العراق.. بين النفوذ الإيراني ومقتضيات السيادة

  • 19 أغسطس 2019

لم يتمكن رئيس الوزراء العراقي – إلى الآن – منذ تعيينه قبل أشهر من الاطمئنان على مكانته، بل إن الكثير من التوقعات التي ساقها المراقبون تبدو – اليوم – كما لو أنها تتحقق، فما هي أبرز تحديات عادل عبدالمهدي اليوم؟ وإلى أي حدّ سيتمكن من إدارة المرحلة المقبلة؟
أبرز التحديات التي يواجهها رئيس الوزراء العراقي -اليوم- تنقسم في ظاهرها إلى تحديات داخلية وخارجية كما جرت العادة، لكن المدقق في جوهرها يدرك أنها ذات بُعد إقليمي خالص؛ أيْ أنها ترتبط بكلّ أبعادها بالتدخل الإيراني، سواء تعلق الأمر باصطدامه بسلطة الحشد الشعبي، أو باستمرار أزمات التنمية الداخلية، أو حتى بتوتر علاقاته مع الولايات المتحدة الأمريكية.
ومن خلال تشريح هذه المسائل الثلاث، تتضح لنا أكثر طبيعة تلك المشاكل وعلاقتها المتعدية بغيرها من القضايا الإضافية الشائكة.
فبالرغم من محاولته (الشجاعة) دمج ميليشيا الحشد الشعبي بالجيش العراقي، فإن عادل عبدالمهدي لم يتمكن من القيام بذلك إلا بعد أن قدم لها بدائل تعوضها عن خسارة سلطتها الظاهرية، ولكن تلك البدائل المتمثلة في تسليم قياداتها مناصب حساسة داخل المؤسسة العسكرية جعلها تدير معاركها الطائفية؛ استناداً إلى شرعية الجيش الوطني. وليس قرار رئيس الوزراء الأخير القاضي بتعيين القيادي في منظمة بدر الموالية لإيران، منتظر الحسيني، في منصب السكرتير العسكري لرئيس الوزراء سوى جزء من آلية الضغط المتواصلة من طرف أذرع إيران داخل العراق، وخاصة أن القيادي المعين مقرّب من الحرس الثوري الإيراني وسبق له أن تدرّب في صفوفه. ولذا، يرى العديد من المراقبين أن موجة الاستياء التي أثارها قرار التعيين في الأوساط الشعبية لن تفضي إلى نتيجة تُذكر ما دامت إيران تقِف خلف القرار.
والقرار الأخير هو جزء من سلسلة من التعيينات التي فرضتها جهات مقربة من طهران مؤخراً، كان من أبرزها تعيين أبو جهاد الهاشمي، القيادي في المجلس الأعلى، مديراً لمكتب رئيس الوزراء، ثم تعيين زياد التميمي مفتشاً عاماً في وزارة الدفاع.
التدخلات الإيرانية في العراق لا تقِف عند حدّ فرض الموالين لطهران في المناصب الحساسة، وإنما تعدت ذلك إلى فرض إملاءات على بغداد تتعلق بطريقة تعاطيها مع العقوبات الأمريكية على إيران، حيث اعتُبر رفض عادل عبدالمهدي الالتزام بالعقوبات الأمريكية على إيران دليلاً على التأثير الإيراني المباشر؛ وذلك برغم المهلة التي منحتها له واشنطن للبحث عن مصادر جديدة للطاقة الكهربائية التي يستوردها من إيران.
كما رأى بعض المراقبين أن القرارات الأخيرة التي اتخذها عادل عبدالمهدي – بشأن منع الطيران العسكري في الأجواء العراقية إلا بموافقته شخصياً – استجابة فعلية لضغوط فصائل الحشد الشعبي التي تعرضت مقراتها لقصف مجهول قبل أيام.
وإزاء الضعف الملحوظ للقرار السيادي العراقي إزاء النفوذ الإيراني، يتخوف الكثير من المراقبين من عدم قدرة الحكومة الجديدة على أداء مهامها بالشكل المطلوب، وخاصة فيما يتعلق باستقلالية القرار، وإمكانية فرض الإصلاحات الهيكلية على مستوى مؤسسات الدولة المختلفة، وتنفيذ برامجها التنموية، ومعالجة تداعيات الإرهاب والتوترات الطائفية.
لذا، فإن أوساطاً عراقية عديدة تحذر من أن تؤدي زيادة نفوذ إيران على المستوى السيادي إلى إثارة رد فعل بعض الأطراف في الداخل، وخاصة تلك التي ترى أهمية استقلالية القرار العراقي عن الخارج، وتفضّل تعزيز دور المستقلين في الوزارات السيادية كوزارتَي الدفاع والداخلية.
فيما يرى آخرون أن سياسة رئيس الوزراء بدأت تتضح شيئاً فشيئاً خلال الفترة الماضية، وهي تهدف إلى تمكين الفصائل المسلحة والجهات المشبوهة من السيطرة على أهم مؤسسات البلاد؛ وهي رئاسة الوزراء، لكن الأمر قد يجعل من العراق ساحة مواجهة بين إيران من جهة وإسرائيل والولايات المتحدة من جهة أخرى، وهي – من دون شك – في غنى عن كلّ ذلك.

Share