الطفرة النفطية وعلاقتها بالهوية الوطنية

د. محمد إبراهيم الرميثي: الطفرة النفطية وعلاقتها بالهوية الوطنية

  • 18 مايو 2008

يربط الاقتصاديون بين الطفرة النفطية، أي الارتفاع الكبير لأسعار النفط الخام وآثاره الاقتصادية من جهة، ومعدلات النمو الاقتصادي في الدول المصدرة للنفط الخام من جهة أخرى. ويفرق هؤلاء بين مفهومي النمو الاقتصادي والتنمية الاقتصادية؛ فتعريف النمو الاقتصادي يقتصر فقط على معدلات نمو الدخل القومي ومتوسط دخل الفرد للدولة المعنية. أما مفهوم التنمية الاقتصادية فهو يعني التنمية الشاملة والمتوازنة نسبياً والمستقرة أيضاً بشكل نسبي لكافة قطاعات المجتمع وأفراده وأقاليمه الجغرافية، في جميع جوانبها الاقتصادية والاجتماعية والأمنية والاستراتيجية والسياسية والتربوية والتعليمية والثقافية والفكرية والصحية، والشاملة لكل ذرة من ذراته المادية والمعنوية والروحية. وبالتالي فالاقتصاديون عادة ما ينظرون إلى التنمية الاقتصادية في الدول النفطية على أنها نمو اقتصادي أكثر منه تنمية، وذلك نظراً لعدم تغطيتها للمفهوم العام والشامل والمتوازن والمستقر للتنمية الاقتصادية وخصائصها. فهل يمكن للدول النفطية أن تحول النمو إلى تنمية؟ وكيف يمكن أن يكون ذلك، دون أن يصاحبه خلل في الهوية الوطنية والنسيج الاجتماعي والثقافي والفكري والعقائدي والروحي للشعب؟

الحقيقة أنه عندما يحدث خلل في إحدى خصائص عملية التنمية الاقتصادية أو بعضها، أو في عدالة توزيع الدخل القومي، يختل توازن واستقرار عملية التنمية برمتها، وقد يحدث اضطراب في المجتمع بأسره، وهو ما يؤثر بشكل واضح وجليّ على الهوية الوطنية للمجتمع، ويهدد نسيجه واستقراره، ويهدد كذلك قيمه وثوابته وأصوله وترابطه الذي تم بناؤه عبر مئات السنين، وهو الأمر الذي تشهده حالياً دول الخليج العربية عامةً بصورة متباينة، وتشهده الإمارات بصورة أكثر وضوحاً، وربما يرتبط ذلك بطبيعة التركيبة السياسية لدولة الإمارات، ووجود السلطات المحلية جنباً إلى جنب مع السلطة الاتحادية.

مجتمع الإمارات هو مجتمع عربي الهوية والانتماء، والدين الإسلامي هو دين الدولة وجميع مواطنيها، كما أن هذا المجتمع جزء من المجتمع الدولي ككل. وبالتالي فإن العروبة والدين الإسلامي هما المرتكزان الأساسيان لأصول المجتمع وأركانه، وهما المكونان الرئيسان لنسيجه وهويته الوطنية، في حين يمثل البعد الدولي لمجتمع الإمارات الإطار العام الذي تهتم الدولة بقضاياه الإنسانية والاقتصادية والسياسية والأمنية والاستراتيجية بصورة عامة، كما تهتم كذلك بقضاياه الاجتماعية والثقافية والعلمية والتربوية بما لا يتعارض مع أصولها ومبادئها وثوابتها؛ فهناك أصول وثوابت وقيم وموروثات ثقافية واجتماعية وتربوية كانت موجودة عند العرب منذ القدم، وعندما أتى الإسلام ثبتها وأكد أهمية التمسك بها، بل إنه غيّر بعضها بما يتفق وأحكام الشريعة الإسلامية، ومن أهم القيم والثوابت: الأخلاق الحميدة؛ صلة الرحم؛ التسامح والحلم؛ أداء الأمانة؛ إتقان العمل؛ الوفاء بالعهود؛ إعطاء قيمة كبرى للأرض والعرض؛ تعليب القيم والفضائل كمعايير أخلاقية مهمة على المعايير المادية في كثير من الأمور؛ والاهتمام باللغة العربية باعتبارها الجهاز العصبي للمجتمعات العربية قبل الإسلام وبعده، وغير ذلك من القيم والأخلاق الفاضلة التي يدعو لها الإسلام. ولا شك أن مجتمع الإمارات كان يتمتع بتلك القيم والأصول الفاضلة قبل ظهور النفط، بيد أن عصر الطفرة النفطية قد ترك تأثيراً سلبياً كبيراً على تلك القيم والأصول والثوابت، وذلك من خلال تأثيره في تكوين شخصية الإنسان ذاته وسلوكياته.

