العراق الفيدرالي….هل تحققه مواجهات البصرة الأخيرة؟

د. هدى النعيمي: العراق الفيدرالي....هل تحققه مواجهات البصرة الأخيرة؟

  • 21 أبريل 2008

عندما شهدت مدينة البصرة في أواخر شهر مارس/آذار الماضي اشتباكات عنيفة بين مسلحي ميليشيا جيش المهدي التابع للزعيم الشيعي مقتدى الصدر والقوات الحكومية العراقية، أدت إلى مقتل وإصابة المئات، كانت إيران تراقب الوضع هناك عن كثب لتكون في طليعة المستفيدين منه، في الوقت الذي كشفت فيه هذه المواجهات مدى هشاشة الوضع الأمني الذي تعيشه مدن العراق المختلفة، ومحدودية القدرات العسكرية واللوجستية التي تتمتع بها قوات الأمن الحكومية، في ظل نظام حكم يتصف بالطائفية السياسية، انتقل بالبلاد من مجتمع موحد متماسك، إلى مجتمع الطوائف والأعراق، وهو نظام لن يكون قطعا كسابقه متعلقاً بفكرة الهوية الواحدة.

 ومن المرجح أن تكون إيران قد ضربت حليفاً بحليف لكبح جماحه، وإعادة الإمساك به، على نحو يؤمن لها هيمنة وقدرة أكبر في توجيه مساره كما تريد، بعد سلسلة مواقف وتصريحات لأتباع الصدر عن النفوذ الإيراني في العراق؛ حسث يقال إن الضوء الأخضر للعملية قد أُعطي خلال زيارة الرئيس نجاد إلى بغداد، لإيصال رسالة إلى الطرف الأمريكي مفادها؛ أن إيران هي من يؤثر في الساسة الشيعة، ويتحكم في المعادلة السياسية العراقية، وبالتالي لابد من الحوار والتفاوض معها، بشأن العراق وجواره الإقليمي القابل للانفجار.

 ولأن إيران تمارس تأثيراً طاغياً على أحزاب الإسلام الشيعي، فإنها قد وضعت منهجاً في توظيف هذه الأحزاب، لن تقبل بتجاوزه أو الإضرار به؛ فالدور المنوط بالمجلس الإسلامي الأعلى يتمثل في تأسيس دويلة مذهبية، تتوافر على موارد ضخمة، بينما يُراد من تيار الصدر مشاغلة القوات الأمريكية وضربها كلما استدعت المصلحة الإيرانية ذلك، وهو أمر موضع نقاش؛ إذ أبدى هذا التيار سلوكاً ازدواجياً، فهو جزء فاعل في مؤسسات أوجدها الاحتلال، لكنه في ذات الوقت تيار (رافض مقاوم)، صولاته تذكر في هدم المساجد وقتل الأبرياء، أما حزب الدعوة واستجابته للأبوية الإيرانية الطائفية؛ فالمطلوب منه هو تقديم  تسهيلات حكومية تمكن إيران من الاستحواذ على العراق، كمالك شبه حصري، تكون له الغلبة بعد أن يقصي منافسيه.

 والفرقاء السياسيون في مسرح الحرب، الذين جمعتهم قائمة انتخابية واحدة، ويتشاركون في سرد قصة المظلومية المذهبية وما ترتب عليها من إجحاف وإقصاء، تفرقوا بسبب المال والنفوذ والنفط، وأصبح لكل منهم دوره وهدفه؛ فحزب الفضيلة، الذي يمتلك أغلبية في مجلس محافظة البصرة، وينتمي إليه المحافظ محمد الوائلي، يتولى حماية المنشآت النفطية الرئيسة، كما يهيمن على الأجهزة الأمنية وعلى مفاصل الإدارة المحلية في المدينة، فيما يسيطر المجلس الإسلامي الأعلى بقيادة الحكيم، يدِ إيران والمعبر عن مصالحها وتطلعاتها السياسية والأمنية، على عائدات الجمارك، وينتشر أتباعه في الجيش والشرطة، وله وجود قوي في جهاز المخابرات. أما التيار الصدري؛ فينتشر أفراده في الشرطة المحلية وقوات حماية المنشآت، وهو يسيطر على ميناء أبو فلوس، الذي يعتبر المركز الرئيس لتصدير النفط الخام المباع  في السوق السوداء.

