العراق الجديد… هوية تحتاج إلى تحديد

د. بشارة نصار شربل: العراق الجديد... هوية تحتاج إلى تحديد

  • 1 أكتوبر 2005

إذا كانت الفيدرالية أرقى نظام سياسي تم التوصل إليه في العالم حتى اليوم، فإنها فيما يعني العراق تبدو مدخلاً إلى أسوأ التطورات التي واجهها شعب من الشعوب. ذلك أن العراق الواقع تحت الاحتلال الأمريكي من جهة، والساقط في قبضة الإرهاب من جهة أخرى يجد نفسه، رغم الجهود الجبارة التي تبذلها قواه السياسية الرئيسة، فريسة رغبتين جامحتين: الأولى، الديمقراطية القسرية عبر تنظيم فيدرالية تشكل صيغة للتعايش بين فئات المجتمع الرئيسة؛ أي الأكراد والسنة العرب والشيعة. والثانية، الوحدة المركزية القسرية التي يستلهم دعاتها، خصوصاً من السنة العرب، نُظُم النصف الثاني من القرن العشرين وشعار العروبة الجامعة، من أجل ما يقولون إنه منع للتقسيم وحفاظ على هوية العراق.

بين حدّي الفيدرالية والمركزية يعاني العراق مأساة يومية يدخل العنف الانتحاري فيها عاملاً غامضاً في الحسابات السياسية النهائية لطرفي المعادلة. ذلك أن اختباءه خلف عناوين المقاومة، ونزعته التكفيرية، واستهدافه الشيعة بالقتل تجعل منه عنصراً مشجعاً للطرفين، واحد ينزع إلى مزيد من التجزئة تحت ستار "الوحدة الممكنة" واستحالة استعادة التعايش السابق، وآخر نحو تشدد في الحنين إلى "حقوق تاريخية" تعطي السنة العرب اليد الطولى في السلطة، وتستطيع تكرار تجارب طمس التناقضات عبر توهم صهرها في بوتقة مجتمع واحد.

يوحي النزاع حول الدستور العراقي وكأن هوية العراق على المحك وفي خطر شديد، وأن رصاصة الرحمة ستطلق عليها في المشروع المطروح على الاستفتاء في 15 اكتوبر/تشرين الأول 2005. لكن محك الهوية الفعلي هو مضمون الهوية بغض النظر عمّن ينتصر لشكلها أو للتسميات. وإذ تظهر جلياً رغبة أكثرية العراقيين، وهم الأكراد والشيعة، في التوصل إلى عراق تعددي تحت يافطة العرقنة والإسلام، فإن السنة العرب يبدون الأحرص على "عروبة" يخشون أن يؤدي عدم تكريسها في الدستور هوية للجميع إلى ضياعهم في بحر القومية الكردية الظاهرة النزعات والإسلام الشيعي الذي يضع العروبة في المقام الثاني من الانتماء. ومع أن لا خلاف بين الفئات الثلاث على انتماء العراق إلى العالم الإسلامي، فإن التراجع عن حذف الهوية العربية للعراق وإقرار صيغة توفيقية تؤكد انتماءه إلى العالم العربي يبدوان غير قادرين على حل الإشكال مع العرب السنة، الذين سمعوا علانية، خصوصاً من قيادات الأكراد، أن إدراج "العروبة" في الدستور أتى من قبيل التطمين والحرص على كسب تأييد الجميع وليس وليد قناعة بأن العراق عربي وسيبقى عربياً إلى الأبد.

ربما كان الخلل الأساس في نظرة السنة العرب إلى عروبة العراق هو اعتقادهم بأن هذه الهوية معطى نهائي، وبأنها لا تحول ولا تزول ولا تتحول بتحول الأزمان، وبأن هذا المعطى قادر على استيعاب كل أشكال التطور، وقادر على التجلي من خارج الوقائع المادية المتغيرة. وهم إذ يفهمون أن يكون الأكراد معارضين لشمل كل العراقيين بصفة العروبة بسبب انتمائهم القومي ولغتهم وتجربتهم المريرة مع النظام البعثي الصدامي، فإنهم ينظرون بحيرة واستنكار إلى تساهل الشيعة العرب مع المنحى إلى التنازل عن العروبة الجامعة، وتفضيلهم ثنائية الولاء مجاراة للنمط الإيراني، أي التمسك بهويتين إسلامية وعراقية. الأولى تتجاوز العروبة وتجعلهم جزءاً من العالم الإسلامي وحلفاء طبيعيين لإيران، والثانية تجعلهم يعتزون بانتمائهم الوطني اللصيق بحياتهم، الذي ينزع من ذاكرتهم مآسي "عروبة الديكتاتورية" وتجربتهم المرّة مع صدام. وإذ تبدو كل النزعات في هذا الإطار ذات منحى توحيدي ما يلتقي بمعنى عند نقطة عراقية العراق، تبدو كلها في الوقت نفسه ذات اتجاه يوصل إلى الانقسام إذا استمر التجاذب على الهوية على وقع التفجيرات ونهر الدماء.

