العالم نحو ركود مزدوج الانخفاض

  • 16 مارس 2010

بكل المقاييس، فإن الأزمة المالية التي ضربت العالم في أواخر العام 2008 لم تكن نتيجة انكماش دوري، ولكن نتيجة أخطاء هيكلية متأصلة. ومع ذلك، فإن الجهود التي قامت بها الحكومات حول العالم في أعقاب الأزمة، على الرغم من كونها سريعة وغير مسبوقة، ركزت بالأساس على الحؤول دون انهيار اقتصادي أكثر من تركيزها على توفير حلول دائمة للأزمة. وقد نجحت الإجراءات الفورية، مثل زيادة الإنفاق الحكومي و"التسهيل الكمي"، في إسعاف الاقتصاد العالمي على المدى القصير. حتى إننا شاهدنا انتعاشاً بشكل كامل تقريباً للبورصات، والتي كانت قد وصلت إلى أدنى مستوياتها في مارس 2009. بيد أن الأسباب الحقيقية وراء الأزمة المالية العالمية ظلت دون معالجة؛ لأن السياسيين يخشون تطبيق وصفات علاجية في غاية الأهمية، لكنها مؤلمة ولا تحظى بالشعبية.

بادئ ذي بدأ، هناك دين هائل يخيم على الاقتصاد العالمي، وقد زاد بسبب رزم التحفيز الاقتصادي الضخمة التي نفذتها الحكومات في أعقاب الأزمة الاقتصادية. كما أن الأصول المسمومة لا تزال تفسد توازن حسابات المؤسسات المالية الرئيسة؛ بفضل تجارة المشتقات المستمرة في الأدوات المالية الخطيرة، مثل التزامات الدين المغطاة بالأصول (CDO) ومبادلات التعثر الائتماني (CDS) ـ كما أن هذه الأصول تُهدد بانهيار النظام المالي، حتى في ظل كفاح الدول المتقدمة لصياغة إصلاحات تشريعية مالية تمس الحاجة إليها. علاوة على ذلك، هناك اختلالات تجارية ونقدية على مستوى الاقتصاد العالمي، أدت إلى توتير العلاقات الدولية، وزيادة النزاعات التجارية بين الاقتصادات الرئيسة، مثل الصين والولايات المتحدة.

وقد أدت هذه العوامل جميعاً إلى تصاعد المخاوف من حدوث انتكاسة أخرى لتعافي الاقتصاد العالمي، وهي الظاهرة التي يُطلق عليها "ركود مزدوج الانخفاض". وتحدث هذه الظاهرة عندما يتجه نمو الناتج المحلي الإجمالي مرة أخرى إلى الجانب السلبي بعد فترة محدودة من النمو الإيجابي. بعبارة أخرى، تؤشر الظاهرة لحالة اقتصاد خارج لتوه من مرحلة ركود، مختبراً فترة قصيرة من النمو، لكنه يسقط مرة أخرى في الركود. وعليه، فإن الانتعاش الاقتصادي يأخذ شكل الحرف الانجليزي "W"، وليس شكل الحرف "V".
 
إن احتمالات حصول ركود مزدوج الانخفاض حقيقية. فحتى رؤساء الدول والحكومات، مثل الرئيس الأمريكي باراك أوباما، ورئيس الوزراء الصيني ون جياباو، ورئيس الوزراء البريطاني جوردون براون وغيرهم، اعترفوا بأن حالة التعافي الناشئة والهشة التي تشهدها اقتصاداتهم قد تنقلب بسهولة إلى حالة انكماش. ويتفق معهم في هذا الصدد طائفة من أكبر الاقتصاديين والمستثمرين والمسؤولين حول العالم، مثل جوزيف ستيغليتز وبول كروغمان، الحائزين على جائزة نوبل في الاقتصاد، وأدريان بلاندل ويجان، نائب مدير الشؤون المالية والمشروعات بمنظمة التعاون الاقتصادي والتنمية، ونسيم نقولا طالب، الخبير المرموق في مجال الرياضيات المالية والمضارِب في بورصة وول ستريت في نيويورك، وستيفن روش، رئيس شركة مورجان ستانلي-آسيا المحدودة، ونورييل روبيني، أستاذ الاقتصاد بجامعة نيويورك، ومحمد العريان، الرئيس التنفيذي لمؤسسة باسيفيك إنفستمنت مانجمنت كو (بيمكو) من أكبر شركات إدارة الأصول في العالم، وغيرهم الكثير. ومن الصحيح أيضاً أن بعض الاقتصاديين، مثل إد هايمان ولورانس ماير ومايكل موسى، لا يزالون يعتقدون أن الاقتصاد العالمي سوف يسجل تعافياً اقتصادياً سلساً يتخذ شكل الحرف "V"، ولكن مواقفهم تتضاءل قيمتها مع مرور الأيام.

