العسكرة المفرطة للسياسة الخارجية الأمريكية

  • 7 يونيو 2020

يستعرض روبرت غيتس، وزير الدفاع الأمريكي الأسبق، (2006-2011) في كتابه القادم بعنوان «ممارسة القوة: الإخفاقات والنجاحات الأمريكية، ومسار جديد إلى الأمام في فترة ما بعد الحرب الباردة»، التغيرات التي طرأت على السياسة الخارجية الأمريكية منذ انتهاء الحرب الباردة، ويرى أن هناك حاجة ضرورية لإعادة النظر في هذه السياسة والاعتماد على الأدوات غير العسكرية في تنفيذ السياسة الخارجية.

حتى قبل انتشار وباء فيروس كورونا، كان هناك اتفاق واسع بين الحزبين على أنه يجب على واشنطن تقليل التزاماتها في الخارج والتركيز على المشاكل في الداخل، وجاءت الخسائر الاقتصادية والاجتماعية لهذا الوباء لكي تعزز هذا الموقف. ويعتقد العديد من الأمريكيين، وليس أنصار الرئيس الأمريكي فقط، أن حلفاء الولايات المتحدة قد استفادوا من واشنطن، وأن التكاليف المرتبطة بقيادة الولايات المتحدة للعالم كانت مرتفعة للغاية؛ ولهذا، فإن العديد من المواطنين الأمريكيين نفِد صبرهم بشأن الحروب التي لا تنتهي.

ومع أن الولايات المتحدة لا تزال أقوى دولة في العالم، من الناحيتَين الاقتصادية والعسكرية، وذلك بعد ما يقارب من 3 عقود منذ انتصارها في الحرب الباردة وانهيار الاتحاد السوفيتي، إلا أنها تواجه تحديات على جبهات متعددة. فالصين وروسيا تقومان بتعزيز جيشيهما، وتسعيان إلى توسيع نفوذهما على الصعيد العالمي. كما تشكل كوريا الشمالية تهديداً نووياً معقداً بشكل متزايد في شرق آسيا، ولا تزال إيران تمثل خصماً عنيداً في الشرق الأوسط. فبعد 19 عاماً من الحرب، لا يزال هناك الآلاف من القوات الأمريكية في أفغانستان والعراق، ولا يزال تنظيم «داعش» يشنّ هجمات إرهابية، بينما أصابت الانقسامات العميقة أقوى حلفاء الولايات المتحدة في أوروبا.

ومن دون عودة القيادة الأمريكية الفعلية للعالم، ستنمو هذه التحديات بشكل يجعل العالم يأكل بعضه بعضاً. ولكن مثل هذه العودة ستعتمد أولاً على معالجة العيوب الأساسية في السياسة الخارجية الأمريكية منذ نهاية الحرب الباردة، وذلك بعد أن أصبحت واشنطن تعتمد بشكل مفرط على الأدوات العسكرية، وتجاهلت بشكل خطير أدوات القوة غير العسكرية، التي تلاشت وضعفت نتيجة لذلك. فقد حاولت الولايات المتحدة تطوير سياسة باستخدام هيكل الأمن القومي والبيروقراطية، التي صممت للحرب الباردة، وتنفيذها، ولم تتغير إلا قليلاً بشكل ملحوظ منذ الأربعينيات.

ومن دون المزيد من ضبط النفس العسكري وإعادة الهيكلة والإصلاح المؤسسي البعيد المدى، سيواجه السياسيون الأمريكيون وصناع السياسة الأمريكيون صعوبة متزايدة في إقناع الأمريكيين بدعم دور الولايات المتحدة في قيادة العالم الضروري جداً لحماية أمن الولايات المتحدة واقتصادها. ومن دون قيادة أمريكية للعالم، ستكون هناك أيام مظلمة قادمة.

وما يثير الدهشة في الإفراط في عسكرة الفترة التي تلت الحرب الباردة هو مدى إخفاق صانعي السياسة الأمريكيين في تعلم دروس العقود السبعة السابقة. ولم يعد أحدُ أعظم انتصارات الولايات المتحدة في القرن العشرين يعتمد على القوة العسكرية، بل أصبح يعتمد على أدوات السلطة الأكثر دقة.

لقد ذبلت معظم تلك الأدوات، أو تم التخلي عنها منذ نهاية الحرب الباردة. ولكن مع توسع القوى العظمى، اليوم، وتحديث جيوشها، فإن المنافسة الطويلة مع الصين، على وجه الخصوص، سيتم خوضها في الساحة غير العسكرية. ولهذا السبب، فإنه يجب إحياء تلك الأدوات غير العسكرية وتحديثها.

فالدبلوماسية، شأنها شأن الجيش القوي، تُعد أداة لا غنى للسلطة الوطنية عنها. ولسنوات عديدة حتى الآن، قام الكونغرس بحرمان وزارة الخارجية الأمريكية من الموارد الكافية (باستثناء فترات وجيزة في ظل إدارة جورج دبليو بوش)، وكثيراً ما قام البيت الأبيض بتهميش الوزارة، وفشل في دعم احتياجات ميزانيتها. ومنتقدو وزارة الخارجية الأمريكية، بمن فيهم أولئك الموجودون داخل الوزارة، محقّون في أن الوزارة أصبحت بيروقراطية للغاية، وتتطلب إصلاحاً بعيد المدى. ومع ذلك، فإن أي جهد لتعزيز مجموعة الأدوات غير العسكرية للولايات المتحدة يجب أن يضع وزارة الخارجية في صلب اهتمامه.

