الطريقة الصحيحة لفهم اقتصاديات الوباء: إنقاذ الأرواح فقط سيوفر سبل العيش

  • 17 مايو 2020

كتب راجيف تشيروكوبالي وتوم فريدن، في مجلة «فورين أفيرز» مقالاً أشارا فيه إلى أن انتشار فيروس كورونا على نطاق عالمي واسع أدى إلى إرباك أنظمة الرعاية الصحية ووفاة مئات الآلاف من الناس، لكن الإرهاق المترتب على أوامر البقاء في المنزل وعواقب التجميد المفاجئ للنشاط الاقتصادي أدى إلى تقليل التركيز على التكلفة البشرية للمرض.

الأسوأ من ذلك، يقول الكاتب: عزز نفاد الصبر اعتقاداً خاطئاً واسع الانتشار وهو أن التضحية بعدد من الأرواح يستحق العناء إذا تمت استعادة النشاط الاقتصادي بسرعة. ولكن الكثيرين لا يعلمون أن اقتصاديات الوباء لا تعمل بهذه الطريقة، فالإجراء الوحيد الذي يضع على رأس أولوياته صحة الناس، هو الذي سيتيح الانتعاش الاقتصادي.

ففي الولايات المتحدة، انخفض إنفاق المستهلكين، الذي يُعتبر أكبر محرك للنمو الاقتصادي، حتى قبل أن تفرض معظم الولايات عمليات الإغلاق. ولم يمنع نهج السويد، الذي اعتمد على الإغلاق المخفف، الاقتصاد من التقلص وخاصة في ظل ارتباطه بارتفاع معدلات الوفيات. كما سيعتمد انتعاش الصين على انتعاش الطلب المحلي والعالمي. فالدول التي أُعيد فتح اقتصادها قبل الأوان تُخاطر بحدوث حالات تفشٍ جديدة ومعدلات وفاة أعلى واضطراب اقتصادي طويل الأمد. وذلك لأن إنقاذ الأرواح أمر مفيد لاستعادة النشاط الاقتصادي، وليس العكس.

وسيتطلب إنقاذ الأرواح استثمارات حكومية ضخمة في تحسين الصحة العامة وأنظمة الرعاية الصحية لتلبية الاحتياجات الفورية والمستقبلية. ويجب أن يكون الهدف هو السيطرة على انتشار الفيروس وحماية العاملين في القطاع الصحي، وزيادة قدرات المرافق الصحية بشكل تصاعدي مع المحافظة على استمرار تقديم الرعاية الصحية.

وفي الواقع، لا يوجد شيء سيسمح للناس بالعودة إلى الحالة الطبيعية لما قبل تفشي كورونا باستثناء اكتشاف لقاح مضاد للفيروس. ولهذا، يجب على الحكومات والشركات الخاصة الاستثمار في اختبار اللقاح وتوزيعه في أقرب وقت ممكن، مع إدراك أنه حتى بمجرد تطوير اللقاح، فإن إيصاله إلى كل من يحتاج إليه سيكون مهمة ضخمة. وإلى جانب إنفاق المليارات من الدولارات من أجل مكافحة الفيروس خلال الأشهر القادمة، سيكون من الضروري القيام باستثمارات إضافية كبيرة للحد من مخاطر الأوبئة في المستقبل.

إن الجهـود المبذولة لإبطاء ووقف انتشار الفيروس مكلفة بالتأكيد، ولها آثار سلبية في الاقتصاد لأنها تؤثر بشكل مباشر على قدرة الناس على العمل، وكيفية القيام به. ولهذا، تحتاج الحكومات إلى الاستثمار في السياسات التي تقلل من انتقال العدوى. كما تحتاج الحكومات أيضاً إلى الاستثمار في السياسات التي تساعد على تخفيف الصدمة الاقتصادية، مثل توسيع التأمين ضد البطالة، وزيادة الأجور ودعم البرامج التي تتيح للشركات الاحتفاظ بالعمال. وهذه الحماية الاجتماعية ضرورية ليس من أجل الإغاثة الاقتصادية في مواجهة صدمة على مستوى النظام فقط، ولكنها ضرورية لاحتواء الوباء أيضاً.

إن إيجاد طرق عملية وقابلة للتوسع لحماية الناس وإقناعهم بتغيير السلوك الشخصي لصالح المجتمع هو أمر بالغ الأهمية. ففي هذا الوباء، وعلى الرغم من بعض الأخطاء الأولية، نجحت الحكومات بشكل عام في إقناع الناس بالبقاء في المنزل أو ارتداء الأقنعة في الأماكن العامة. وعندما يتركز اهتمام الجمهور وطاقاتهم على عدو واضح، يكون من السهل نسبياً إقناع الحكومات بالاستثمار في تدابير الصحة العامة، لأنها تقلل بوضوح عدد الوفيات وتسرع التعافي. وسيكون التحدي الأكبر في المستقبل هو إقناع الحكومات بتمويل البرامج التي تجعل الوباء التالي أقل احتمالاً. وفي حال لم تقم الحكومات بزيادة استثماراتها بشكل كبير في الأمن الصحي العالمي، فإنها ستعرض للخطر كلاً من الأرواح وسبل العيش في المستقبل.

تواجه الحكومات الآن كلاً من التكاليف البشرية والاقتصادية على عكس المواجهات السابقة، وسيتم الحكم على تلك الحكومات بناءً على عدد الوفيات القادرة على تجنبها وكيفية استعادة اقتصاداتها بالكامل. ولهذا، فإن التسرع في إعادة الفتح في وقت قريب جداً، بصرف النظر عن السلامة في مكان العمل، سيزيد الضرر من حيث الأرواح وسبل العيش. ويجب أن يدرك القادة أن ما هو جيد للصحة العامة هو جيد أيضاً للاقتصاد والأعمال التجارية.

شارك

الفعاليات المقبلة

إصدارات