العراق: أزمة مستمرة وصراع محتدم

  • 20 يونيو 2012

إذا كانت دول عربية عدة تعيش سخونة ثورات الربيع أو حمى صناديق الاقتراع، أو الانقسامات الخطيرة داخل المكونات الوطنية، فإن العراق ليس معلَّقاً بخيط فحسب كما يقال، بل إنه قاب قوسين أو أدنى من درجات الغليان. والمؤسف أن التفجيرات شبه اليومية التي تحصد العشرات من الأبرياء ليست العامل الحاسم في تدهور أوضاع هذا البلد الذي لا يزال يعاني زلزال اجتثاث نظام البعث والاحتلال الأمريكي وامتداد الإرهاب إلى أرجائه. فمشهد القتل والدماء تعوَّد عليه العراقيون والعالم، وصار جزءاً من التحاور بين القوى الإقليمية والدولية على أكثر من ملف، وجزءاً من الرسائل الداخلية بين قوى الأمر الواقع بغض النظر عن أحجامها في السلطة أو في الشارع والأوكار.

وعلى الرغم من تعقيد وضع العراق وتداخل الحسابات الطائفية والمذهبية والعرقية والإقليمية فيه، فإنه قلَّما تمحور صراع في بلد من البلدان، وفي فترة زمنية ليست قصيرة (ممتدة منذ سبع سنوات) وفي ظل نظام برلماني، حول شخصٍ صار في الوقت نفسه فتيلاً للتفجير وصمام أمان، وصار نقطة وصلٍ وفصلٍ، وجوده مشكلة وتنحيته كارثة… إنه رئيس الوزراء نوري المالكي.

لم تنطلق الأزمة السياسية الحالية في العراق منذ نحو شهرين وبداية اجتماعات أربيل، بل إنها ترجع إلى الانتخابات النيابية التي حصلت في العام 2010، وأنجبت تكتُّلين كبيرين متقاربَين في الأصوات (ائتلاف دولة القانون والقائمة العراقية). وكانت مفاوضات الأشهر الطويلة لتشكيل حكومة مؤشراً قوياً على ما يمكن أن تكون عليه حكومة الوحدة الوطنية، والتي انتهت مؤلفة على قاعدة غالب ومغلوب، واستقرت على استئثار المالكي بالأجهزة الأمنية والسلطة والجيش والاستخبارات، وعلى توازن مكسور مع خصومه السنة العرب، ومع حلفائه في التيار الصدري، وعلى ريبة كبيرة من الأكراد. يومها قيل إن توافقاً أمريكياً – إيرانياً حرم إياد علاوي زعيم "القائمة العراقية" رئاسة الحكومة. واشنطن أرادت أن تضمن انسحاباً هادئاً وآمناً لقواتها مدركة أن علاوي لن يتمكن من تأمينه في ظل معارضة أكثرية شيعية موالية لطهران. وطهران تعهدت لواشنطن بسلاسة الانسحاب.

هذا التوافق يبدو أنه مستمر حتى اليوم ولو لأسباب أخرى. فإيران تتمسك بالمالكي في ظل الضغط الخطير الذي تتعرض له الحلقة السورية في هلالها الشيعي، والرئيس باراك أوباما غير مستعد لفرط الاستقرار في العراق على أبواب انتخابات الرئاسة الأمريكية. تفسر هذه المظلة الدولية-الإقليمية للمالكي الخلفية التي يستند إليها في التشبث بالسلطة، وبعض أسباب فشل المطالبة بسحب الثقة منه، والذي مني به "رباعي أربيل – النجف" المكون من علاوي، ورئيس مجلس النواب أسامة النجيفي، ورئيس إقليم كردستان مسعود البرزاني، وزعيم التيار الصدري مقتدى الصدر.

لم تكن الأسباب التي استند إليها المعترضون على بقاء المالكي في السلطة بحاجة إلى أدلة وإثباتات، ولم تكن مجرد حملة سياسية قوامها التنافس المشروع على الحصص في الحكومة أو على مراكز القرار فيها. فالمالكي على ما يبدو ارتكب، وبمهارة منقطعة النظير، الأخطاء الثلاثة التي شكَّلت العناوين العلنية للمطالبة بسحب الثقة منه، وهي: عدم التزامه بتعهداته، وممارسته الديكتاتورية والتفرد، وتخطيه الدستور.

وواضح أن اتهامات معارضي المالكي له ليست من غير أساس، خصوصاً لجهة المس باستقلالية القضاء، والقفز على مبدأ فصل السلطات، وحرمان البرلمان من دوره التشريعي عبر استصدار قرارات المحكمة الاتحادية، والإصرار على بقاء مجلس الوزراء من دون نظام داخلي.