واقع الأمر أن الهوية الأكثر تأزماً في عراق ما بعد صدام هي هوية العرب السنة الذين يجدون أنفسهم محاصرين بين قومية كردية واضحة وهوية شيعية مركبة. ويزيد أزمة السنة العرب أن الشعور الموهوم الذي ساد فترات من الزمن وأعطى انطباعاً بأن الهوية العربية يمكن أن تكون هوية سياسية ذات "نظام"، انكسر حين انكشفت تلك العروبة الكيانية في منعطفات أساسية، لا سيما في الحروب التي خاضها العالم العربي ضد دول الجوار سواء إسرائيل أو إيران، أو في تلك التي خاضها ضد نفسه عبر احتلال الكويت، أو في الممارسات السياسية التي أفضت إلى تدمير ذاتي للنظم التوتاليتارية بعد حصار وخروج على القانون الدولي من جهة وعلى "النظام" العربي الهش من جهة أخرى. والسنة العرب الذين حكموا العراق منذ تأسيس الدولة العراقية على يد الإنجليز في العام 1921، مع أنهم لم يشكلوا سوى نسبة 20 في المئة من أهل العراق، ظنوا دائماً أن هويتهم العقائدية والسياسية هي هوية كل من ساكنهم، وأن الدولة التي يقيمونها على أساس قناعاتهم لا بد أن تضبط كل التناقضات بغرض منع التنوع إلا في حده الأدنى "التسامحي"، لذلك هالهم أن تنفجر الهويات المضمرة في العراق الجديد، وأن تغدو المطالبة السياسية بتقاسم الحكم أو حكم الغالبية نوعاً من الهزيمة التي تحيق بهم وبهويتهم التي هي في النهاية هوية سلطة أكثر مما هي هوية واقع اجتماعي وإثني.

تحت ستار النزاع على الهوية والدستور يظهر النزاع على السلطة سمة غالبة للحدث العراقي اليوم. ذلك أن التنازل الكردي-الشيعي الشكلي في موضوع عروبة العراق يمكن أن يرضي السنة من غير أن يغير في مجريات الأحداث وفي مضمون الدستور. فالعراق الفيدرالي واقع قائم سواء تكرّس عبر الاستفتاء والاتفاق والروية أم استلزم حرباً أهلية تزهق فيها أرواح كثيرة. فالعودة إلى الوراء بما يعني عودة حكم مركزي مطلق شعاره العروبة وجوهره النفوذ السني مسألة لم تعد في الحسبان، لأن القفز فوق الحقائق الموضوعية الديمجرافية والعسكرية مستحيل، ولأن احتلال العراق والتدخل الإيراني والواقع السياسي كلها عوامل تفترض أن قطار تجزئة العراق تحت مظلة التوحيد سائر إلى الأمام، وعلى العراقيين اختيار أي نوع من التجزئة هو أفضل لهم وأي أسلوب أقل ضرراً على مستقبل أبنائهم.

لم يكن العراق ليصل إلى هذا المفترق الخطير لولا الديكتاتورية التي أدت إلى الاحتلال، ولولا أن المشاعر الدينية طغت على الشعور الوطني المشترك، ولولا أن استشراء الأصولية السنية والشيعية دمّر إمكان التوحد بعدما أعلى شأن الماضي على المستقبل، واستمد زاده الفكري من تواريخ التفرقة بدل الوحدة. لذلك فإن العراق اليوم أمام تحدي عقلنة النزعات الطائفية السنية والشيعية المتفجرة والقومية الكردية الناهضة من قمع تاريخي، لترويضها جميعاً في إطار ولاء عراقي يصعب أن نسميه هوية جامعة بل مجموعة قوانين وتوجهات ذات مرجعية ثقافية وتاريخية مشتركة وذات مضمون تعددي حضاري. هذا هو تحدي العراقيين، إنه تشكيل هوية جديدة ليست عربية خالصة ولا عراقية خالصة ولا إسلامية خالصة، إنها خلاصة تأخذ من كل شيء بطرف، بل إنها تسوية حول هوية جديدة لا تزال بحاجة إلى تحديد.

Share