العرب والأزمة الأمريكية-الإسرائيلية

  • 18 مارس 2010

إذا انتهت الأزمة الأمريكية-الإسرائيلية من دون تغيير جوهري ينعكس على عملية السلام المجمدة بشكل إيجابي ملموس، فهذا لن يعني شيئاً آخر سوى أن إدارة باراك أوباما تكون قد ضيعت فرصة بالغة الأهمية لاستئناف المفاوضات، وأن إسرائيل ستتحرر من الضغوط لتنفذ كل الخطوات أحادية الجانب التي تقوم بها لتقويض كل أمل في حل نهائي. هذا هو التقييم الذي قدمه مرجع دبلوماسي عربي للموقف من الأزمة.

وكان لافتاً أن العواصم العربية لزمت صمت المراقب الحذر إزاء المبارزة الدبلوماسية بين واشنطن وإسرائيل. وقد تطلعت هذه العواصم بشيء من الأمل إلى نتيجة فاعلة ومجدية للأزمة، لكنها ظلت مدركة أن الأمر يتعلق بحليفين يعرف كل واحد منهما الآخر جيداً. وبالتالي، فإن معالجة الأزمة ستتم على أساس استمرار تحالفهما.

على أي حال، سجل الجانب العربي أن هذه أول إدارة أمريكية تتخذ موقفاً ثابتاً حيال قضية حساسة مثل الاستيطان، وأن هذه أول أزمة جدية بين حليفين يفترض أنهما دائماً التشاور لتنسيق سياساتهما. لكن خلافهما هذه المرة لا يتعلق بأمر جانبي، وإنما بشأن حيوي واستراتيجي. ونظراً لتداخل الملفات في المنطقة (الصراع العربي الإسرائيلي، الملف النووي الإسرائيلي، والاحتلال الأمريكي للعراق)، فإن بلورة مصالح مشتركة ومقاربات موحدة بدت صعبة. لم تكن هناك متاعب تذكر في عهد جورج دبليو بوش؛ لأن إدارته انتهجت سياسة ترجيح الحرب. أما إدارة أوباما، التي كان عليها إدارة المأزقين العراقي والأفغاني، فتحاول أن تمارس أقصى الشفافية مع الرأي العام الأمريكي فيما يتعلق بالتطورات في هذين الملفين، وخاصة لجهة تقليص التورط فيهما.

ومن الواضح أن هذا التوجه الأمريكي الرئيس لم يلب رغبات إسرائيل، كما لم يلتق مع ما بات "ثوابت" في تعامل الإدارات الأمريكية معها. إذ تمكن الإسرائيليون دائماً من إقناع واشنطن بأن طريقتهم في التعاطي مع العرب عموماً، ومع الفلسطينيين خصوصاً، هي الصحيحة. وبذلك، استطاعوا حماية النشاط الاستيطاني، وبالتالي حماية الاحتلال، ضامنين غض النظر الأمريكي، على الرغم من أن المواقف الرسمية الأمريكية دأبت على التنبيه إلى "عدم شرعية" الاستيطان وأنه يشكل عقبة أمام السلام.

منذ لقائهما الأول في البيت الأبيض، أدرك بنيامين نيتنياهو أن أوباما لا يرغب في استخدام نقطة "الغموض" هذه للتغطية على الاستيطان، وأنه يريد إبراز "خيار الدولتين"، والأخذ بتقارير الإدارة التي تتبنى بوضوح أن العقبة الرئيسة أمام تحقيق هذا الخيار هي إصرار إسرائيل على مواصلة الاستيطان واعتباره عنصراً استراتيجياً حاسماً لأمنها ووجودها في المنطقة. فقد وجدت إدارة أوباما أن لديها مصلحة في توضيح استراتيجيتها السلمية في الشرق الأوسط، وأنه حان الوقت لدفع إسرائيل إلى اعتماد خط واضح يفترض أن يوصل إلى حل سلمي نهائي.

لأجل ذلك، أخذت واشنطن على عاتقها إعادة تأكيد التزاماتها الأمنية غير المحدودة لإسرائيل، وأبلغت الجانب العربي أن ضغطها لوقف الاستيطان سيتطلب خطوات عربية تطبيعية. وما لبث الأمريكيون أن وضعوا الشرق الأوسط في صلب استراتيجيتهم للتعامل مع أزمة الملف النووي الإيراني؛ على اعتبار أن التقدم في مفاوضات السلام من شأنه أولاً أن يحد من تمدد النفوذ الإيراني في الشرق الأوسط، وأن يكثف ثانياً الضغوط على إيران فيما يتعلق ببرنامجها النووي.

