العراق وإيران والأمن الإقليمي

فتوح هيكل: العراق وإيران والأمن الإقليمي

  • 9 فبراير 2009

في خطوة تحمل كثيراً من الدلالات والتساؤلات المهمة، دعا الأمين العام للمجلس الأعلى للأمن القومي الإيراني، سعيد جليلي، في مؤتمر صحفي عقده مع مستشار الأمن الوطني العراقي، موفق الربيعي، في طهران يوم 20 يناير/كانون الثاني الماضي 2009، إلى تشكيل منظومة أمن إقليمية مشتركة، وهي الدعوة التي أيدها الأخير، معتبراً أن دور البلدين (العراق وإيران) سيكون "مهماً جداً" في تشكيل هذه المنظومة، التي لم يُعرف حتى الآن ما هي أهدافها الحقيقية؟ ومن هي الدول والأطراف التي يمكن أن تنضوي في إطارها؟ وما إذا كانت ستجد طريقها إلى حيز التطبيق العملي أم لا؟ وكيف سينعكس ذلك، إذا حدث فعلاً، على الأمن الإقليمي في المنطقة؟

 إعلان هذه الدعوة والترحيب بها جاءا في سياق الحديث عن أهمية تعزيز "الأمن المشترك" بين البلدين؛ حيث أكد مسؤول الأمن القومي الإيراني أن "أمن إيران والعراق موضوع مشترك، ومرتبط مع بعضه بعضاً، وأيّ تهديد أمني يتعرض له أي من البلدين سيؤثر في البلد الآخر"، مشدداً على ضرورة تشكيل لجان عمل مشتركة، وتوفير الآليات والأدوات المناسبة لتوطيد الأمن بين البلدين وتعزيزه على أعلى المستويات، فيما ثمن نظيره العراق "الدور المهم الذي تلعبه إيران في دعم الأمن والاستقرار في العراق، والذي أدى إلى تحسن الأوضاع الأمنية فيه"، مؤكداً أن مرحلة استخدام "الإرهابيين" (في إشارة إلى حركة مجاهدي خلق الإيرانية المعارضة لنظام طهران) الأراضي العراقية لتهديد أمن الجمهورية الإسلامية قد "ولت إلى الأبد". وقد نسي المسؤول الأول عن الأمن الوطني العراقي في غمرة هذا الحديث الودي، أو تجاهل حقيقة أن دور إيران وتدخلها الفج في الشأن العراقي الداخلي لم يكن بنّاءً على الإطلاق، وإنما كان وما زال أحد أكثر الأدوار سلبية في هذا البلد؛ فالجماعات التي مارست العنف الطائفي في السابق كان النظام الإيراني يدعمها سياسياً وعسكرياً، والمحاولات التي تقوم بها بعض القوى السياسية العراقية حالياً لإضعاف الحكومة المركزية في العراق وتقسيم هذا البلد تحت شعارات تقوية الحكم الفيدرالي واللامركزية يحركها النظام الإسلامي الحاكم في طهران، والذي لا يرغب في وجود حكومة مركزية قوية تقف في وجه تدخلاته الواضحة في الشأن العراقي، وهناك عشرات الدراسات الجادة التي تحدثت باستفاضة عن هذا الدور السلبي الذي قامت وتقوم به طهران في العراق، والتي لا يتسع المجال لذكرها.

 ولعل أول ما يلفت الانتباه في هذه الدعوة إلى إنشاء منظومة أمنية إقليمية مشتركة هو أنها أطلقت في اليوم نفسه الذي تسلم فيه الرئيس الأمريكي الجديد باراك أوباما مهام منصبه، وتأكيده من جديد تمسكه بموقفه الداعي إلى سحب القوات الأمريكية من العراق خلال 18 شهراً، وهذا يعني أن إيران تحاول من خلال طرح هذه الصيغة الأمنية ملء الفراغ الذي سيخلفه انسحاب القوات الأمريكية من العراق، وتشكيل غطاء لتدخلاتها السافرة في الشأن العراقي، والتي بلغت حداً خطيراً يمس سيادة الدولة العراقية واستقلالها السياسي.

 وإذا كانت إدارة أوباما قد عقدت العزم على الدخول في حوار مباشر مع إيران لتسوية أزمة برنامجها النووي، فإن طهران يمكنها، من خلال تشكيل مثل هذه المنظومة الأمنية الإقليمية الجديدة، تقوية موقفها التفاوضي للحصول على أكبر قدر ممكن من المكاسب الإقليمية، وربما دفع الإدارة الأمريكية الجديدة إلى الاعتراف بدور إقليمي مهيمن لها في المنطقة، من خلال إبراز قدرتها على المساهمة في حل كثير من المشكلات والأزمات التي ربما تجد الولايات المتحدة صعوبة في تسويتها من دون إيران، التي تعد بدورها طرفاً أساسياً في معظم هذه المشكلات والأزمات أو محركاً لها.