لقد أسهمت الطفرة النفطية في تغيير شخصية الفرد في مجتمع الإمارات، وأدى ذلك بالطبع إلى تغير القطاع العائلي والقطاع الحكومي وقطاع الأعمال، فتحول المجتمع إلى مجتمع استهلاكي يستهلك أكثر بكثير مما ينتج، مما أدى بدوره إلى رواج تجارة السلع الاستهلاكية المستوردة من كل بقاع الأرض دون ضوابط ومواصفات قياسية دقيقة. وأصبحت السلع تدخل إلى مجتمعنا من كافة الموانئ المنتشرة في كل الإمارات والخاضعة للسلطات المحلية أكثر من خضوعها للسلطة الاتحادية، وأصبح المواطن لا ينتج سوى في القطاعات الخدمية والعقارية والأسهم، فيما تُركت القطاعات الإنتاجية الحيوية للوافدين، والتي إذا دخلها المواطن فإنه يدخلها على استحياء، ويتولى فيها الوظائف الإدارية التي غالباً ما تكون هامشية وغير حيوية. فإذا افتتحنا مصنعاً أو بنكاً أو شركة تأمين أو غيرها من المشاريع الإنتاجية الحيوية، وقررنا تحت ضغوط ومصالح معينة تعيين مدير مواطن لذلك المشروع، فسيتم تعيينه مديراً إدارياً هامشياً، ويكون إلى جانبه مدير وافد فنيّ، هو المدير الفعلي للمشروع. وهذه هي السمة العامة الغالبة، وإن وجدت حالات استثنائية نادرة جداً يكون فيها المدير المواطن مديراً فعلياً ليس تحته غطاء من الوافدين. وهذه السياسة الاقتصادية والإدارية تعمل بلا شك على تثبيت الشعور بانعدام الثقة بالنفس، وتضعف الانتماء الوطني. 

إن سيادة فكر وثقافة الاستهلاك المفرط والإسراف والتبذير، وانعدام ثقافة الادخار والاستثمار، لدى المواطنين وانتشارها بشكل واسع أصبح يمثل ظاهرة اقتصادية خطيرة ومشكلة مؤرقة يتحمل مسؤوليتها الفرد والمجتمع بأسره علاوة على الحكومة؛ فالفرد في مجتمع كهذا، يفكر في كيفية تكوين ذاته مالياً وليس قيمياً ولا علمياً ولا ثقافياً، وذلك لأنه يشعر بأن حاجته إلى المال أكثر من حاجته إلى القيم والعلم والثقافة، ويجد أمامه نماذج وأمثلة ناجحة لمن اهتم بجمع المال وأهمل تلك القيم، وهنا يكمن منبع الخطورة؛ لأن ذلك من شأنه تهميش المبادئ الأخلاقية وقيمة العلم والثقافة في المجتمع، كما قد يؤدي إلى إهمال اللغة العربية، وذلك بحجة عالمية اللغة الإنجليزية من جهة، وتقلص الحاجة إلى استخدام اللغة العربية من جهة أخرى، فينظر المجتمع إلى اللغة العربية كوسيلة للتفاهم فقط، ولا ينظر إليها بوصفها الحافظ للدين وللقيم وللآداب والأخلاق والأصول والمبادئ والثوابت، ولا بوصفها الجهاز العصبي المحرك لتلك الأصول والقيم والمحفز لها؛ لأن المجتمع لا يعير تلك القيم والأصول أهمية تذكر، إذ أصبحت المصالح المالية هي المحرك الرئيس للأفراد. وهنا يكمن مصدر الخطر على الهوية الوطنية. 

وتكمن مسؤولية الدولة في حل هذه المشكلة في عدة نقاط أهمها: دراسة وتتبع نقاط الضعف التي أدت بالمجتمع إلى تغليب المعايير المالية على المعايير القيمية، والتركيز في المناهج الدراسية والعلمية والتربوية والثقافية في كافة المؤسسات العلمية والتربوية والثقافية والإعلامية على أهمية اللغة العربية والدين الإسلامي في حياتنا، وأهميتهما في ترشيد سلوكنا وتقويمه وضبطه بالقيم والضوابط والأصول الموروثة. وإخضاع كافة القيم المستوردة من الخارج إلى المعايير والقيم الشرعية والعربية والعادات والتقاليد والموروثات الاجتماعية. وإعادة النظر في عدالة توزيع الدخل القومي وأنظمة التوزيع وبشكل خاص الأراضي والمنازل والعقارات، فلا يعقل أن نجد في مجتمع الإمارات من المواطنين من تسقط أسقف المنازل على رؤوسهم، أو من يدفع أكثر من نصف راتبه على منزل مستأجر يسكنه، أو أن نجد الوافدين يملكون عقارات والمواطن لا يملك منزلاً، أو نجد من المواطنين من يدفع جزءاً من راتبه كأقساط وفوائد لقروض مصرفية دائمة، ومع ذلك تطالبه الدولة بالالتزام بالولاء والطاعة والمحافظة على الهوية الوطنية. فكيف للبشر التي تعيش في مثل هذه الظروف أن تفكر في القيم والفضائل والمحافظة على الهوية الوطنية؟

Share

الفعاليات المقبلة

إصدارات