العرب وجنوب السودان

  • 30 يوليو 2011

في التاسع من شهر يوليو أُعلن رسمياً إنشاء دولة جنوب السودان بعد أن صوّت شعبها بما يشبه الإجماع على الانفصال عن الشمال تطبيقاً لحق تقرير المصير الذي نصت عليه اتفاقية 2005 بين الطرفين. هكذا ظهرت على الحدود الجنوبية للسودان خاصة، وللوطن العربي عامة، دولة جديدة ينبغي على العرب أن يولوها اهتمامهم لمعرفة توجهاتها في مجال العلاقات الخارجية، وفي القلب منها بالنسبة لنا العلاقات مع الدول العربية، وكذلك معرفة طبيعة التأثيرات الخارجية غير العربية عليها، خاصة أن بعض هذه التأثيرات ذات صلة مباشرة بالأمن العربي.

حضرت مؤخراً اجتماعاً عربياً كان موضوعه الرئيس هو البحث في تقديم العون الفني العربي للدول الأفريقية، ولاحظت أن موضوع تقديم العون إلى جنوب السودان لم يكن وارداً. وكنت قد لاحظت أيضاً قبل ذلك أن الأٍسلوب المعتاد لتقديم العون هو تلقي طلبات بعض الدول الأفريقية في هذا الصدد، ثم وضع أولويات لهذه الطلبات التي تتم الاستجابة لها حسب الموارد المتاحة، وخطر لي أنه قد يكون من الأفضل أن يضاف إلى هذا الأسلوب، أسلوبٌ مكمل، وهو أن يبحث الطرف العربي عن الدول التي يرى أن تقديم المعونة لها يمثل أولوية قصوى بالنسبة للعرب، ويعرض عليها تقديم العون حتى ولو لم تطلبه، وضربت مثلاً محدداً تطبيقاً لهذه الفكرة بدولة جنوب السودان التي لم تكن ضمن الدول التي طلبت المعونة.

لقد انفصل الجنوب عن الشمال كما هو معلوم وفق آلية ديمقراطية اتُفق عليها بين طرفي الصراع في الشمال والجنوب، وعلى الرغم من أن المرء يتمنى عودة نوع من أنواع الوحدة بين الطرفين بعد أن يتضح لهما من خلال التجربة أن العيش المشترك قد يكون خياراً أفضل، فإن التخطيط السياسي السليم يجب أن يستند إلى أن بقاء الانفصال، ولو على المدى القصير وربما المتوسط، هو السيناريو الأكثر احتمالاً، بالإضافة إلى أنه لا يوجد ما يضمن حتى الآن أن تكون العلاقات بين الشمال والجنوب تعاونية بالضرورة بالنظر إلى وجود عدد من المشكلات العالقة بين الطرفين، والتي لا تتوافر حتى الآن مؤشرات لضمان أن يتم حلها جميعاً بالطرق السلمية أو على الأقل في إطار تعاوني، وهو مناخ تنشط فيه الاختراقات الخارجية، وبالذات من جانب إسرائيل، خاصة أن ثمة تنسيقاً كاملاً بينها وبين الولايات المتحدة في هذا الصدد. ولهذا كله ينبغي أن يكون للعرب دورهم في جنوب السودان، لعل هذا الدور يساعد في تحسين العلاقة مع الشمال من ناحية، وعدم تبني الجنوب سياسات معادية للطرف العربي من ناحية ثانية، والإبقاء عليه جزءاً من المنظومة العربية من ناحية ثالثة، أو على الأقل ضمان أن يبقى "دولة محيط" غير معادية للعرب. وفي هذا السياق يمكن للطرف العربي –ذي الموارد المحدودة- إذا قورن بالقوى الكبرى، أن يضع يديه من خلال الدراسات العلمية على مناطق مهمة يحتاج الجنوب فيها إلى مساعدة فنية حقيقية، ثم يبادر بتقديمها.

