العراق: عودة العنف ومستقبل الاستقرار المنشود

العراق: عودة العنف ومستقبل الاستقرار المنشود

  • 7 مايو 2009

شهدت الساحة العراقية تزايداً ملحوظاً في أعمال العنف، خلال الأسابيع القليلة الماضية، بشكل أعاد للأذهان حالة الانفلات الأمني التي عمّت العراق في السابق؛ حيث عادت الحوادث الإرهابية;والتفجيرات الدموية لتهز العاصمة بغداد وبعض المدن العراقية الأخرى بعد فترة من الهدوء والاستقرار غاب فيها هذا النوع من العمليات الدموية. وتكشف الأرقام التي نشرتها وزارات الدفاع والصحة والداخلية العراقية عن ارتفاع متزايد في ضحايا أعمال العنف بالعراق منذ بداية العام الحالي (2009)؛ حيث ارتفع عدد القتلى من 191 شخص في شهر يناير إلى 252 في فبراير، ثم إلى 258 في مارس، ووصل إلى نحو 335 قتيل في شهر إبريل الماضي، من بينهم 290 مدنياً و24 جندياً بالإضافة إلى 41 رجل شرطة، ليتجاوز إجمالي عدد القتلى العراقيين منذ بداية العام أكثر من ألف شخص.

وقد تعددت الأسباب التي طُرحت لتفسير هذا التزايد في أعمال العنف؛ فهناك من أرجعها إلى التوتر الذي شهدته العلاقة بين "مجالس الصحوة" والحكومة العراقية بعد قيام الأخيرة باعتقال مقاتلين سنة ينتمون إلى هذه المجالس واستهداف عناصرها وبعض قياداتها. ومن المعروف أن المليشيات المسلحة التابعة لهذه المجالس مثل "أبناء العراق" لعبت دوراً مهماً في تحقيق الاستقرار النسبي الذي شهدته المناطق السنية خلال العام الماضي بعد انقلابها على تنظيم "القاعدة" والجماعات الموالية له، وبالتالي لا يستبعد أنصار هذا الرأي أن تكون التفجيرات الدموية الأخيرة التي شهدها العراق رد فعل على الاستهداف الحكومي لـ"قوات الصحوة". وهناك من اتهم "حزب البعث" المنحل بالمسؤولية عن حوادث العنف الأخيرة، ولاسيما أن بعض هذه الحوادث تزامن مع ذكرى تأسيس الحزب في السابع من أبريل 1947، ومن بين هؤلاء رئيس الوزراء العراقي نوري المالكي. كذلك كان "تنظيم القاعدة في بلاد الرافدين" أحد المتهمين بالوقوف خلف هذه الأحداث؛ حيث رأى بعض المحللين أنه استطاع إعادة تنظيم نفسه من جديد بعد الضربات القوية التي تعرض لها، وبدأ يعاود نشاطه الذي يقوم بالأساس على إشعال الفتنة بين السنة والشيعة عبر تركيز هجماته على طائفة دون أخرى لإظهار الأمر على أنه استهداف طائفي. وثمة من ربط عودة العنف إلى العراق بمن تم إطلاق سراحهم من المعتقلات الأمريكية في العراق مؤخراً، بدعوى أن قسماً كبيراً من هؤلاء يمثلون خطراً على الاستقرار الأمني، كما أن هناك من أعاد توجيه الاتهام إلى بعض القوى الإقليمية المجاورة للعراق، ولاسيما إيران، استناداً إلى وجود مصلحة لهذه الدول في الإبقاء على الأوضاع متوترة في العراق لصرف الأنظار عن مشكلاتها ومشروعاتها الإقليمية، وإثبات قدرتها على فرض الهيمنة ومد النفوذ.

