العراق والكويت.. خطوة في الاتجاه الصحيح

  • 15 مايو 2012

شهدت العلاقات العراقية- الكويتية تقدماً مهماً في الفترة القليلة الماضية، انعكس في تبادل الزيارات الرسمية بين الجانبين على أعلى المستويات، ومن ذلك زيارة رئيس الوزراء العراقي نوري المالكي إلى الكويت في 14 مارس/ آذار الماضي، وزيارة أمير الكويت الشيخ صباح الأحمد الجابر الصباح إلى العراق في نهاية الشهر نفسه للمشاركة في أعمال القمة العربية التي عقدت في بغداد، وكذلك في نوعية الاتفاقات التي تم عقدها بين البلدين، والتي عكست رغبتهما في تطوير مستوى العلاقات وحل المشكلات العالقة بينهما منذ الغزو العراقي للكويت عام 1990، وهو ما ظهر جلياً خلال أعمال الدورة الثانية للجنة العليا المشتركة الكويتية العراقية، التي عقدت في بغداد في الـ29 من شهر أبريل الماضي.

يخطئ من يعتقد بأن الإيجابية التي طبعت اجتماعات اللجنة العليا العراقية– الكويتية الأخيرة ونتائجها، أتت في إطار تطور مفاجئ للعلاقات. فالمنحى الاستثنائي الذي اتخذه الاجتماع الثاني لهذه اللجنة التي تأسست في يناير/ كانون الثاني 2011 هو ثمرة أحداث ومشاورات ثنائية معقدة بقي معظمها قيد الكتمان، لكن ما ظهر منها يستحق الثناء والبناء عليه.

فالعلاقات بين الدولتين تمر في صعود وهبوط منذ غزو صدام حسين لدولة الكويت في 1990، لكن كان واضحاً في الشهرين الأخيرين أنها سائرة في اتجاه نزع فتائل التوتر وتجاهل الأصوات المتطرفة الشاذة التي لا ترغب في حدوث تعاون مثمر بين البلدين. فما الذي دفع إلى هذا التطور الإيجابي؟

لقد تطلب الأمر عقدين من الزمن، على ما يبدو، ليقتنع العراقيون والكويتيون أنه حان وقت طي صفحة الماضي، أي صفحة الجريمة التي ارتكبها صدام في حق الكويت. وفي هذه الأثناء مرت العلاقات بين الكويت الجريحة وبغداد المبتلاة بالعقوبات والفصل السابع بحال من الريبة والحذر، رغم تغّير النظام في 2003 وإعلان الحكم العراقي الجديد براءته مما قام به نظام البعث وإدانته لكل أفعاله.

ورغم أن المخاطر الأمنية لم تكن هاجساً حقيقياً لدى الكويت؛ نظراً لارتباطها باتفاقات دولية تحميها، ولعجز العراق الحالي عن خوض مغامرات مكلفة، فإن تداعيات "المسائل العالقة" بين البلدين ضغطت باستمرار على علاقاتهما الثنائية. ففيما كان التعاون كاملاً بشأن البحث عن الأسرى والمفقودين الكويتيين واستعادة الممتلكات العراقية المنهوبة وتأكيد احترام ترسيم الأمم المتحدة للحدود في العام 1993، فإن مسألة التعويضات أرخت بثقلها على كل جولة من المحادثات كونها تمس مباشرة حياة العراقيين وتقتطع جزءاً من مداخيل نفطهم في الوقت الذي يعانون فيه أسوأ الظروف الحياتية والاقتصادية.

ولا شك أن إبداء الكويت في الفترة الأخيرة مرونة في هذا الإطار "ضمن احترام قرارات الأمم المتحدة"، وتعهدها بالسعي الحثيث إلى إخراج العراق من الفصل السابع ساهما في ترطيب الأجواء بين البلدين. وللتذكير فإن التعويضات المستحقة على العراق هي 37 مليار دولار تم تسديد 12 مليار دولار منها حتى الآن، بواقع اقتطاع 5 في المئة من مدخول النفط، ليتبقى نحو 25 ملياراً، في حين أن الديون العراقية للكويت هي في حدود 14 ملياراً، أي إن هناك ما مجموعه 39 مليار دولار يتوجب على العراق سدادها.

ويأتي تخفيف نسبة اقتطاع الأمم المتحدة من مدخول النفط العراقي لمصلحة التعويضات إلى 2.5% مؤخراً نتيجة مثمرة للجهود المشتركة العراقية– الكويتية لتخفيف العبء عن خزينة بغداد في موازاة التعهد الكويتي بالاستثمار في العراق ودفع عجلة الاقتصاد.

ومنذ أن تسربت معلومات من الكويت قبل ثلاثة أشهر بأن أمير البلاد سيشارك في قمة بغداد التي عقدت في أواخر آذار/ مارس الماضي، رغم المقاطعة المتوقعة لقادة عرب عديدين، تبيّن أن الكويت تسير في اتجاه تحسين علاقتها مع العراق. فجاءت زيارة رئيس الوزراء العراقي نوري المالكي في الشهر نفسه للكويت والتصريحات الودية والإيجابية التي أطلقها وزير خارجيته هوشيار زيباري من العاصمة الكويتية ومفادها "أن العراق الجديد هو عراق الخير والتعاون، وليس عراق الشر وصدام" لتضع القطار على السكة.