حظيت الفكرة من سامعيها بموافقة شبه إجماعية، وبرز بصفة خاصة الموقف الذي عبر عنه المشارك المصري في الاجتماع، والذي ذكر أن مصر تؤمن بهذه الفكرة إيماناً تاماً، بل تضعها موضع التطبيق منذ ما قبل الانفصال، وهي تقدم بالفعل شتى أنواع العون الفني الذي تقدر عليه إلى الجنوب، وثمَّن مشارك عربي آخر الفكرة، وتحدث عن التوجهات العامة التي ينبغي أن تحكم العون الفني الذي يقدمه العرب للجنوب استناداً إلى احتياجاته الفعلية، وأولويات هذه الاحتياجات. لكن أحد المشاركين نحى نحواً مختلفاً، فقد تحفظ على كل ما سبق، وطالب بالتريث في وضعه موضع التطبيق، فالموقف في جنوب السودان ما زال غامضاً، وهي في النهاية دولة غير عربية انسلخت عن جزء عزيز من الوطن العربي. بدت هذه الحجج غريبة إلى حد بعيد، ذلك أنها هي ذاتها الحجج التي تبرر المبادرة العربية بتقديم العون لجنوب السودان، فغموض هذا الموقف يمثل بيئة مناسبة لتقديم العون كي يكون لك دور في التأثير في هذا الموقف وبلورته مستقبلاً على النحو الذي يتسق ومصالحك، أما القول بأن جنوب السودان دولة غير عربية فهو الأكثر غرابة؛ لأن البحث أصلاً كان محصوراً في العلاقات الأفريقية-العربية، وفي تأثير الطرف العربي على هذه العلاقات بما يتسق والمصالح العربية.

تميز تعليق أحد المشاركين على هذا الرأي بالانطلاق في حديثه من وقائع محددة، وركز في رده على الخطر الإسرائيلي بصفة خاصة، وقد كان دور إسرائيل في الجنوب قبل الانفصال أكثر من واضح، ولن ننسى أن الرئيس الحالي للجنوب قد أعلن قبل نشأة دولته أنه لا يوجد ما يحول دون أن تكون لإسرائيل علاقات بدولة الجنوب، إذ لا توجد أصلاً مشكلة في هذه العلاقات كمشكلة الشعب الفلسطيني، وتقوم إسرائيل الآن بالفعل ببناء سفارة لها في عاصمة الجنوب، وذكر هذا المشارك أنه في اليوم السابق على لقائنا هذا مباشرة كان هناك وفد من رجال الأعمال الإسرائيليين على أعلى مستوى يزور الجنوب لدراسة فرص الاستثمار فيه بما يلبي احتياجاته اليومية.

توقف النقاش عند هذا الحد واعتبر محسوماً لصالح وجهة النظر التي ترى ضرورة المبادرة العربية بتقديم العون للجنوب، وأخذت أتأمل في تطور الموقف العربي من مشكلة الجنوب. في البدء، وقبل الانفصال ساد ما يشبه تجاهل المشكلة من جميع الأطراف العربية؛ ربما لأن أي تدخل لتسوية المشكلة بين الشمال والجنوب لا يتبنى الموقف الرسمي في الشمال كان سيعتبر من قبيل العمل العدائي لدولة السودان في ذلك الوقت، أو على أحسن الفروض عملاً من أعمال التدخل غير المقبول في الشؤون السودانية الداخلية، ولذلك فإن الدول العربية إما أنها تركت ملف جنوب السودان بيد القادة في الشمال، ونأت بنفسها عن أية جهود في هذا الصدد، وهو موقف الأغلبية، وإما أنها قدمت العون للسياسة الخاطئة التي كان شمال السودان يتبعها في ذلك الوقت، والقائمة على أساس الحسم العسكري للصراع بين الشمال والجنوب، والمستند في مرحلة من مراحله إلى "تكييف ديني" للصراع. وفي هذا المناخ كان طبيعياً أن تغيب الدول العربية تماماً عن محاولات التسوية السلمية لهذا الصراع. ثم أفاقت الدول العربية على ما أدركته حكومة السودان بعد حوالي نصف قرن من الصراع العسكري، ومفاده أن الحسم العسكري للصراع مستحيل، وهو ما يتسق مع المعرفة النظرية المتاحة لنا عن الحرب الأهلية، ومع حالات عديدة مشابهة لصراعات داخلية انتهى بها المآل إلى التسوية السلمية. وبالمقابل كان حضور القوى الإقليمية والكبرى في محاولات التسوية السلمية السياسية للصراع لافتاً.