ومع ذلك، لم ترض إسرائيل بهذه المقايضة. وعلى الرغم من إدراكها أن الملفين مترابطان، فإنها طرحت مفهوماً مختلفاً لهذا الترابط يقوم أولاً على توجيه ضربة عسكرية موجعة لإيران، وثانياً أن يبدأ أي تطبيع مع العرب من خلال التعاون والتنسيق في المواجهة مع إيران. أما بالنسبة إلى الملف الفلسطيني، فاعتبرت إسرائيل أن الأفضل البدء بإجراءات لتحسين معيشة الفلسطينيين، وتأجيل البحث عن حل نهائي، متذرعة بأن المفاوضات السابقة انتهت إلى فشل، وأن الانقسام الحالي بين الضفة الغربية وغزة لا يسهل إقامة سلام. وفي كل السيناريوهات، لم يرد أي استعداد إسرائيلي لتغيير ملموس في سياسة الاستيطان، لا وقفاً ولا تجميداً.

كان واضحا أن إسرائيل أرادت أن تستبعد مرة أخرى، كما فعلت مراراً في السابق، الالتزام بمتطلبات السلام. لذلك، لم يكن هناك تجاوب عربي مع مقترحاتها، خصوصاً أن اللجوء إلى الخيار العسكري ضد إيران ليس مطروحاً الآن. وإذا طرح، فإن العرب لا يحبذون النهج الإسرائيلي في التحريض عليه، ولا يرغبون في دخول منظومة واحدة مع إسرائيل. وحتى لو كان هناك هدف تكتيكي مشترك، فإن المصلحة الاستراتيجية تختلف. فإسرائيل لديها مصلحة في توتير دائم للمنطقة تعزيزاً لوظيفتها وإدامة احتلالها. أما العرب، فيتطلعون إلى علاقة سلم واستقرار مع إيران، بل إلى سلام دائم وعادل مع إسرائيل نفسها وعلى أساس التفاوض. وبذلك، يكون العرب حالياً أقرب إلى نمط التفكير السائد في إدارة أوباما، وهو ما يبدو أن هذه الإدارة تعيه وتريد استثماره في مزيد من الانفتاح والتهدئة مع العالمين العربي والإسلامي.

وعلى الرغم من خيبة الأمل التي تهيمن الآن على التقييم العربي لأداء الإدارة الأمريكية، وعلى الرغم من التراجعات التي قام بها أوباما ليتفادى مواجهة مع إسرائيل، فإن الأخيرة بدت وكأنها تبحث عن هذه المواجهة، خصوصاً بعدما أعطى العرب الفلسطينيين ضوءاً أخضر للدخول في مفاوضات غير مباشرة. إذ إن التعهدات التي وعدت أمريكا بتقديمها إلى الفلسطينيين، وبالتالي إلى العرب، أشعرت الإسرائيليين بأنهم قد يحشرون في الزاوية. ذلك أن نجاح هذه المفاوضات بات مرتبطاً كلياً بتنازل مطلوب منهم بالنسبة إلى موضوع الاستيطان. ولذلك، استغلوا زيارة نائب الرئيس الأمريكي جوزيف بايدن لإطلاق التحدي. ومع أن وزيرة الخارجية، هيلاري كلينتون، أبلغت نتنياهو شروط الإدارة الأمريكية لتجاوز الأزمة، غير أنه رد على هذه الشروط بتحدٍ إضافي.

هناك مصلحة للعرب في هذه الأزمة، لكنهم كالعادة ليسوا في موقع يسمح لهم باستغلال الخلاف. ولعلهم وجدوا أن أفضل ما يمكن أن يفعلوه هو عدم ارتكاب أي خطأ في هذه المرحلة؛ لئلا يستفزوا حس التضامن بين الحليفين الإسرائيلي والأمريكي فيصار عندئذ إلى تغليب المصلحة المشتركة على ضرورة إيجاد تفاهمات جديدة تتعلق بإحياء عملية السلام في الشرق الأوسط. أي إن العرب اختاروا عدم صب الزيت على النار؛ لعلهم بذلك يساعدون أوباما على الحفاظ على المنطلقات التي تعامل بها مع إسرائيل. من هنا، كان هناك خوف عربي من تصاعد المواجهات في الضفة، ولاسيما أن الاستفزازات الإسرائيلية المبرمجة رمت إلى إشعال ما يشبه الانتفاضة لاستغلالها في المبارزة الدائرة مع واشنطن.

لكن المخاوف الأكثر جدية لدى لعرب تتركز على التوقعات المطروحة لإنهاء الأزمة الأمريكية-الإسرائيلية. ولعل الخشية الأكبر كانت من فشل أوباما في تقريب إسرائيل من توجهاته الأساسية، وهو احتمال وارد بعدما أعطت حكومة نيتنياهو طابعاً مصيرياً لمقاومة شرط وقف الاستيطان. واللافت أن غالبية المراقبين الدوليين تعتبر أن أوباما يواجه فرصته الأخيرة لإنقاذ سياسته، وإلا فإن المنطقة ستخطو بسرعة نحو مرحلة فوضى ستستغلها إسرائيل للمضي في الإجراءات الأحادية التي قد لا تقتصر على ترسيخ الاستيطان فحسب، وإنما ستقوض كل إمكانات حل سلمي يقوم على خيار الدولتين. 

Share