راقبت الكويت، من غير شك، تطورات الأوضاع في المنطقة وخصوصاً المخاطر الإيرانية واحتمالات تدهور الأوضاع بين طهران والخليج، بالإضافة إلى أحداث البحرين الحساسة والمستمرة وما استتبعها من تدخل قوات "درع الجزيرة". ويبدو أنها استنتجت من مجمل هذه اللوحة وجوب لقاء بغداد الساعية إلى "التعاون الوثيق" في منتصف الطريق في بادئ الأمر، فأرسلت الإشارات من خلال تنشيط السفير المقيم في بغداد والوفود التجارية والإعلامية التي تزور العراق منذ عام 2008، بالتوازي مع المحادثات الدبلوماسية العادية. وكانت بغداد في المقابل تعبر عن رغبتها في تطبيع كامل للعلاقات، لكن التصريحات المتناقضة الصادرة عن مراكز القرار المتعددة فيها كانت ترجع دائماً بالعلاقات خطوات إلى الوراء.

أبرز مثال حديث في الذاكرة هو قضية ميناء مبارك الكويتي، الذي ثارت ثائرة العراقيين وحميتهم الوطنية ضده، واعتبر بعض نوابهم وبعض أطراف السلطة لديهم أنه "إعلان حرب اقتصادية من الكويت ضد العراق شبيهة بحرب إغراق السوق بالنفط بعد انتهاء الحرب الإيرانية العراقية". وإذ كاد موضوع هذا الميناء أن يتحول إلى أزمة كبرى في العلاقات قبل شهرين من الزمن، فإن الأجواء الجديدة الحاصلة بين البلدين حلته بيسر شديد، فأوقفت السلطات الكويتية بناء المرحلة الرابعة منه التي اعتبرها العراقيون مضرة بهم، وقرر العراقيون المباشرة بإقامة ميناء الفاو، وهو ما سمي في نتائج اللجنة العليا "الاتفاق على الملاحة في خور عبدالله".

واضح أن الكويت باتت تفكر بـ "احتواء العراق" عبر اكتشاف آفاق الاستثمار والتعاون معه كمدخل لتجاوز تركة الماضي الثقيل، وهذا منحى جديد في التفكير الكويتي. في المقابل يبدو أن سلطة المالكي تريد تحقيق إنجاز، ولو بسيطا، في سجلها الحافل بالاخفاقات، خصوصاً أنها تعاني مشكلة داخلية معقدة، وعزلة سياسية عربية جعلتها حليفة لصديق وحيد هو إيران، ومتعاونة مع جار يخوض حرباً ضد شعبه، هو نظام دمشق.

وإذا كان الانفتاح العراقي على الكويت يمثل مصلحة للعراق، فإنه يمثل حاجة كبرى للمالكي الذي بدأت تنفَضّ عنه بعض المكونات الشيعية المحسوبة على إيران أيضاً، ناهيك عن خصومه المعروفين من السنة والأكراد.

لا لقاء دون مصلحة الطرفين وتوافر الظروف بغض النظر عن النيّات. والعلاقات العراقية– الكويتية اليوم هي، في أقل اعتبار، ناجمة عن رغبة طرفين جارين في التعاون لتحقيق مصلحتهما. وكان واضحاً أن هناك قراراً مسبقاً في ذلك لم تأتِ لقاءات اللجنة العليا إلا لتتويجه. فالمالكي أعلن عقب زيارته في 14 آذار/ مارس للكويت أنه تم الاتفاق على إنهاء قضية التعويضات المتعلقة بالخطوط الجوية الكويتية وصيانة العلامات الحدودية معتبراً أنها خطوة كبيرة في اتجاه خروج العراق من الفصل السابع. ووزير الخارجية الكويتي الشيخ صباح الخالد قال قبل دخوله اجتماعات اللجنة العليا بعد شهر ونصف الشهر من زيارة المالكي: "نحن آتون بتوجيهات من الأمير لنحقق الاتفاق". وبالتالي فلا عجب من خروج اللقاءات بمذكرات تفاهم تتعلق بالازدواج الضريبي وتشجيع الاستثمارات، وتوقيع اتفاقين أحدهما للتعاون الثنائي وآخر للملاحة. وكل ذلك ستتم المصادقة عليه في زيارة يقوم بها رئيس الوزراء الكويتي إلى العراق في الربع الأخير من العام الجاري.

في موازاة ذلك، يجب عدم إغفال معاني الزيارة التي قام بها نجل أمير الكويت ووزير ديوانه الشيخ ناصر صباح الأحمد لكردستان في 19 نيسان/ أبريل الماضي، والتي تحدث فيها عن "منظومة لشمال الخليج" يكون بين أهدافها تنويع الاقتصاد. ألا يوحي ذلك بانفتاح على أكثر من خط بين الكويت والعراق؟ ألا يدفع إلى السؤال عن رغبة الجانبين في تنويع مجالات التعاون فيما بينهما؟ إنها أسئلة مشروعة. لكن قبل التشكيك والسؤال واجب الجميع الإشادة بما تحقق حتى الآن.

Share