وعندما توصل طرفا الصراع في الشمال والجنوب إلى اتفاقية 2005 التي تضمنت أسس الحل السياسي لهذا الصراع بما في ذلك منح أهل الجنوب حق تقرير المصير بعد ست سنوات من توقيع الاتفاقية اكتفت الدول العربية بالترحيب بالاتفاقية، غير أن غالبيتها العظمى لم يقم بأي دور في محاولات "جعل الوحدة خياراً جاذباً" لأبناء الجنوب كما قيل آنذاك، ولما اقترب موعد الاستفتاء على حق تقرير المصير في مطلع هذا العام وبدت نذر الانفصال أوضح من أن تخطئها أي عين، أعرب عدد من الدول العربية عن مخاوفه من تداعيات هذا الانفصال على الوطن العربي، وكأن هذه الدول لم ترحب منذ سنوات ست بالاتفاقية التي نصت على آلية الانفصال.

والآن يواجه العرب تحدياً محدداً بعد أن أصبح الانفصال حقيقة واقعة بنشأة دولة جنوب السودان، ولاشك أن الخطر قائم على المصالح العربية بفعل التأثيرات الإقليمية، وبالذات الإسرائيلية، وكذلك تأثيرات القوى الكبرى على الدول الناشئة، ومن المطلوب بإلحاح أن تكون هناك استراتيجية عربية لمواجهة هذا الموقف الأول من نوعه في النظام العربي، وربما يكون أول الأبعاد التي تثور في هذا الصدد هي عضوية جنوب السودان في جامعة الدول العربية، وميزته أنه سيجعل من دولة الجنوب جزءاً من الإطار القانوني للتفاعلات في النظام العربي، لكن عيبه أن الدول العربية سوف تواجه بعضو جديد قد يتبنى سياسات غير مألوفة تماماً أو حتى مناوئة للجانب العربي. وثمة من يعترض على إمكانية الانضمام هذه لأن الجنوب دولة غير عربية، وقد يكون هذا صحيحاً لكنه لا يختلف كثيراً عن وضع جزر القمر أو جيبوتي أو حتى الصومال، اللهم إلا في أن الروابط الفعلية التي تربط جنوب السودان بالنظام العربي أقوى بكثير من تلك التي تربط هذه الدول بالنظام العربي.

من ناحية أخرى يتعين على الدول العربية وضع خطة متناسقة لتقديم العون إلى جنوب السودان منعاً للتكرار أو التضارب، وكذلك لنقل المساعدات العربية التي تقدم أو يمكن أن تقدم مستقبلاً لهذه الدولة الوليدة من المستوى الأحادي الخاص ببعض الدول إلى المستوى الجماعي. وقد لا يكون بمقدور النظام العربي مع ذلك أن يواجه التأثيرات الإقليمية والعالمية على دولة الجنوب لمحدودية الموارد العربية التي يمكن أن تخصص لهذا الغرض، غير أنه يمكن بحسن اختيار المجالات التي يتجه إليها العون العربي أن يحقق العرب حضوراً معقولاً يكون بمنزلة الاعتذار عن التجاهل السابق لمشكلة الجنوب، ويلتقي مع بعض القوى في الجنوب التي لا تريد قطيعة مع العرب. أما أن يذهب بعضهم إلى الدعوة "لاستراتيجية انتظار" عربية فهذا هو الخطأ بعينه.

Share