العدوان الإسرائيلي على غزة: الأهداف المعلنة والمخططات بعيدة المدى

د. مصطفى عبدالعزيز مرسي: العدوان الإسرائيلي على غزة: الأهداف المعلنة والمخططات بعيدة المدى

  • 19 يناير 2009

ترددت في الكتابة حول هذا الموضوع بعد أن لاحظت كثرة المقالات والتحليلات السياسية التي تناولته، سواء على الصعيد المحلي أو الدولي أو الفضائيات، ولكنني لاحظت أيضاً أن بعض الجوانب والخلفيات الأساسية ما زالت تحتاج إلى مزيد من التحليل، كما أن شرح الدوافع الحقيقية الكامنة وراء هذه المحرقة يحتاج إلى مزيد من التعمق لفهم ما وراءها.

ويتعين القول بداية إن ادعاء قادة إسرائيل بأنهم خاضوا هذه الحرب دفاعاً عن النفس، ولشل قدرة "حماس" على إطلاق الصواريخ، لا يعبر عن كل الحقيقة، وإنما يعكس الأهداف الآنية، ويخفي الأهداف الاستراتيجية بعيدة المدى لهذه الحرب. فمواصلة أعمال المقاومة وإطلاق صواريخ القسام، على الرغم من محدودية فاعليتها وتواضعها، باتجاه إسرائيل جاءا كرد فعل طبيعي لاستمرار الاحتلال الإسرائيلي لأكثر من أربعة عقود، وتزايد ممارساته الوحشية من حصار وتجويع، والتي تشكل عقوبات جماعية لأهل القطاع. ومن البديهي أن من يرغب في إيقاف ردود الفعل الفلسطينية، عليه إيقاف الفعل الأصلي المحرض والدافع لها أولاً؛ فإنهاء أسوأ احتلال اقتلاعي وأطوله في التاريخ هو وحده الكفيل بإنهاء المقاومة الفلسطينية المشروعة التي اعتاد الإسرائيليون على وصفها، عن سوء قصد، بأنها أعمال إرهابية، ويتناسون عن عمد إرهاب الدولة الذي تمارسه إسرائيل وعمليات القتل المستهدف التي تقوم بها بحق الفلسطينيين.

 صواريخ القسام "الضوضائية"، كانت مجرد ذريعة استغلتها إسرائيل لتنفيذ مخططها الأوسع نطاقاً. ومن هنا فإن تبرير هذه الحرب الشاملة على قطاع غزة بحق إسرائيل في الدفاع عن النفس، هو قول مُضلل لعدم التناسب بين الفعل ورد الفعل، فما تقوم به إسرائيل هو حرب عدوانية ، تدار من طرف واحد، وباستخدام متعمد للقوة العسكرية المفرطة ضد شعب شبه أعزل، وبالتالي فهي حرب غير متكافئة على الإطلاق.

 وقد كشفت وزيرة خارجية إسرائيل تسيبي ليفني في زلة لسان عن جانب من الأهداف بعيدة المدى لهذه الحرب بقولها: "إنها لتغيير المعادلة في المنطقة"، والمعنى المستتر وراء هذا التعبير هو السعي إلى فرض تسوية إسرائيلية بالقوة على الساحة الإقليمية، أو التمهيد لذلك من خلال تدويل الوضع في قطاع غزة عبر وضع قوات دولية لحماية إسرائيل، على نحو ما حدث في جنوب لبنان، أو من خلال فرض ترتيبات إقليمية ودولية لمنع وصول الأسلحة إلى فصائل المقاومة الفلسطينية، حتى تواصل ابتلاعها للأراضي الفلسطينية في هدوء وبدون إزعاج، وهو ما يعكسه بوضوح الاتفاق الذي وقعته ليفني مع وزيرة الخارجية الأمريكية كونداليزا رايس مؤخراً، والذي تعهدت واشنطن بموجبه بتقديم ضمانات أمنية لإسرائيل لوقف تهريب الأسلحة إلى قطاع غزة عبر المساعدات التقنية و تبادل المعلومات الاستخباراتية ومراقبة الحدود، وهو الاتفاق الذي أكدت مصر أنها لن تلتزم به.

 إن عملية اجتياح قطاع غزة لم تحدث فجأة بل جرى التدريب عليها والاستعداد لها منذ سنتين، وهي في السياق العام امتداد لحرب إسرائيل على لبنان في صيف عام 2006، وقد حصلت إسرائيل في الحالتين على الضوء الأخضر الأمريكي لفرض متغيرات وحقائق جديدة على أرض الواقع أمام العالم، كما أنها تمثل محاولة من جانب إسرائيل لاستعادة هيبة الجيش الإسرائيلي بعد الانتكاسة التي تعرض لها إثر حربه على لبنان وتصفية حساباتها المعلقة، واستناداً إلى ذلك شنت إسرائيل حربها الجبانة على قطاع غزة؛ الجبهة الفلسطينية التي جرى إضعافها بعمليات حصار وتجويع مسبق لأكثر من عام ونصف العام، كما أنها الأضعف تسليحياً، والأسهل اختراقاً لطبيعتها الطبوغرافية، ومع ذلك لم تتمكن إسرائيل من تحقيق نصر حاسم في هذه الحرب غير المتكافئة، ولم تستطع أن توقف صواريخ المقاومة، أو تضعف من قوة حماس، مثلما فشلت قبل ذلك في إضعاف قوة حزب الله.