أياً ما كان الأمر، يحاج أنصار الركود مزدوج الانخفاض المتوقع أن التعافي الاقتصادي الذي شهدناه بعد الأزمة المالية تم تمويله بواسطة الإنفاق الحكومي. وحتى بعد الحقن الهائل للاقتصادات برؤوس الأموال، يضيف هؤلاء، فإن التعافي لا يملك بنفسه مقومات البقاء والاستمرار. ففي أواخر ديسمبر 2009، تكهن بول كروغمان بتلاشي آثار التحفيز الاقتصادي، وتنامي خطورة حصول انتكاسة للاقتصاد العالمي. فطبقاً له، "إن جزءاً كبيراً من النمو الحاصل كان مدفوعاً بالتحفيز. غير أن تأثير التحفيز على نمو الناتج المحلي الإجمالي قد وصل بالفعل إلى أقصاه، وسوف يبلغ أقصى تأثير له على مستوى الناتج المحلي الإجمالي بمنتصف العام القادم ]2010[، ومن ثم سوف يبدأ في التلاشي، الأمر الذي يزيد من احتمال الانتكاسة إلى حالة ركود".
 
وفي الواقع، فإن الكمية الهائلة من أموال التحفيز التي سكبتها العديد من الحكومات قد جعلت الموقف أسوأ، بمعنى أنها أطلقت شبح العجز عن سداد الديون السيادية عبر العالم؛ حيث تئن العديد من الدول الغربية تحت عبء من الديون تقترب أو تتجاوز نسبتها 100% من الناتج المحلي الإجمالي. ففي مقابلة حديثة مع سي إن إن، أوضح المحلل السياسي والاقتصادي، فريد زكريا أنه "لا يمكنك إنفاق أموال لا تملكها للأبد آملاً أن يُقرضك الناس. وهذا ما يجري منذ فترة". وقد انتقد زكريا الحكومات، ولاسيما في الدول المتقدمة، التي سارعت إلى إنقاذ المؤسسات المضطربة مالياً؛ ما أدى إلى زيادة هائلة في الدين العام، والذي يهدد بدوره بإفلاس الحكومات. وفي الواقع، فإن مشكلة العجز عن تسديد الديون السيادية لا تقتصر على دول إقليم البحر المتوسط الأوروبية، مثل اليونان وإسبانيا والبرتغال، لكنها تصيب حتى أكثر الاقتصادات تقدماً. وطبقاً لمحمد العريان، "إن أهمية الصدمة للمالية العامة في الاقتصادات المتقدمة لم تُقدر أو تُفهم بعد". وفي الحقيقة، فقد أطلق العريان، في مقاله في الفاينانشل تايمز، على عام 2010 بأنه عام مخاطرة الديون السيادية.
 
إن أزمة القطاع العقاري في الولايات المتحدة وأوروبا، والتي كانت السبب المباشر في الانهيار الاقتصادي العالمي، لم تصل إلى أدنى مستوى لها بعد. فوفقاً لروبرت تشيللر، أستاذ الاقتصاد في جامعة ييل الأمريكية، تبقى الانتكاسة الاقتصادية مزدوجة الانخفاض محتملة بالنظر إلى أن 90% من سوق العقارات الأمريكي لا يزال مدعوماً من قبل الحكومة، وأن الأخيرة "ملتزمة بسحب الدعم". وثمة قضية أكبر بدأت تتكشف في سوق العقارات التجاري، وصفها بن برنانكي، رئيس مجلس الاحتياطي الفيدرالي الأمريكي، بأنها "مشكلة خطيرة". وإذا استعرنا عبارة إليزابيث وارن، رئيسة لجنة الرقابة التابعة لمجلس الشيوخ الأمريكي، فإن "نحو 3000 بنك في الولايات المتحدة من إجمالي 8000 على وشك أن يتلقوا ضربة قوية أو خسائر كبيرة في سوق العقارات التجاري.. وبنهاية هذا العام، فإن نصف قروض قطاع العقارات التجاري سوف تكون سيئة الأداء، وأكثر من ذلك سوف يحدث في الأعوام التالية 2011 و2012 و2013".

