العراق.. مشوار استعادة هيبة الدولة يبدأ بخطوة نزع سلاح الميليشيات

  • 29 يونيو 2020

يواصل رئيس الوزراء العراقي، مصطفى الكاظمي، مساعيه الجادة لإخراج العراق من حالة الفوضى الأمنية والسياسية التي يعيشها منذ إطاحة الولايات المتحدة الأمريكية نظام الرئيس السابق صدام حسين عام 2003 وما أعقبها من سنوات احتلال وانفلات أمني وتدخل إيراني وفتن طائفية أدخلته في نفق مظلم ما زال يعاني آثاره على الصعد السياسية والأمنية والاقتصادية والاجتماعية كافة.

 السياسي المستقل الذي تولى المنصب التنفيذي الأول في العراق على المستويين السياسي والعسكري باعتباره رئيساً للوزراء وقائداً عاماً للقوات المسلحة، لم يأتِ بالطريقة التقليدية التي اعتادتها القوى السياسية والتيارات الحزبية في هذا البلد منذ نحو 17 عاماً، وكانت تعتمد على مبدأ التوافق والمحاصصة وإسناد المنصب إلى الحزب أو التحالف صاحب الأغلبية في البرلمان، وإنما على خلفية تظاهرات عارمة واعتصامات عنيدة اجتاحت البلاد من شمالها إلى جنوبها احتجاجاً على مسألتين أساسيتين هما استمرار تدخل إيران في الشأن العراقي ومحاولاتها التي لا تتوقف لتقويض سيادته وجعله تابعاً لها وحديقة خلفية لنفوذها وسياستها، وتغول الفساد، واتساع نطاق آفتي الفقر والبطالة، وانتشار الميليشيات الطائفية المسلحة التي خرجت عن نطاق السيطرة وباتت تنفذ أجندات لا تتفق بأي حال من الأحوال مع توجهات الدولة وسياساتها.

ومنذ اليوم الأول لتشكيل حكومته ونيلها ثقة البرلمان عقب مخاضٍ لم يكن يسيراً، أعلن الكاظمي بوضوح نيته وعزمه على فرض السيادة واستعادة هيبة الدولة ووقف التدخلات الخارجية التي كانت تعبث بأمن واستقرار البلاد، مستنداً في ذلك إلى ركيزتين مهمتين هما دعم دولي واسع، وخصوصاً من قبل الولايات المتحدة الأمريكية التي تريد تحجيم نفوذ إيران ووأد طموحاتها وأطماعها في العراق، ومساندة شعبية خصوصاً من شريحة الشباب الذي طفح به الكيل وضاق ذرعاً بممارسات نظام الولي الفقيه وانفلات الميليشيات الموالية له والممولة والمسلحة من قبله والتي باتت تشكل ما يشبه دولاً داخل الدولة، وتتحدى حتى قوى الجيش والأمن وجهاز مكافحة الإرهاب.

قبل الدخول في مواجهة مباشرة معها، حاول الكاظمي إرسال مجموعة من الرسائل للميليشيات وقادتها والمسؤولين عنها علّهم يستوعبون الدرس ويقتنعون أن الأوضاع قد تغيرت، وأن المرحلة باتت تتطلب إعادة تنظيم الأمور في البلاد حتى لا تغرق السفينة بمن فيها، وحتى لا تنزلق الأمور إلى ما لا تحمد عقباه، وخصوصاً في ظل احتقان شعبي عميق وواسع النطاق وإحباط عامّ في صفوف الشباب ناتج عن تراجع حاد في مستوى معيشة المواطن العراقي سببه الأساسي هدر ثروات البلاد واستنزافها ونهبها تحت مسميات مشاريع وهمية لم يتحقق منها شيء على أرض الواقع؛ حيث تشير التوقعات إلى أن العراق، البلد الغني بالثروات المتنوعة، خسر ما يزيد على 450 مليار دولار خلال الأعوام من 2007 حتى 2019 نتيجة الفساد المستشري في مختلف مفاصل الدولة والأجهزة الحكومية.

رئيس الوزراء القادم من موقع القيادة في واحد من أهم الأجهزة الأمنية العراقية وهو جهاز المخابرات العامّة، بدا مصرّاً على تنفيذ تعهداته التي قطعها لنشطاء الحراك الشعبي والاحتجاجات بأنه سيحقق واحداً من أهم مطالبهم وهو صون سيادة العراق واستقلاله ومنع استخدام أراضيه ومجاله الجوي ساحة لتصفية الحسابات خصوصاً بين إيران والولايات المتحدة، الأمر الذي يحتاج تحقيقه بالدرجة الأولى إلى إنهاء فوضى انتشار السلاح وحصره بيد الدولة وتفكيك الميليشيات، وهي خطوات لن يكون تنفيذها سهلاً من دون دعم دولي وشعبي كبيرين وحاسمين، يمارس الأول المزيد من الضغوط على إيران ويجفف قدرتها على تمويل الميليشيات التابعة لها، في حين يوفر الثاني الحاضنة الشعبية المؤازرة والمساندة لجهود الجيش والحكومة والأجهزة الأمنية لإنهاء الوجود المسلح لأي فصيل أو تنظيم تحت أي مسمى كان.

وفيما يشبه بالونات الاختبار وعمليات جسّ النبض، باشرت قوى الأمن العراقية تنفيذ حملات مداهمة واعتقالات في صفوف الميليشيات التي يعتبر بعضها جزءاً مما يسمى «الحشد الشعبي»، وفي مقدّمتها ميليشيا «كتائب حزب الله»، الموالية لإيران والمرتبطة بها بشكل مباشر، وهو ما لاقى ترحيباً كبيراً في الشارع العراقي وإشادة دولية، غير أنها استثارت أمراء الحرب من زعماء الميليشيات الطائفية الأخرى الذين بدؤوا التشويش على الرجل خوفاً من أن تصل السكين إلى رقابهم، وتقدّمهم قيس الخزعلي زعيم ما يسمى «عصائب أهل الحق» الذي وجه تحذيراً إلى رئيس الوزراء من الدخول في مواجهة مع الحشد الشعبي، وهو ما يعني أن مشوار الكاظمي نحو استعادة السيادة الكاملة وغير المنقوصة طويل وليس مفروشاً بالورود.

Share

الفعاليات المقبلة

إصدارات