 وهناك من يؤكد أن ثمة أطرافاً أخرى في العراق تشارك في الصراع على الثروة والنفوذ، يرتبط بعضها بعائلة العاشور التي تتولى عملية تهريب النفط منذ أيام النظام السابق، والتي كانت قد اشترت مساحات واسعة من ميناء أبو فلوس من وزير النقل والمواصلات الأسبق سلام المالكي المنتمي للتيار الصدري، حتى تتمكن من إدارة عمليات التهريب من دون المرور عبر الجمارك، وبعيداً عن أعين الحكومة المحلية. كما أن هناك خلايا سرية تلقى دعماً وتسليحاً وتدريباً من إيران، من بينها مجموعات "حزب الله" العراقي، ومنظمة "ثأر الله"  و"حركة سيد الشهداء"، وعشائر نافذة تتشارك في عمليات تهريب النفط، ومتهمة بعمليات قتل طائفية. وعلاوة على ذلك، نشأت تحت جناح المليشيات المسلحة عصابات وجماعات مسلحة تتخذ الطابع العشائري والديني، وتحترف الجريمة المنظمة، وتضم كل مجموعة بين 30-50 مسلحاً يتزعمهم رجل عصابات محترف في عمليات القتل والخطف والحصول على الأموال عن طريق أخذ الدية والتهريب بكل أنواعه.

ومن هنا، فإن الأطراف المتنازعة يتوافر أغلبها على قدرات مادية كبيرة وصلات جيدة بإيران، وإن كان التيار الصدري يتميز بأن لديه قواعده الشعبية الواسعة التي تمثل الطبقة الفقيرة والمسحوقة في المجتمع، والتي لا تملك شيئا لتخسره، ويحركها الولاء لوالد مقتدى السيد محمد محمد صادق الصدر، وهي على استعداد للتضحية من أجل ابنه واتباع فتاواه بدون تمحيص أو مناقشة./n /n وكانت الخلافات الشيعية-الشيعية بسبب النفوذ والسيطرة قد حصلت منذ وقت مبكر في مدن الجنوب، وإن كانت الظروف التي مر بها العراق لم تسمح بتشكيل حكومات محلية تحظى بتمثيل دقيق، فيما سمحت مقاطعة التيار الصدري لبعض الانتخابات المحلية، بسيطرة المجلس الإسلامي الأعلى على معظم الحكومات المحلية في الجنوب، مما أوجد انطباعاً لدى الصدريين بأنهم قادرون على اكتساح تلك المجالس عبر قاعدتهم العريضة. ويكشف واقع الحال أن وزن التيار الصدري على الأرض قبل الأحداث الطائفية التي وقعت بين عامي 2006 و2007 ليس مشابهاً لوزنه بعد هذه الأحداث؛ فشعبيته تراجعت بشكل عام، وجاذبية شعاراته اصطدمت بممارساته الدموية التي اتخذت من أحداث سامراء متنفساً لها، فصارت موضع انتقاد الشيعة قبل السنة.

 وتشير أسباب الصدام الأخرى إلى الخلاف الواسع حول قانون مجالس المحافظات الذي سيفسح المجال لتحقيق غرضين: الأول؛ يتمثل في تكريس وزن نسبي موضوعي للقوى والأحزاب الإسلامية الشيعية، مع إمكانية تثبيت هذا الوزن على المدى الطويل، أما الثاني؛ فيتمثل في تحديد مستقبل مشروع فيدرالية الجنوب والوسط، الذي يسعى المجلس الإسلامي الأعلى إلى الدفع به قدماً، وهو ما تريده إيران ويعارضه التيار الصدري.

