حزيران الماضي بتجميد 16 اتفاقاً مع الحكومة الإسرائيلية، تتضمن صفقات بمليارات الدولارات، في الميادين العسكرية والأمنية والاقتصادية.

من جهتها، حاولت إسرائيل شن هجوم معاكس على السياسة التركية، عبر الاتصال مع مختلف العواصم العالمية، وحتى محاولة اللعب بالشؤون الداخلية التركية؛ حيث تحدثت تقارير إسرائيلية عن قيام حكومة نتنياهو بالتواصل مع جهات سياسية تركية معارضة لحزب العدالة والتنمية الحاكم في تركيا لتخفيف حدة المواقف التي تتبناها الحكومة، فيما ربطت تقارير أخرى اسم جهاز "الموساد" الإسرائيلي بعملية تفجير قاعدة سلاح البحرية التركي في الإسكندرون التي قامت بها عناصر من حزب العمال الكردستاني، وراح ضحيتها سبعة جنود أتراك؛ حيث وقعت هذه العملية بعد وقت قصير من سيطرة سلاح البحرية الإسرائيلي على "أسطول الحرية".

وفي المدى المنظور، يمكن تتبع الخط البياني للعلاقات بين الجانبين بمصطلحات احتمالات التراجع؛ إذ نُشرت معلومات تبيّن أن الحكومة التركية أقرت في منتصف شهر يونيو/حزيران الماضي خطة تتضمن سلسلة من الإجراءات للرد على التعنت الإسرائيلي في حل الأزمة الناجمة عن القرصنة ضد "أسطول الحرية"، تبدأ بتقليص مستوى التمثيل الدبلوماسي في إسرائيل إلي أقصى درجة، وصولاً إلى قطع العلاقات الدبلوماسية بشكل كامل، ومنع دخول جميع السفن الإسرائيلية من دخول الموانئ التركية. كما تتضمن الخطة أيضاً عدم منح تأشيرات دخول للإسرائيليين الراغبين في التوجه إلي تركيا، وإلغاء الاتفاقيات العسكرية الموقعة مع إسرائيل، وتجميد مشروعات التعاون في مجالات الصناعة، وإلغاء جميع الاتفاقيات والمشروعات في مجال الزراعة والطاقة، وإلغاء اتفاقية التعاون في مجال الإلكترونيات وتكنولوجيا المعلومات، وعدم استخدام مؤسسات الدولة في تركيا لأي منتجات أو برامج تحمل الرخصة الإسرائيلية، ووقف جميع أشكال التعاون في مجالات التعليم والثقافة والرياضة.

لكن تقليب العلاقات التركية الإسرائيلية على مختلف وجوهها يكشف عن تعقيدات جمة من المتعذر تجاهلها أو التهوين من تأثيراتها، تعزز التوقعات بعدم خروج تلك الخطة إلى حيز التنفيذ. فبالإضافة إلى الخسائر الاقتصادية المتوقعة جراء تنفيذ هذه الخطة، لاسيما مع وصول التبادل التجاري بينهما إلى 2.5 مليار دولار في عام 2009، تدفع العلاقات القوية في المجالات العسكرية والأمنية بين الدولتين باتجاه عدم فك الشراكة بينهما على المدى الطويل. فإلى جانب حاجة تركيا إلى التكنولوجيا والأسلحة الإسرائيلية وترسيخ خطوط التعاون مع تل أبيب في هذا المجال، تتحسب تركيا للقدرة التخريبية الإسرائيلية، الميدانية والاستخبارية والتحالفية. وثمة معطى في غاية الخطورة، يعزز الهواجس التركية، يرتبط بمعلومات نُشرت في تركيا وإسرائيل في السابع من يوليو/ تموز الجاري، تتضمن الكشف عن أن شركة حماية المعلومات "Check Point" التي تشرف على حماية مواقع الإنترنت الاستراتيجية في تركيا تعود ملكيتها لجهات إسرائيلية، وأن هذه الجهات مطلعة على معلومات حساسة، وهذا يشكل خطراً كبيراً، ولاسيما أن من بين المواقع التي تشرف عليها؛ موقع الرئاسة التركية، وموقع مكتب رئيس الحكومة، ومواقع حكومية أخرى، كوزارات التعليم والصحة والعدل. ولعل الأخطر من ذلك، أنها تقوم بحماية المعلومات في مواقع البنوك المهمة، وعلى رأسها البنك المركزي التركي.

وبالإضافة إلى هذه العوامل، ستجد تركيا نفسها أمام موقف أمريكي غير متسامح مع التوجهات التركية على أرضية انحياز واشنطن لإسرائيل، وهكذا ستكون تركيا في حالة انكشاف أمام الضغوط الإسرائيلية والأمريكية، ناهيك عن المواقف الأوروبية المتحفظة من نهج حكومة أردوغان، وهو ما يشكل كابحاً لمساعي فرض الإرادة التركية على إسرائيل في النقاط مثار الخلاف معها.

ومع أن الجانب التركي يركز على أن الأزمة الحالية هي بسبب حكومة إسرائيلية طاغية تمارس إرهاب دولة، فإن عدداً من  من المسؤولين الإسرائيليين يرجحون أن تكون هذه الأزمة ذات طابع مؤقت، وأن يكون لها حل، وإن طال الزمن، في ظل تقاليد التحالف الاستراتيجي والمصالح المشتركة العميقة جداً بين البلدين. وحاول هؤلاء البرهنة على ذلك من خلال القول بأن الخلاف بسبب موضوع غزة لم يمنع تبادل الزيارات واللقاءات بين قيادات عسكرية وحكومية من الجانبين، مثلما أن الأزمة الحالية لم تحل دون اللقاء على مستوى وزاري.

وبمنظور فاحص، من المقدّر أن تشكّل سعة الأفق التركي واعتبارات البيئة الدولية والمكانة الإقليمية الواعدة لتركيا محفزات للعمل باتجاه التخفيف من الخطابات النارية، كمدخل للوصول إلى حالة التهدئة.

Share