العراق وتجارب الطائفية الفاشلة في المنطقة

  • 30 مارس 2006

من الحقائق المتعارف عليها والمستقرة في "فقه" المفاوضات السياسية، أن يتم البدء بتناول القضايا "السهلة" والتي لا تثير كثيرا من الخلاف ويمكن التوصل إلى اتفاق بشأنها في وقت قصير، بحيث يكون ذلك مقدمة للاقتراب من القضايا الصعبة والخلافية والتي من شأن إثارتها أو البدء بها أن ينسف العملية التفاوضية قبل أن تبدأ أو على أقل تقدير يضفي عليها مزيدا من التعقيد والصعوبة. إلا أنه يبدو أن هذه القاعدة غائبة عن أذهان القادة العراقيين الذين ما زالوا يخوضون مفاوضات صعبة من أجل التوصل إلى اتفاق حول تشكيلة الحكومة العراقية الجديدة بعد مضي أكثر من ثلاثة أشهر على انتهاء الانتخابات البرلمانية الأخيرة. فبدلا من البعد عن التطرق إلى القضايا الحساسة والمثيرة للشقاق، والتركيز على القضايا التي تتسع مساحات التوافق فيها من أجل بناء جسور الثقة المهدمة بين الأطراف المختلفة، يتم إقحام مسائل معقدة وعلى قدر كبير من الحساسية بشكل يؤدي إلى بذر بذور الشك والخوف والتوجس بين العراقيين، وبالتالي زيادة أمد الجمود الذي يخيم على العملية السياسية. ولعل المثال البارز على ذلك هو المطالبة المتكررة بإنشاء "إقليم الجنوب والوسط" من قبل بعض الشخصيات الشيعية على رأسهم، عبدالعزيز الحكيم، رئيس "المجلس الأعلى للثورة الإسلامية" في العراق الذي أكد هذا الطلب مجددا الثلاثاء الماضي، في توقيت حرج يستدعي التركيز على كل ما يجمع ويلم الشتات والبعد عن كل ما يفرق ويمزق. فقد جاء تجديد الدعوة إلى إقليم شيعي في الوسط والجنوب في ظل توترات طائفية متصاعدة وخطيرة، حتى أن البعض يحذر بقوة من نشوء حرب أهلية مدمرة بعد أن "تغولت" الطائفية وكشفت عن وجهها القبيح الذي لا ترتسم عليه سوى عداوات وأحقاد الماضي ودموية الحاضر وظلام المستقبل.

المنطقة العربية تقدم تجارب مؤلمة على فشل الحلول الطائفية لمشاكل الدول والشعوب، وعدم مقدرة النماذج والترتيبات التي أوجدتها على ضمان علاقات مستقرة وصحية بين المذاهب والطوائف المختلفة، وكيف قادت هذه الحلول إلى صراعات دموية مدمرة ولم تصمد عند أول اختبار. ويجب أن يكون في ذلك درس مهم للعراقيين وهم يعيدون بناء دولتهم بحيث يشيد البناء على أسس من الوطنية العراقية المجردة، فليس لدى زعماء العراق، وقد مرت كل هذه التجارب وتمر أمام أعينهم، أي مبرر للوقوع في المنزلق الذي وقع فيه البعض في المنطقة، إلا أن يكونوا مصممين على عدم الاستفادة من تجارب الآخرين.

القاعدة الإلهية والحقيقة الثابتة عبر التاريخ يؤكدان أن الإصلاح ينبع في أساسه وجوهره من الذات، وإذا كانت أطراف عديدة، إقليمية ودولية، تحاول مساعدة العراقيين على الخروج من أزمتهم، فإن المهمة مهمتهم والمسؤولية الكبرى تقع على عاتقهم، وإذا لم يكن بمقدورهم أن يساعدوا أنفسهم فلن يكون بمقدور أحد أن يساعدهم.

شارك

الفعاليات المقبلة

إصدارات