وتوفر القوة الاقتصادية للولايات المتحدة مزيداً من الوسائل غير العسكرية لمغازلة الشركاء والضغط على المنافسين؛ فبعد الحرب العالمية الثانية، ترأست الولايات المتحدة إنشاء مؤسسات تهدف إلى تعزيز التنسيق الاقتصادي الدولي إلى حد كبير بالشروط الأمريكية، بما في ذلك صندوق النقد الدولي، والبنك الدولي للإنشاء والتعمير (الذي يشكل جزءاً من البنك الدولي). وطوال الحرب الباردة، كانت الولايات المتحدة المدافع الرئيسي عن التجارة الحرة، ونظام تجاري عالمي متماسك وأكثر ترابطاً.

لقد تغيرت المواقف في أوائل تسعينيات القرن الماضي، وأصبح من الصعب بشكل متزايد جعل الكونغرس يوافق على اتفاقيات التجارة الحرة، حتى عندما تم التفاوض عليها مع دول صديقة مثل كندا والمكسيك. وأصبح رؤساء الولايات المتحدة ينظرون إلى القوة الاقتصادية بشكل رئيسي كأداة لفرض العقوبات. فمنذ نهاية الحرب الباردة، طبقت واشنطن عقوبات اقتصادية جاء معظمها على شكل قيود تجارية ومالية ضد عشرات الدول في محاولة لتغيير سلوكها. وكان الرئيس الأمريكي ترامب، على وجه الخصوص، معادياً لجميع المنظمات المتعددة الأطراف تقريباً، وقام باستخدام القوة الاقتصادية الأمريكية سلاحاً، وذلك عندما بدأ حروبَ الرسوم الجمركية مع حلفاء الولايات المتحدة ومنافسيها على حد سواء.

وحاولت إدارة الرئيس الأمريكي ترامب، أيضاً، خفض المساعدات الخارجية التي لا تزال تُعد أداة مفيدة، على الرغم من أن الجمهور كان دائماً متشككاً في مدى جدوى إنفاق الأموال في الخارج، بدلاً من انفاقها داخل الولايات المتحدة. ومع القليل من التأييد الشعبي تقلص عمل الوكالة الأمريكية للتنمية الدولية منذ نهاية الحرب الباردة.

ووكالة المعلومات الأمريكية وقدرات الاتصالات الاستراتيجية الشاملة للولايات المتحدة ضحية أخرى لانهيار الاتحاد السوفيتي؛ فخلال الحرب الباردة، قامت وكالة الإعلام الأمريكية بإنشاء شبكة عالمية من المكتبات والمراكز المملوءة بالكتب والمجلات حول الديمقراطية، والتاريخ، والثقافة الأمريكية، ومجموعة واسعة من المواضيع الأخرى. وقام راديو «صوت أمريكا»، الذي أنشأته الوكالة، ببث الأخبار والبرامج الترفيهية في جميع أنحاء العالم، وقامت بتقديم نظرة موضوعية للأحداث الجارية إلى ملايين الأشخاص الذين استفادوا من خدماتها. وتمكنت وكالة الإعلام الأمريكية ومراكزها وبرامجها العديدة من الوصول إلى كل ركن من أركان العالم. فقد كانت أداة معقدة، ولكنها ناجحة.

ومع ذلك، فقد تم إلغاء وكالة الإعلام الأمريكية عام 1999، وكان لذلك عواقب حقيقية؛ فبحلول عام 2001 كانت الدبلوماسية العامة الأمريكية بمنزلة ظِل شاحب بالمقارنة مع ما كانت عليه أثناء الحرب الباردة. وعلى عكس الصين وروسيا، تفتقر الولايات المتحدة، الآن، إلى استراتيجية فاعلة لإيصال رسالتها، ومواجهة الرسائل الخاصة بمنافسيها.

وما نحتاج إليه الآن هو منظمة جديدة رفيعة المستوى، تشبه وكالة الإعلام الأمريكية، تقع ضمن وزارة الخارجية وتتمتع بتفويض من قِبل الرئيس الأمريكي لتحقيق التواصل الاستراتيجي المتسق باستخدام جميع الوسائل المتاحة، حيث ستشرف هذه المنظمة على جميع الرسائل التقليدية والإلكترونية، بما في ذلك وسائل التواصل الاجتماعي، وجميع البيانات العامة، وجهود الاتصال الأخرى التي تقوم بها دوائر أخرى في حكومة الولايات المتحدة فيما يتعلق بالسياسة الخارجية.

وعند صياغة سياسة خارجية يدعمها الشعب الأمريكي، فإنه يجب أن يدرك القادة الأمريكيون أنه من المهم استخدام كل أداة قوة غير عسكرية ممكنة لتشجيع كل من الأصدقاء والمنافسين على تبني الحرية والإصلاح، لأن هذه الأهداف تخدم المصلحة الوطنية للولايات المتحدة. فمن خلال إعادة الهيكلة وتوفير المزيد من الموارد يمكن لأدوات واشنطن غير العسكرية أن تسهم في «سمفونية» رائعة للسلطة. وستكون هذه الأدوات ضرورية، حيث تواجه الولايات المتحدة احتمال منافسة طويلة ومتعددة الأوجه مع الصين. ولكن، حتى لو حصل المسؤولون الأمريكيون على جميع الأدوات العسكرية وغير العسكرية الصحيحة، فسيظل الأمر متروكاً للزعماء الأمريكيين والمشرعين الأمريكيين والجمهور الأمريكي الأوسع لفهم أن المصلحة الذاتية الطويلة المدى للولايات المتحدة تتطلب النهوض بعبء القيادة العالمية.

Share

الفعاليات المقبلة

إصدارات