 لقد بقيت مدينة البصرة منذ الاحتلال الأمريكي للبلاد وسقوط النظام السابق ساحة مكشوفة لصراع الإرادات الطامعة بالنفط والسلطة، ومجالاً رحباً لتصفية الحسابات الدولية والإقليمية، والسيطرة على الموارد الضخمة وفرض الأتاوى على معظم النشاطات التجارية، وإنتاج وتصدير النفط، وحسبما تفيد الأرقام فإن عوائد عمليات تهريب النفط التي تبلغ مئات الملايين من الدولارات سنوياً، يجري تقاسمها بين مختلف الميليشيات والأحزاب، وتوفر مصادر لتمويل نشاطها ونفوذها. وتشير تقارير أمريكية إلى أن مدخول عصابات تهريب النفط المنتشرة في موانئ البصرة يتجاوز الـ 10 ملايين دولار يومياً.

 وتعيش مدينة البصرة أيضاً واقعاً منفصلاً عن الحكومة المركزية، وحتى عن العراق كوطن، وهي أقرب للاندراج تحت النفوذ الإيراني، وتحت توجيه المخابرات الإيرانية والحرس الثوري. وعلى مدى السنوات الخمس الماضية أصبحت عملية تهريب النفط تمثل جزءاً من ترسيخ التغلغل الإيراني وإحكام القبضة على العراق، وبهذا الصدد يقول الخبير النفطي الأمريكي جيري كاسبر: إن إيران تستفيد من نحو 300 ألف برميل نفط يتم تهريبه إليها يومياً عبر الحدود في جنوب العراق، وتجعل عوائد النفط العراقي المهرب هذه من إيران مانحاً سخياً!! يقدم المال لمنظمات المجتمع المدني والمؤسسات الإعلامية، ويمول عمليات القتل ويمد المليشيات بالسلاح.

 ولا يمكننا الجزم بهشاشة المشهد الشيعي وتفككه، وإن كان هذا الأمر يبدو صحيحاً وملاحظاً في كثير من الأحيان؛ إذ سرعان ما تدخل إيران على طرف الأزمة بين هذا الحزب أو تلك الميليشيا، ليصار إلى إعادة توحيد الصف وتهدئة المواقف المتشنجة، وضمان عدم انفراط عقد الشيعة، على حد زعمهم، على أن وقف إطلاق النار الذي أعلن عنه في 30/3/2008 لن يكون إلا هدنة مؤقتة طالت أو قصرت، لتعود المعارك إلى الاندلاع من جديد، في محاولة لتحقيق المكاسب وإعادة تثبيت النفوذ والأوزان، فمئات القتلى والجرحى الذين وقعوا خلال الأيام الماضية، فضلا عن عشرات المعتقلين من أنصار الصدر ليسوا ثمناً مجانياً يدفع لإعادة الأوضاع إلى ما كانت عليه. ويبدو أن الصدريين لم يفهموا أن خطوط إيران الحمراء لا يمكن تجاوزها، وأن مشاغبات التيار قد تدفع إلى التضحية به؛ فما تطلبه إيران هو عراق ضعيف مقسم، ودويلة طائفية شمال الخليج العربي، تعيد تشكيل المناخ الثقافي والحضاري وموازين القوة الإقليمية، ولكن الإيرانيين، لن يتركوا التيار الصدري دون  نصيب وافر من الغنائم ، إذا ما أحسنوا التصرف.

 لقد وقفت الحكومة العراقية ممثلة بمستشارها للأمن القومي لتدعو عائلة الخوئي إلى تحريك قضية ضد مقتدى الصدر، لأسباب كثيرة أهمها أن مشروع الفيدرالية يستحق التضحية بحليف سبب صداعاً مزمناً وأحرج الحكومة، التي بدأت تتبرأ من أفعاله على الرغم من أنه محسوب عليها، في مسرحية عنوانها "دولة القانون والمؤسسات في العراق المحتل من قبل إيران". وتدرك القوى المتنافسة جيداً أنها تستطيع التحكم بالعراق، إذا ما تحكمت بالبصرة والمناطق المحيطة بها، فهي معركة تسجيل النقاط للحصول على أوزان سياسية فاعلة، يلعب فيها النفط متغيراً رئيساً، وقد تبدو كإحدى لحظات الغموض وعدم الوضوح التي يمر بها العراق، بين تحول ديمقراطي زائف، ومعاناة يومية بشرية، وقوات احتلال تحركها سياسات قاصرة، وعنف وقتل وتدخل إيراني سافِر، أحرج الحلفاء العراقيين، ومع ذلك فإن الحصاد لن يكون إيرانياً.

Share