الطاقة النووية بين الحقيقة والدعاية

  • 5 مايو 2011

تتردد بين الحين والآخر دعوات نحو عودة العالم، والدول المتقدمة على وجه التحديد، إلى التوسع في الاعتماد على الطاقة النووية كمصدر أساسي من مصادر توليد الطاقة، يمكن له أن يتيح منفذا يبدد أزمة أسعار النفط المرتفعة والمخاوف بشأن وفرة مصادر الطاقة في المستقبل، بل ويمكن أن يحل محل النفط في صدارة خليط الطاقة العالمي. وتصل بعض هذه الدعوات أحيانا إلى ما يشبه "الدعاية والترويج" للطاقة النووية باعتبارها مصدرا "أنظف وأرخص" بل وحتى "أكثر أمنا" بالمقارنة مع مصادر الطاقة الأخرى، خصوصا منها النفط والغاز الطبيعي. وقد ذهب البعض في تفاؤله المفرط بمستقبل الطاقة النووية إلى حد التنبؤ بنهاية عصر الوقود الأحفوري فيما لو "أدرك" العالم ما ينطوي عليه هذا المصدر من فوائد وميزات أمام مصادر الطاقة الأخرى.

ولسنا هنا في معرض الرد على هذه الدعوات من حيث تبيان مدى صحتها أو خطئها، بل نقول إن الطاقة النووية قد مثلت منذ منتصف القرن الماضي أحد مصادر الطاقة التي اتجهت العديد من الدول المتقدمة إلى زيادة استخدامها والاعتماد عليها في توليد الكهرباء قبل أن ينحسر هذا الاتجاه وبشكل ملحوظ منذ بداية الثمانينيات حتى وقتنا الحاضر لأسباب عديدة، ضمنها الكوارث الرهيبة التي نجمت عما سمي بالحوادث النووية واتساع المعارضة الشعبية لهذا المصدر. بيد أن الغرابة في هذه الدعوات لا تقتصر على عنصر المبالغة الواضحة في قدرات الطاقة النووية وإمكاناتها على الحلول محل مصادر الطاقة الرئيسية الأخرى، بل في تأكيدها غير المسؤول أحيانا على ما تضمنه من "أمان وسلامة" في الاستخدام، وفي وقت تظهر لنا الذكرى العشرون لحادثة "تشرنوبيل" النووية في أوكرانيا المزيد من أبعاد الكارثة الإنسانية والطبيعية رغم مرور عقدين على وقوعها!

وبطبيعة الحال لا يمكن لأحد أن يقلل من أهمية الطاقة النووية كمصدر لتوليد الطاقة الكهربائية مثلما لا يمكن إلا أن نتوقع بأن زيادة الطلب العالمي على الطاقة بشكل عام يمكن أن تنعكس بشكل أو بآخر على زيادة استخدام الطاقة النووية شرط مراعاة أكثر تشددا لمعايير الأمن والسلامة في إدارة هذا المصدر الخطر. غير أن مساهمة هذا المصدر ستبقى محصورة في مجالات محددة ومقيدة بعوامل عديدة ليس أقلها التكاليف الباهظة لمنشآت الطاقة النووية وما تنطوي عليه من أخطار وكوارث. كما أن أوضاع أسواق الطاقة العالمية ورغم ما تشهده الآن من ضغوط ناجمة عن زيادة الطلب العالمي بشكل غير مسبوق لا تبرر في أي حال من الأحوال التكهنات غير الواقعية باحتمالات حدوث تغيير جذري في خليط الطاقة العالمي باتجاه خفض الاعتماد على النفط أو التخلي عنه، وذلك بالاستناد إلى حجج متباينة من ضمنها تلك الحجة المكررة التي تتحدث عن قرب نفاد مصدر النفط أو عن وصول الإنتاج العالمي إلى ذروته.

Share