 وإذا كتب لهذه المنظومة الأمنية الإقليمية أن ترى النور؛ فإنها لن تضم سوى تلك الدول والقوى تمتلك طهران نفوذاً فيها أو تأثيراً مباشراً عليها، مثل سورية (التي تربطها بإيران علاقة تحالف استراتيجي وثيقة، فرضتها حالة العزلة التي حاولت بعض القوى العربية والدولية فرضها عليها) والعراق (الذي ترتبط كثيراً من قواه ورموزه السياسية بالنظام الإيراني بحكم الانتماءات الطائفية والمواقف السياسية)، إلى جانب "حزب الله" اللبناني، الذي أصبح يفتخر علناً بموالاته للنظام الإيراني ويطبق أجندته الإقليمية بوضوح، ويمكن أن تنضم حركة حماس إلى مثل هذه المنظومة إذا استمرت حالة العزلة المفروضة عليها عربياً ودولياً، كما يمكن أن تنضم دولة قطر إلى هذه المنظومة.

 ولا شك في أن تشكيل منظومة أمنية إقليمية بهذا الشكل لن يكون مفاجئاً؛ فمعظم هذه الأطراف تحسب ضمن ما يعرف باسم "تيار الممانعة" الذي تقوده طهران، وبالتالي فإن تشكيل هذه المنظومة لن يحقق الأمن والاستقرار في المنطقة، بل على العكس سيعزز من حدة الانقسام والتوتر القائم في المنطقة، وهذا هو بالضبط ما تريده طهران من أجل صرف أنظار المجتمع الدولي عن برنامجها النووي، الذي حذر تقرير صادر مؤخراً عن المعهد الدولي للدراسات الاستراتيجية في لندن من أنه وصل إلى مراحل متطورة، وأن إيران قد تتمكن من امتلاك السلاح النووي بنهاية عام 2010.

 أما إذا أرادت إيران أن توسع من نطاق هذه المنظومة الأمنية الإقليمية من خلال ضم أطراف إقليمية أخرى، ولاسيما دول مجلس التعاون لدول الخليج العربية؛ حيث سبق أن دعا الرئيس الإيراني محمود أحمدي نجاد خلال مشاركته في قمة الدوحة الخليجية عام 2007 إلى إيجاد منظومة للأمن والدفاع المشترك عوضاً عن الاتفاقات الدفاعية والأمنية التي وقعتها هذه الدول مع الولايات المتحدة والغرب، فإن هذا المسعى لن ينجح على الأرجح، بسبب السياسات الإيرانية في المنطقة، والتي تجعل الثقة بين جانبي الخليج العربي مفقودة أو ضعيفة في كثير من الأحيان؛ فقبل أيام قليلة، على سبيل المثال، صدرت بعض المواقف والتصريحات الإيرانية المستهجنة، والتي لم تكتف بإنكار الحق التاريخي الثابت لدولة الإمارات العربية المتحدة في جزرها الثلاث المحتلة، بل تمادت إلى حد التلويح بشن حرب في حال تمسك الإمارات وإصرارها على المطالبة بحقها في أرضها المحتلة، وسبق ذلك تصريحات أخرى تدعي أن مملكة البحرين جزء من الأراضي الإيرانية، ناهيك عن الدور الذي تقوم به طهران في إشعال فتيل الأزمات في كل من العراق ولبنان وفلسطين وغيرها؛ فكيف يمكن الحديث عن أمن إقليمي مشترك في ظل هذه المواقف التي تقوض أية خطوات إيجابية يمكن أن تتخذ لتحقيق الأمن والاستقرار الإقليمي؟!

 إن تشكيل منظومة أمنية إقليمية مشتركة فاعلة وشاملة في المنطقة يحتاج إلى بيئة سياسية مناسبة، وهذه البيئة لن تتوافر إلا إذا تم اتخاذ إجراءات جادة لإعادة بناء الثقة بين دول المنطقة، في مقدمتها توقف طهران عن التدخل في الشؤون الداخلية لدول المنطقة الأخرى وبناء علاقاتها مع هذه الدول على أساس الندية والمصالح المشتركة، وتسوية كافة المشكلات العالقة بين هذه الدول بأساليب حضارية سواء من خلال الحوار المباشر أو عبر آليات القانون الدولي، والكف عن سياسة استعراض العضلات ومحاولة إرهاب الجيران، ومن دون ذلك لن يمكن الحديث عن أي منظومة أمنية مشتركة في المنطقة. أما إذا كان الهدف هو توفير غطاء للتدخلات الإيرانية في العراق وباقي دول المنطقة، وزيادة الانقسام والتوتر فيها، فإن النتيجة ستكون خلق مزيد من التوتر الأمني وعدم الاستقرار في المنطقة، ولن تسلم من ذلك إيران نفسها.

 ولا شك في أن استمرار حالة الضعف والانقسام العربي الراهن يصب في خدمة مصالح القوى الإقليمية الأخرى وفي مقدمتها إيران، التي تستغل هذه الحالة لتعزيز نفوذها في المنطقة، ومن ثم فالمطلوب هو اتخاذ خطوات جادة عربياً لإنهاء هذا الانقسام غير المسبوق، ليس من خلال المصالحات الصورية كتلك التي حدثت في قمة الكويت الاقتصادية، ولكن من خلال البحث في أسباب هذا الانقسام ومحاولة تسوية كافة الخلافات القائمة؛ فترتيب البيت العربي من الداخل هو الخطوة الأولى والأكثر أهمية للتصدي لكافة مشروعات الهيمنة الخارجية، الإقليمية منها والدولية، والتي تشكل تهديداً مباشراً للأمن والاستقرار في المنطقة العربية، ورغم إدراكنا لصعوبة إنهاء هذا الانقسام العربي؛ فإن الأمر لن يكون مستحيلاً إذا أدرك الجميع خطورة التحديات التي تتهدد هذه الأمة.

Share