 أما الهدف الرئيسي بعيد المدى وغير المعلن لهذه الحرب فهو السعي إلى تصفية ما تبقى من القضية الفلسطينية لتصبح مجرد قضية إنسانية ومشكلة لاجئين وتعويضات، وهذا الهدف يمكن أن يتحقق للأسف إذا ما استمر الانقسام الحالي بين حركتي فتح وحماس، والذي أعتقد أنه أخطر على القضية الفلسطينية من كل الممارسات الوحشية الإسرائيلية؛ لأنه يسمح لإسرائيل باللعب على وتر هذه الانقسامات من أجل التهرب من مسؤولياتها الدولية ومن استحقاقات السلام. وتصب حالة الانقسام الخطير التي يشهدها العالم العربي في الوقت الراهن في الاتجاه ذاته. 

 ويلاحظ بشكل عام أنه كلما أحرزت جهود التسوية السلمية بعض التقدم، قامت إسرائيل بانتحال الذرائع لقلب الأوضاع بالقوة العسكرية لتعيدها إلى المربع رقم واحد، بحيث يبدأ البحث والتفاوض من جديد حول الأوضاع المستجدة، وما قد يحدث خلالها من طمس متواصل للأبعاد الحقيقية للقضية الفلسطينية، والعمل على إضاعة أي فرصة لقيام دولة فلسطينية مجاورة لإسرائيل.

 ولعلنا نتذكر أنه في ديسمبر/كانون الأول 2001، اعترفت حكومة إسرائيل بصحة التخمينات التي راجت قبل ذلك ببضعة شهور، والتي تفيد بأن هدفها النهائي هو تدمير السلطة الفلسطينية، وليس فقط حماس،؛ فقد اعتبرت إسرائيل أن عملية أوسلو التي أدت إلى قيام حكم ذاتي فلسطيني محدود في جزء من المناطق المحتلة، كانت "خطأ تاريخياً" (راجع كتاب تنيا رينهارت الإسرائيلية المعنون: "أكاذيب عن السلام"). ولعلنا نتذكر أيضاً تصريحات رئيس الوزراء الإسرائيلي الحالي "إيهود أولمرت" منذ قرابة شهرين، والتي عبرت عن يقظة ضمير في لحظة نادرة، وأقر فيها بممارسة إسرائيل أسلوب المراوغة في مفاوضاتها مع الفلسطينيين. وكان "دوف فايسغلاس" المستشار السياسي لرئيس الوزراء الإسرائيلي السابق "إرييل شارون" قد ذكر في أكتوبر/تشرين الأول 2004، أن هدف خطة الانسحاب المنفرد من قطاع غزة التي قام بها شارون هو "منع قيام دولة فلسطينية للأبد، عبر تجميد المفاوضات السياسية لأجل غير منظور"، ثم أضاف: "إن قضية الدولة الفلسطينية شطبت من جدول الأعمال لفترة غير محددة، بل بإمكاننا القول إن خطة فك الارتباط مع غزة هي "فورمالين" لكي لا تكون هناك دولة فلسطينية، وكل هذا تمّ بمباركة رئاسية أمريكية".

إن أسلوب الحرب الشاملة الذي اتبعته، ومازالت تتبعه، إسرائيل في قطاع غزة يهدف إلى زعزعة الوجود الفلسطيني في القطاع ومحاولة دفع شعبه للنزوح إلى الأراضي المصرية، وعدم السماح له بالعودة إليه مرة ثانية، ليعيش فلسطينيو القطاع كلاجئين في سيناء مثلما يعيش قرناؤهم في مخيمات اللاجئين في لبنان. وهذا المخطط ليس جديداً؛ فسوابق إسرائيل عديدة في هذا الشأن، وهو ما يفسر لماذا جرى التركيز إعلامياً على اختزال مأساة قطاع غزة في معبر رفح، في محاولة لإلقاء مسؤولية هذا القطاع وحل مشكلاته على عاتق مصر، وإبراء إسرائيل من مسؤولياتها والتزاماتها الدولية، والسعي إلى تعريب الصراع القائم.

 وتطالب إسرائيل بين الحين والآخر بتوطين اللاجئين الفلسطينيين في الدول العربية المضيفة، لتحويل القضية الفلسطينية على هذا النحو إلى مجرد مشكلة عربية-عربية. وقد وصل الأمر إلى حد مطالبة مجلس المستوطنات اليهودية في ديسمبر/كانون الأول 2003، مدعوماً بنواب اليمين الإسرائيلي، بإطلاق "مشروع سياسي" يرفض قيام دولة فلسطينية إلى الغرب من نهر الأردن، ويرفض عودة اللاجئين الفلسطينيين، وإخلاء أي مستوطنة، وأن يتم الاعتراف بالأردن كدولة للشعب الفلسطيني (أي عودة لفكرة الوطن البديل)، وطالب هذا المجلس مصر بتخصيص الأراضي في سيناء لتوطين اللاجئين الفلسطينيين. وما زالت هذه الفكرة تتردد بقوة في الأوساط السياسية الإسرائيلية، وقد عبر عن إحداها "يهاناتان داحوح هاليفي" (كاتب إسرائيلي) في 1/6/2008 بقوله: "إن الظروف الحالية ربما تؤدي إلى إعادة غزة إلى مصر رغم أنفها"!.

 إن استمرار العدوان الإسرائيلي على قطاع غزة، ورفض إسرائيل لكل مبادرات السلام العربية حتى الآن، وإصرارها على الاحتفاظ بالأراضي المحتلة، ومواصلة تهجير اليهود إليها وبناء المستوطنات فيها، يؤكد عدم توافر إرادة أو رغبة حقيقية في السلام لدى إسرائيل، أو الاقتناع بجدواه، ولاسيما في ظل ما يتردد فيها من وقت إلى آخر عما يسمى بـ"مخاطر السلام"، الأمر الذي يفرض على الدول العربية البحث عن البدائل التي يمكن من خلالها إجبار إسرائيل على القبول بالحقوق المشروعة للدول العربية المحتلة.

Share

الفعاليات المقبلة

إصدارات