هذا إذا استثنينا الأرقام التي يبرزها "لقاء أربيل – النجف" والتي تتحدث عن إنفاق المالكي على مدى سبع سنوات من تسلمه السلطة 50 مليار دولار من دون قانون، وإنفاقه 25 مليار دولار على الكهرباء من دون إحراز تقدُّم في التغذية الكهربائية، وإنفاقه 14 مليار دولار سنوياً على العسكر والأجهزة الأمنية واستخدامها لحساب جماعته، ويوردون رقم 500 مليار دولار معتبرين أنه المبلغ الذي صرف من خزانة الدولة في عهود المالكي المتتالية من دون أن يحرز العراق أي تقدم ملموس في التنمية أو الاستقرار.

لا تقلّ الاتهامات الشخصية للمالكي عن الاتهامات العامة الموجهة إليه بصفته الشخصية. فهناك شبه إجماع على أنه حاد الطباع وسريع الغضب ومتقلب المزاج. فهو اتهم الرئيس بشار الأسد تكراراً بإرسال السيارات المفخخة إلى بغداد، ويقف بقوة إلى جانبه اليوم مشكِّلاً منفذه الاقتصادي وصِلة الوصل التي يحتاجها إلى طهران. وهو لا يتردد في استخدام أسلوب التهديد في كل اتجاه. فيتهجم على نائبه صالح المطلك، ويلاحق نائب الرئيس طارق الهاشمي من بغداد إلى كردستان حتى تركيا، ويطوّق منزل مقتدى الصدر في النجف أثناء اجتماعات المعارضين له، ويحتضن مشعان الجبوري الذي يهدد باستخدام القوة ضد كردستان.

هذه الصفات حملت "الرباعي" الساعي إلى سحب الثقة منه على المطالبة بتغيير شخصه لتغيير الأداء، وباستبداله من داخل تكتّله بشخصية يمكن لسائر المكونات العراقية التعاطي معها من دون توتر واستفزاز. لكن، إذا كان المالكي متهماً بكل ذلك على مستوى الأداء الحكومي وعلى المستوى الشخصي، فلماذا هو باقٍ حتى الآن؟

واقع الأمر أن الرجل عنيد، لكنه مستند في عناده إلى قوته التمثيلية الحقيقية للشيعة الذين يكوّنون أكثرية السكان. وتظهر استطلاعات رأي أخيرة ارتفاع شعبيته إلى 55% في أوساط الشيعة بزيادة 22% عمّا كانت عليه في العام 2011. وهو بالنسبة إلى مناصريه الشيعة رمز قوتهم التي تحققت بعد سقوط صدام، وضمان لغلبتهم المهددة من الجانب الكردي-السني ومن السنة العرب على السواء.

ثم إن المالكي يعتبر جريئاً في القرارات إلى حد التهور، وهو ما يستهوي كثيرين من مؤيديه، فلا يتردد في مواجهة أي طرف خارجي أو داخلي حين يرى ذلك مناسباً؛ فهو اتهم السعودية وقطر مرتين في الأسابيع الأخيرة بمحاولة إسقاط نظامي بغداد ودمشق. وهو نفسه الذي لوَّح للأكراد بالحرب حين شارك الرئيس جلال طالباني في اجتماعات أربيل وكانت تُجمع التواقيع لسحب الثقة منه، والتي قيل إنها تجاوزت 163 توقيعاً، وهو العدد الضروري لذلك، غير أن طالباني تلكَّأ في تسليمها إلى رئاسة البرلمان خشية انفجار الوضع السياسي. فمَن غير المالكي يستطيع أن يُصرِّح بأن "طبول الحرب تقرع في كردستان"؟ ومَن غيره يستطيع التساؤل: "هل كردستان تابع للعراق أم العراق تابع لكردستان"؟.

ثم إن المالكي برهن لجماعته ولداعميه في طهران أنه صاحب قرار. فلم يتردد في إسقاط نائب الرئيس طارق الهاشمي من المعادلة السياسية. وهدَّد بإطاحة رئيس البرلمان ليحد من مطالبات إياد علاوي.

