العراق .. نحو ترسيخ الوحدة الوطنية

  • 9 سبتمبر 2013

تشير دلائل الأحداث الداخلية في العراق إلى احتمال عودة أعمال العنف الطائفي كتلك التي حدثت خلال الأعوام 2006- 2008، مخلفة آلاف القتلى من العراقيين، وذلك بعد تصاعد أعمال التصفيات في الأسابيع الماضية، وحدوث سلسلة من التفجيرات وعمليات السيارات الملغومة، التي أوقعت عشرات الضحايا المدنيين.

كما يكشف الواقع العراقي عن خلل كبير وأزمات سياسية متعددة؛ في ملفات تتعلق بالشراكة وإدارة الحكم، وقوانين خلافية معطلة، وتبادل الاتهامات بين السياسيين بتفشي الفساد في مؤسسات الدولة، وتزايد الخروقات في ملف حقوق الإنسان والمضايقات المتعلقة بمجالي الحريات والإعلام، فضلاً عن غياب الثقة بشركاء العملية السياسية، كما يعترف البرلمانيون العراقيون.

ويبدو أن عدم الاستجابة لمطالب المحتجين في 5 محافظات على الأقل، وأبرزها الاعتصام المستمر منذ أشهر في محافظة الأنبار، ساهم في تصعيد التوتر في العراق. فالمعتصمون يتهمون حكومة رئيس الوزراء نوري المالكي بانتهاج سياسة طائفية في إدارة شؤون البلاد، والتنكر للاتفاقيات المبرمة بين القوى السياسية لحل الأزمة في البلاد مثل "اتفاق أربيل" وغيره من الاتفاقيات، فضلاً عن تسليم أجهزة الأمن إلى قيادات حزبية تفتقر إلى الكفاءة، وفي المقابل تتهم الحكومة شركاءها السياسيين بتنفيذ أجندات خارجية وتحمِّلهم المسؤولية عن الاختراقات الأمنية. وبين هذا الموقف وذاك، يدفع الشعب العراقي كل يوم ضريبة الدم من أبنائه ونسائه وشيوخه بسبب هذه الخلافات بين السياسيين، وعدم اتفاقهم على برنامج وطني جامع وحوار يؤلف بينهم ولا يفرق.

فكما هو معروف، فإن مثل هذه الخلافات والاتهامات المتبادلة والتناحر السياسي الذي يعترف به السياسيون الرسميون، هي التي ساهمت في تشجيع المنظمات الإرهابية على تنفيذ مخططاتها ضد المدنيين العزل والمنشآت العامة بهذا القدر من حرية الحركة، واختيار الزمان والمكان لعملياتها الإرهابية.

إن ما يعيشه العراق اليوم هو نمط معقّد يقترب من نموذج الحرب الأهلية، التي يجري فيها توظيف الطائفة والمقدس، وجر الشعب العراقي للاقتتال، وهو ما أدركته المرجعيات الدينية التي حذرت من الانزلاق في العنف والقتل، داعية إلى نبذ الخلافات ووحدة الصف.

ومن جانب آخر، أفضت تطورات المشهد السوري إلى حدوث تداعيات حادة في البلاد، سواء على المستوى الرسمي أو المجتمعي، إذ انقسم العراقيون ما بين الوقوف في صف نظام الأسد والقتال إلى جانب قواته في سوريا من جهة، ومساندة المعارضين والدعوة إلى دعمهم عسكرياً وسياسياً للتخلص من وطأة دكتاتورية النظام من جهة أخرى. على أن ما يمكن أن ينتهي إليه المشهد السوري يثير قلقاً لدى جميع العراقيين على حد سواء.

إن المطلوب اليوم، أكثر من أي وقت مضى، هو تكاتف الجهود للعمل على تصحيح الوضع القائم، وتغليب لغة الحوار، والركون إلى محاسبة المقصرين والمفسدين، والاستجابة لدعوة المرجعيات الدينية في التهدئة، والاتفاق على وضع خارطة طريق لمشروع وطني عراقي يُسهم في وأد الطائفية والنزعات القومية والعنصرية في البلاد، والعمل على بناء الدولة المدنية التي تضم كل العراقيين سواء بسواء ودون تمييز لمصلحة أحد على حساب الآخر.

شارك

الفعاليات المقبلة

إصدارات