ويحاج البعض أن الانتعاش الاقتصادي العالمي غير مستديم، بالنظر إلى مستوى البطالة المرتفع الذي سببه حول العالم، ولاسيما بين فئة الشباب الذين يتطلعون إلى الانضمام إلى قوة العمل. فلا يزال التوظيف يتراجع بحدة في الولايات المتحدة وغيرها. وطبقاً لجوزيف ستيغلتز، الذي كان يتحدث إلى قناة بلومبرج الإخبارية الاقتصادية، فإن "أكثر من شخص واحد من إجمالي ستة أمريكيين يرغبون في الحصول على وظيفة بدوام كامل لا يمكنه الحصول عليها. كما أن أكثر من 40 بالمائة ممن ليس لديهم وظيفة حالياً هم من العاطلين لمدة طويلة، لأكثر من ستة أشهر". ويتفق معه محمد العريان، الذي أوضح، في مقابلة مع وكالة رويترز، في سبتمبر 2009، أن خطر حدوث ركود اقتصادي مزدوج في عام 2010 يزداد بالنظر إلى استمرار ضعف سوق التوظيف. بعبارة محددة، إن البطالة ذات الحجم الكبير والمزمنة ذات أثر موهن وممتد على الاقتصاد؛ حيث تفضي إلى ضعف طلب المستهلك، وتقليل حجم الإنتاج الصناعي، وتخفيض الأجور.
 
ومع ذلك، فإن المشكلة الكبرى التي تواجه الانتعاش الاقتصادي العالمي تمثلت في فشل الحكومات في السيطرة على المضاربة المالية، وتقديم إصلاحات تشريعية مالية وإجرائية فعّالة. فبينما ضخت الحكومات تريليونات الدولارات لإنقاذ المؤسسات المالية، فإن البنوك في هذه الدول أصبحت تخشى إقراض الأموال إلى الأعمال الصغيرة. وفي الحقيقة، سجلت البنوك الأمريكية العام الفائت أدنى مستوى من الإقراض منذ عام 1942. وثمة غضب عام حول مكافآت المليون دولار مكافآت، والتي قدمتها البنوك الكبيرة لمسؤوليها التنفيذيين على حساب أموال الإنقاذ التي تأتي من دافعي الضرائب.

ولكن التهديد الرئيس ينبع من سوق المشتقات المالية المريبة، والتي لا تخضع في معظمها لقواعد تنظيمية، وتخلق مشكلة من الدين الهائل المخبئ في موازنات البنوك. ويؤكد ذلك أن انهيار عدد من المصارف والمؤسسات المالية، مثل ليمان برذرز والمجموعة الدولية الأمريكية ومجموعة سيتي جروب، والتي قادت إلى الأزمة المالية العالمية الراهنة، إنما كان نتيجة "الأصول المسمومة" الكثيرة التي أسفرت عنها تجارة المشتقات. وفي الآونة الأخيرة، أطلقت وزارة العدل الأمريكية تحقيقاً حول ما إذا كانت صناديق الاستثمار عالية المخاطر، مثل " ساك كابيتال للاستشارات" و"جرين لايت كابيتال المحدودة" و"إدارة صندوق سوروس" تواطؤا معاً للمراهنة على انخفاض قيمة اليورو. ومن الجدير بالملاحظة أيضاً أن المستشارة الألمانية، أنجيلا ميركيل، حملت على صناديق الاستثمار عالية المخاطر الكبيرة عندما هددت باتخاذ إجراءات ضد تجارة المشتقات، وانتقدت بصفة خاصة "مبادلات التعثر الائتماني (CDS)، حيث تؤمِن على منزل جارك فقط لتدمره، وتجني أرباحاً من ورائه. وهذا  ما يجب علينا أن نلجمه." ومع ذلك، فإن لوبي المضاربين يقاتل بضراوة في الولايات المتحدة وأوروبا لمنع إصدار إصلاحات تشريعية مالية.

إن التحديات الضخمة التي تواجه النظام المالي والاقتصادي العالمي تدعو إلى اتخاذ إجراءات استباقية للحؤول دون حدوث انتكاسة للاقتصاد العالمي. فقد حان الوقت لأن تتخذ الحكومات قرارات صعبة وفعّالة، من خلال تخفيض إنفاقها المفرط، والسيطرة على المضاربة المالية غير المأمونة، وتشديد السياسات المالية للحيلولة دون وقوع أزمة اقتصادية أخرى في المديين القصير والمتوسط. ويجب أن يخفف التفاؤل بالواقعية؛ لأن المخاطر التي تواجه النظام المالي والاقتصادي الضعيف قد تطلق ظاهرة "بجعة سوداء" عسيرة المعالجة.

Share