في المقابل تبدو الجهة المقابلة للمالكي متصدعة على الرغم من أن عدد نوابها يصل نظرياً إلى 180 نائباً من أصل 325، وعلى الرغم من أنها متنوعة الأطياف، إذ تضم السنة والأكراد وأطرافاً شيعية، وهي متوزعة جغرافياً شمالاً ووسطاً وغرباً وجنوباً، وفيها التنوع العقائدي بين الديني والقومي والليبرالي. فالقائمة العراقية ليست متفقة بالكامل على طلب سحب الثقة، وهناك ما بين 20 نائباً إلى 26 منها يرفضون ذلك. ودخل بعضهم في تجمع "الوفاء للعراق" الذي تشكَّل من أعضاء من "العراقية" وكتلتي "البيضاء" و"العراقية الحرة" والذي يرى ضرورة بقاء المالكي في الوقت الحاضر.

والتيار الصدري ليس ثابتاً في مطالبته بسحب الثقة. صحيح أن مقتدى الصدر لم ينسَ حملة "صولة الفرسان" التي قتل خلالها المالكي كثيرين من أنصاره، وصحيح أنه يستشعر بأن المالكي يسحب شعبياً كثيراً من مؤيديه ما يعرِّض مركزه الانتخابي إلى الخطر في استحقاق 2014، لكنه في النهاية يبقى في دائرة التحالف مع إيران. وليس الاتصال الذي جرى بن الرجلين في الأسبوع الثاني من يونيو/حزيران، و"استدعاء" الصدر إلى طهران للقاء ممثلي المالكي، إلا دليلاً على أن لتحرك الصدر حدوداً ربما تتحكم فيها إيران.

أما الأكراد، فحساباتهم معقدة، ولا تقف أبداً عند حدود الوصف المتكرر الذي أطلقه مسعود بارزاني على المالكي معتبراً بأنه "ديكتاتور يشبه صدام". فلجلال طالباني حساباته التي تبدأ من حجمه داخل كردستان وحرصه على وحدة شعبه، وصولاً إلى إدراكه أن منطقة نفوذه محاذية لإيران وممتلئة بأجهزة استخباراتها، وبأن أي طموح نحو الاستقلال يحتاج تفهمها، وأن العلاقة الاستراتيجية معها ضرورية لموازنة العلاقة بين بارزاني وتركيا والدول السنية الخليجية.

من هذا المنطلق وصل طالباني في نهاية شهرين من اجتماعات "أربيل – النجف" ومحاولات سحب الثقة والالتباسات التي أطلقها ذات اليمين وذات الشمال، إلى نهاية المطاف في رسالته التي طالب فيها "الرباعي" بوقف استفزازه، مؤكداً أنه لن يقف ضد أكثرية الشيعة التي يمثلها المالكي، وأنه في المقابل يريد إعادة التوازن إلى الوضع السياسي من خلال الدعوة إلى "الاجتماع الوطني"، الذي يريده الكلمة الفصل لحل المشكلات السياسية العالقة وتنفيذ الاتفاقات السابقة.

هكذا يبدو الوضع العراقي معلقاً وساخناً في آن معاً. فإطاحة المالكي لا تعني شخصه فقط، بل تتعلق بإمكانات التوافق على بديل له وعلى مستقبل التوازنات داخل السلطة. وإذ فشل الخياران اللذان تداولهما لقاء أربيل بديلاً من المالكي وهما إبراهيم الجعفري وأحمد الجلبي؛ لأن تأييد المالكي داخل دولة القانون (87 نائباً) لا يزال كاسحاً، ولأن البديل عن ذلك دفع كتلته إلى المعارضة في وقت تمثل الأكثرية الشيعية، فإن الوضع مرشح للاستمرار على ما هو عليه، مع إضافة أن المالكي سجَّل نقطة ضد منافسيه، فهُم فشلوا في إطاحته وأعطوه زخماً لربح مريح في الانتخابات المقبلة.

حتى الآن يبدو أن التصعيد الذي خاضه معارضو المالكي لسحب الثقة منه انقلب عليهم. فهو باق بقوة التوافق الأمريكي– الإيراني المستمر حول "استقرار العراق". وهو مستمر في وضع قبضته على الأجهزة وإضعاف خصومه في مواقع القرار الاقتصادي والأمني. وهؤلاء الخصوم لا بديل لهم من بلع الهزيمة. فإذا ذهبوا إلى خيار إعلان الأقاليم، ولو كان دستورياً، فإنهم ينحون بالعراق نحو تقسيم فعلي، وإذا ما لجؤوا إلى الشارع، فسيجدون شارع المالكي أكثر استنفاراً وقدرة على تحمل المواجهات. ولذلك يرجَّح أن يبقى الوضع على ما هو عليه في المدى المنظور، على وقع التفجيرات التي لا ترحم الأبرياء، وتبادل الاتهامات الذي يعمق الانقسامات.

Share