وبصرف النظر عن مدى صحة أي من هذه التفسيرات؛ فإن الأمر الذي لا جدال فيه هو أن عودة العنف من جديد إلى العراق تمثل مؤشراً مهماً على أن الوضع الأمني في هذا البلد مازال هشاً، وأن مصادر الخطر مازالت كامنة في ساحته تنتظر الوقت المناسب لفعل فعلها وإشاعة أجواء الاضطراب والفوضى من جديد. ولا يقلل ذلك بطبيعة الحال من أهمية التحسن الذي طرأ على الوضع الأمني، فقد انخفض مستوى العنف في العراق في العام 2008 إلى قرابة 80% من مستواه عام 2007، غير أن هذا التحسن يظل هشاً وغير متماسك بالنظر إلى مجموعة من العوامل، من بينها استمرار النزاع الداخلي بين مختلف المكونات السياسية حول السلطة والموارد، وتعثر جهود المصالحة الوطنية، والشكوك التي تدور حول مدى قدرة قوات الأمن العراقية غير المتجانسة على الإمساك بزمام الأمور وفرض الأمن والنظام. وقد بينت العمليات الدامية التي شهدها العراق مؤخراً هذا الأمر بوضوح.

ولعل أخطر ما تضمنته التفجيرات الإرهابية الأخيرة في العراق هو تركيزها على استهداف طائفة معينة، وذلك في محاولة واضحة لإعادة الصراع الطائفي بين السنة والشيعة، بعد أن كان هذا الصراع قد أخذ يتوارى ويتراجع في الفترة الأخيرة؛ حيث كشفت نتائج انتخابات المحافظات التي جرت في العراق أواخر يناير الماضي، عن تراجع واضح للنزعة الطائفية لمصلحة التوجهات الوطنية العامة. وليس جديداً القول إن أخطر ما يمكن أن يواجهه العراق هو إشعال الفتنة المذهبية بين مواطنيه؛ لأن من شأن ذلك تهديد التعايش السلمي بين فئات المجتمع، بل إنه يهدد تماسك الدولة ووحدة أراضيها أيضاً. ويكفي أن نشير هنا إلى نتائج الدراسة التي نشرتها مجلة "نيو إنجلاند جورنال أوف ميدسين" الطبية الأمريكية في منتصف شهر إبريل الماضي، والتي أوضحت أن السبب الرئيسي في موت المدنيين العراقيين، خلال الفترة من مارس 2003 وحتى مارس 2008، هو أعمال القتل الطائفية بأسلوب الإعدامات، وليس بسبب التفجيرات الانتحارية التي تستأثر باهتمام وسائل الإعلام، مشيرة إلى أن نسبة الضحايا الذين تعرضوا للاختطاف والقتل باتباع أسلوب الإعدامات (التصفيات الطائفية) بلغت نحو 33% مقارنة بـ27% قتلوا جراء عمليات تفجيرية.

ومع تصاعد أعمال العنف تزايد الجدل مرة أخرى حول خطط الانسحاب الأمريكي من العراق؛ وكان هناك تحذير من أن يؤدي انسحاب القوات الأمريكية مع استمرار أعمال العنف، إلى زعزعة الاستقرار السياسي للعراق والنيل من المكاسب التي تحققت هناك نتيجة زيادة القوات، كما بدأ بعض القادة العسكريين في الجيش الأمريكي يروجون لخطة بديلة للانسحاب تعتمد على الالتفاف على فقرات أساسية في الاتفاقية التي وقعت مع العراق حول سحب القوات، وتتضمن إعادة تصنيف كثير من القوات القتالية باعتبارها قوات مساندة. غير أن العراق استبعد تمديد المواعيد النهائية الواردة في الاتفاقية الأمنية، والتي تنص على سحب القوات الأمريكية القتالية من المدن بحلول نهاية يونيو 2009 والانسحاب الكامل بحلول نهاية عام 2011، كما أن إدارة أوباما تبدو عازمة على المضي قدماً في خطة الانسحاب، كما هي مقررة، دون الالتفات إلى العواقب التي يمكن أن تترتب على ذلك.

