العراق‮.. ‬الاختلاف حيث‮ ‬يجب الاتفاق

  • 20 ديسمبر 2011

في الوقت الذي كان ينتظر فيه العراقيون مزيداً من التضامن والتعاون والتكاتف بين القوى السياسية المختلفة من أجل بناء العراق الجديد بعد انسحاب آخر جندي أمريكي من الأراضي العراقية، فإن الخلافات انفجرت بين هذه القوى مهدّدة بانهيار العملية السلمية برمّتها، وانزلاق البلاد إلى احتقان طائفي خطِر يهدّد كل ما تم إنجازه على المسار السياسي خلال السنوات الماضية.

إن إقدام كتلة “العراقية” البرلمانية على تعليق مشاركتها في البرلمان يوم السبت الماضي متّهمة رئيس الوزراء، نوري المالكي، بتركيز السلطات في يده، وطلب المالكي من البرلمان سحب الثقة من نائبه، صالح المطلك، بعدما وصفه بأنه “ديكتاتور أسوأ من صدام حسين”، واتهام أفراد من حماية نائب رئيس الجمهورية، طارق الهاشمي، بالتورّط في أعمال إرهابية، هذه كلها مؤشرات إلى أن البلاد ربما تكون مقدمة على أزمة خطِرة وحقيقية لأن الأمر يتعلق بتهديد الائتلاف السياسي الذي تقوم عليه العملية السياسية بالانهيار.

أخطر ما يواجه العملية السياسية العراقية فجوة الثقة بين المشاركين فيها، وهي الفجوة التي جعلت “ائتلاف الوحدة الوطنية” الذي تشكّل بعد الانتخابات البرلمانية الأخيرة معرّضاً على الدوام للتصدّع من داخله، إلى أن وصلت الأمور إلى ذروتها خلال الأيام الأخيرة، حيث أصبح من الواضح أن التعاون بين القوى المشاركة في الائتلاف قد أصبح صعباً وليس أدلّ على ذلك من طلب رئيس الحكومة من البرلمان سحب الثقة من نائبه.

لا شك في أن هذه الخلافات السياسية التي تفجّرت بشكل لافت للنظر داخل المشهد العراقي مع انسحاب آخر جندي أمريكي ، تسبب صدمة للعراقيين كلهم الذين كانوا يتطلّعون بأمل إلى المستقبل، وينتظرون مزيداً من العمل والجهد والتوافق الوطني من أجل إعادة الإعمار وترميم التوترات والاحتقانات الطائفية واستثمار ثروات البلاد الكبيرة في إحداث نقلة تنموية نوعية تحسن أوضاع الشعب العراقي وتخفف معاناته وتضع العراق في مكانه الذي يستحقه في إطاره الإقليمي.

إن انفجار الخلافات السياسية بهذه الصورة وفي هذا التوقيت تحديداً في العراق، يطرح تساؤلات عديدة ويثير الكثير من الاستغراب ليس لدى العراقيين فقط وإنما لدى الرأي العام العربي كله أيضاً، لأن منطق الأمور يشير إلى أن تحديات المرحلة المقبلة ومشكلاتها بعد انتهاء الاحتلال، تقتضي طيّ صفحة الخلافات مهما كانت شدتها أو درجة تعقيدها، والقفز فوق التوترات والاحتقانات مهما كان عمقها، لأن المرحلة الحالية ليست مرحلة خلاف وشقاق وإنما مرحلة وفاق وتقارب.

أزمة العراق الأخطر الآن هي الخلافات بين قواه وتياراته المختلفة، ولذلك فإن الإدارة الرشيدة والوطنية لهذه الخلافات، هي شرط أساسي لانطلاق البلاد إلى مرحلة جديدة على المستويات المختلفة، في حين أن استمرارها وتفاقمها سيعني الدوران في حلقة مفرغة من التوتر والصراع سوف يدفع ثمنها المواطن العراقي في حاضره ومستقبله، والدولة العراقية في تماسكها ووحدتها والتعايش بين مكوّناتها المختلفة.  

Share