العالم العربي.. تحديات غير مسبوقة تتطلب تضامناً حقيقياً وتنويعاً للتحالفات

  • 18 سبتمبر 2019

يواجه العالم العربي تحديات خطيرة، تتطلب ليس مجرد تعاون أو تنسيق، بل تضامن حقيقي أقوى من أي وقت مضى، وكذلك إعادة النظر في طبيعة تحالفاته التي لا زال يعتمد عليها في مواجهته لهذه التحديات. كيف؟
يجمع العالم العربي بكل مستوياته الرسمية والشعبية على أنه يواجه بالفعل تحديات ومخاطر غير مسبوقة، سياسية واقتصادية، وأمنية وعسكرية؛ فهناك الوضع الاقتصادي المتردي في العديد من دوله، والتطرف الذي ينهش بعض كياناته، والتدخلات الخارجية التي تستهدف استقراره وتسعى لتقويض أمنه.
لا شك أن هذه التحديات ليست جديدة؛ ولكنها أصبحت معقدة ومتداخلة بشكل يصعب الفصل بينها؛ كما أن تداعياتها وتأثيراتها شاملة وعامة، فما يحدث لإحدى الدول يؤثر في الدول الأخرى بشكل واضح؛ وهذا يجعلها تحديات مشتركة بالفعل؛ ومن ثم فإن عدم التعامل معها باستراتيجيات جديدة سيفاقمها؛ وهذا يتضمن ما يلي:
أولاً، إعادة النظر في طبيعة العلاقات العربية-العربية: فلا يخفى على أحد أن العلاقات بين الدول العربية في مجملها- إذا ما استثنينا بعض العلاقات الثنائية- غير مستقرة، بل وغير طبيعية؛ وهناك شروخ تضر بالجميع من دون استثناء؛ كما أنها تسمح بالتدخلات الخارجية، بل تترك مصير دول عربية بأيدي دول غير عربية؛ ولعل الحالة السورية أكبر دليل على ذلك؛ فكيف للمرء أن يتصور أن تتم مناقشة مستقبل هذا البلد العربي العريق الذي ثار شعبه ضد الظلم والاستبداد، من قبل دول أخرى بعضها يناصب العرب العداء بشكل صريح، بل ويواصل عدوانه عليهم ليل نهار.
ثانياً، إعادة النظر في طبيعة التحالفات الإقليمية: لا شك أن هناك خلافات بين الدول العربية وبعض القوى في المنطقة؛ ولا شك أيضاً في أن العلاقات العربية الإقليمية تتسم بالتناقض في مجملها؛ فبعض الدول العربية تقيم علاقات طبيعية مع دول معتدية؛ وهذا أمر خطير ومرده بالطبع إلى الخلافات العربية وضعف التضامن الذي أصبح يقتصر على بيانات الإدانات والرفض والاستنكار؛ بينما يتطلب الأمر مواقف صريحة وواضحة، وفي الوقت نفسه نصرة حقيقية. فإذا كنا نؤمن بالمصير المشترك وبالأمن القومي العربي فهذا يعني تضامناً حقيقياً، وفرزاً واقعياً، مع مراعاة المصالح الثنائية لكل دولة؛ ولكن لا يجوز أن يبقى هذا المبدأ هو المحرك للسلوك أو التحالفات الإقليمية.
ثالثاً، إعادة النظر في التحالفات الدولية وضرورة تنويعها: فمن المعروف أن الدول العربية لطالما اعتمدت على تحالفاتها الدولية من أجل مواجهة الأخطار والتحديات المختلفة؛ وهذا أمر فرضته معطيات الواقع بالإضافة إلى طبيعة المصالح المشتركة بين العالم العربي وخاصة دول الخليج العربية، والقوى الكبرى خاصة الولايات المتحدة الأمريكية. ولكن من الواضح أن الأمور بدأت تتغير، كما أن طبيعة المصالح اختلفت؛ فلم تعد مصالح الولايات المتحدة كما كانت في السابق، حيث صرح الرئيس الأمريكي دونالد ترامب نفسه، بأن بلاده لم تعد تعتمد أو تحتاج إلى النفط؛ أي لم تعد هذه المصلحة كما كانت في السابق محدداً حاسماً في سياسات الولايات المتحدة في المنطقة، حيث كانت على استعداد تام لاستخدام القوة بكل أنواعها لحماية مصادر الطاقة الأكثر حيوية في العالم؛ وهذا يسوغ الموقف الأمريكي المتردد في التعامل مع التهديدات التي يتعرض لها حلفاؤها في المنطقة؛ وهذا بالطبع ليس مرتبط بترامب، كما يعتقد الكثيرون؛ فقد بدأ قبله، وتعزز نسبياً في عهد باراك أوباما؛ وما ترامب إلا تعبير صريح عن تحول كبير في الموقف الأمريكي من المنطقة؛ وهذا التحول الذي اتضح من خلال مظاهر متعددة، يتطلب بالضرورة من العرب أن يعيدوا تقييم هذه التحالفات التاريخية، والبدء بتنويعها وفقاً للمصالح الجديدة التي تفرضها التغييرات في البيئة الدولية الحالية؛ فهناك تنافس محموم؛ وخاصة في المجال الاقتصادي بين القوى الكبرى، ويمكن للدول العربية، وخاصة الخليجية وبحكم ما تملكه من إمكانيات وقدرات استثمارية ضخمة جداً، أن تستغل ذلك باتجاه تنويع تحالفاتها بما في ذلك إمكانية بناء تحالفات جديدة أكثر مصداقية ويمكن الاعتماد عليها فعلاً.

Share