وعلى الرغم من أهمية الآراء التي تطالب بإعادة النظر في خطط الانسحاب الأمريكية من أجل منع انزلاق العراق إلى دائرة العنف مجدداً، فإن هذه الآراء لا تستند إلى أساس منطقي؛ فهي تفترض أن وجود القوات الأمريكية يمنع العنف، وهذا يناقض الواقع؛ لأن أقوى موجات العنف التي تعرض لها العراق تمت في ظل وجود القوات الأمريكية، ولم تسلم هي نفسها منها، وبالتالي فإن استمرار وجود هذه القوات ليس ضمانة لتحقيق الأمن، بل ربما تكون هي نفسها سبباً للعنف باعتبارها قوات احتلال أجنبي. ويعني هذا أن العراقيين هم وحدهم الذين يجب أن يتحملوا مسؤولية تحقيق الأمن والاستقرار المنشود.

ولكي ينجح العراقيون في مواجهة أعمال العنف والإرهاب بشكل فاعل، يتعين عليهم السير في مسارين متوازيين: الأول، هو المسار الأمني، والذي يركز على وضع الخطط الأمنية اللازمة لحماية المواطنين وملاحقة العناصر الإرهابية والمتطرفة، والإسراع بإصلاح الأجهزة الأمنية العراقية (سواءً قوات الشرطة أو الجيش) ورفع كفاءة منتسبيها لتكون قادرة على تسلم المسؤولية الأمنية في المدن التي تنسحب منها القوات الأجنبية، ويتطلب ذلك إعادة تقييم عناصر هذه الأجهزة لتنقيتها من فرق الموت الطائفية والعملاء، والإسراع بدمج المقاتلين السنة وعناصر الجيش العراقي السابق في هذه الأجهزة، وإعادة بنائها على أسس وطنية وليس طائفية.

أما المسار الثاني والأهم فيتمثل في التحرك السياسي نحو تحقيق المصالحة الوطنية وحل الخلافات القائمة بين القوى العراقية المختلفة؛ ودون ذلك سيظل العراق غير محصن ضد أي محاولات لاختراقه أو تهديد أمنه والتلاعب باستقراره ووحدة أراضيه. كما أن هناك بعض القوى الداخلية والخارجية التي تراهن على استمرار هذه الانقسامات الداخلية واستغلالها لتفجير العراق وتحويله إلى ساحة للصدام والفتنة الطائفية والحرب الأهلية. وبالرغم من أهمية الجهود التي بذلت والنجاحات التي تحققت في هذا الإطار، فإن هناك بعض الخلافات الجوهرية التي تهدد بتفجير الوضع داخل العراق، ومن ذلك قضية كركوك التي يبدو أنها لن تجد حلاً قريباً بعد تأكيد الرئيس العراقي جلال طالباني أن الأقلية الكردية لن تتخلى عن محاولتها السيطرة على هذه المدينة.

لا شك في أن الحكومة العراقية مقبلة على مرحلة مهمة ستتسلم فيها المسؤولية الأمنية الكاملة من القوات الأجنبية، وبقدر ما تدق التفجيرات الإرهابية الأخيرة ناقوس الخطر، فإنها يجب أن تمثل دافعاً للعمل الجدي من أجل معالجة الملفات العالقة والمثيرة للخلاف بين طوائف العراق المختلفة، والإسراع بالجهود المبذولة لتحقيق المصالحة الوطنية باعتبارها الضمانة الحقيقية لتحصين العراق ضد كل المؤامرات الداخلية والخارجية التي تستهدف أمنه ووحدته. كما يتعين على الدول العربية أن تتجاوز أخطاء الماضي وتتحرك بفاعلية أكبر لاحتواء العراق ومساعدته، أمنياً وسياسياً واقتصادياً، في هذه المرحلة، حتى يمكنها مواجهة مخططات قوى إقليمية أخرى "غير مرغوب فيها" تسعى بقوة إلى ملء الفراغ الأمني الذي سيخلفه الانسحاب الأمريكي.

Share

الفعاليات المقبلة

إصدارات