العراق والانزلاق إلى الطائفيّة

  • 10 مايو 2010

على الرّغم من أن الانتخابات البرلمانية العراقية قد أجريت في السابع من شهر مارس الماضي، فإن الحكومة الجديدة التي من المفترض أن تشكّل بعدها لم ترَ النور بعد، بسبب الخلافات المحتدمة بين الكتل السياسية المختلفة حول طبيعتها وهوية رئيسها، وهي الخلافات التي تهدّد بمواجهة العراق حالة خطرة من الفراغ السياسي، وما يمكن أن يترتّب على ذلك من نتائج سلبية على مستويات مختلفة. لقد اعتبر الكثيرون أن انتخابات مارس الماضي تمثل فرصة كبيرة يجب عدم تفويتها من أجل إقامة عملية سياسية وطنيّة أساسها المشاركة التي تتجاوز الاعتبارات الطائفية والعرقية والدينية، وصولاً إلى تكريس مبدأ المواطنة التي تعلو فوق الانتماءات الفرعية كلّها، وطيّ صفحة المحاصصة الطائفية التي حكمت، بمساوئها وسلبياتها كلّها، العمل السياسي العراقي منذ عام 2003، لكن التطوّرات التي شهدتها الساحة السياسية العراقية خلال الفترة القصيرة الماضية تكشف عن أن الأمور ربما تسير في اتجاه معاكس يقوم على تعميق النزعات المذهبية والطائفية من خلال إقامة التحالفات على أساسها، ومحاولة استدعاء دور المرجعيّة الشيعيّة العليا إلى ساحة السياسة على الرّغم من أنها قد حرصت خلال الفترة الماضية على أن تنأى بنفسها بعيداً عنها. إن الاستقطابات الطائفية والعرقية هي أكبر خطر يهدّد العراق، الدولة والشعب، وأمضى معول هدم لقيم التعايش والوطنية، إضافة إلى وحدة الأراضي العراقية، فضلاً عن أنها تنطوي على تكريس ممارسات سياسية خطرة من شأنها أن تشوّه البنيان السياسي في البلاد، وتعزّز من الاحتقانات بين أصحاب الطوائف المختلفة، في الوقت الذي يجب أن يكون فيه هناك حرص كبير على تجاوز هذه الاحتقانات، والسيطرة عليها، خاصة بعد أن عبّر الشعب العراقي من خلال تفضيلاته الانتخابية، سواء في الانتخابات العامة، أو انتخابات المحافظات التي سبقتها، عن حسّه الوطني ورغبته في نظام سياسي يستوعب الجميع.

إن أيّ سيطرة للطائفية على تشكيل الحكومة العراقية المقبلة سوف تعني أن البلاد ما زالت تدور في حلقة مفرغة، وأن الانتخابات الأخيرة لم تستطع أن تغيّر شيئاً من ملامح المشهد السياسي السائدة منذ عام 2003، وهذا ربّما يشيع حالة من اليأس بين العراقيين، ويؤدّي إلى فقدان الثقة بقدرة الآليات السياسية المتاحة على إيجاد عراق جديد يلفظ المحاصصة الطائفية، ويتسع مجال المشاركة فيه للقوى جميعها، ومن شأن ذلك أن يؤدّي إلى نتائج خطرة خلال الفترة المقبلة. ولعله من تصاريف القدر ألا تسفر الانتخابات الأخيرة عن فوز حاسم لأيّ كتلة من الكتل، ومن ثم تصبح المشاركة هي الطريق الوحيد لتشكيل الحكومة المقبلة، وفي ظلّ هذا الوضع، فإن العراق أمام لحظة تاريخية مفصلية، لأنه سيترتّب على خيارات قواه السياسية المختلفة فيها الكثير ممّا يتعلق بمستقبله وواقع التعايش بين طوائفه وأعراقه.

Share