الطائفية ومبدأ المواطنة في الخليج

فتوح هيكل: الطائفية ومبدأ المواطنة في الخليج

  • 2 مارس 2008

يعكس التحذير الذي أطلقه الأمين العام لمجلس التعاون لدول الخليج العربية عبدالرحمن بن حمد العطية خلال مشاركته في أعمال ندوة "ثقافة المواطنة" التي عقدت في العاصمة البحرينية المنامة يوم 24 فبراير/شباط 2008، والذي حذر فيه من خطورة وصول بعض الترسبات والمؤثرات الطائفية في العراق إلى دول مجلس التعاون الخليجي، والتي من شأنها أن تؤدي، بحسب تعبيره، إلى "ضياع الهوية في الخليج"، إدراكاً خليجياً مهماً لخطورة التطورات الإقليمية التي تشهدها المنطقة بكل ما تحمله من تأثيرات سلبية محتملة على الوضع الطائفي في هذه الدول، كما يفتح هذا التحذير ملفاً في غاية الحساسية والخطورة، وهو ملف الطائفية ومدى تأثيره على فكرة المواطنة في دول الخليج العربي.

 ويتعين الإشارة بداية إلى أن الوضع الطائفي في منطقة الخليج يتسم بالتنوع؛ حيث استقر في هذه المنطقة العديد من المذاهب والتيارات الدينية الإسلامية منذ مئات السنيين، وبصفة خاصة المذهب السني، وهو السائد في جميع دول مجلس التعاون الخليجي، باستثناء البحرين وسلطنة عمان، والمذهب الشيعي، الذي تتباين نسبة معتنقيه من دولة لأخرى؛ حيث يقدر تقرير "الحرية الدينية في العالم"، الصادر عن وزارة الخارجية الأمريكية عام 2006، نسبتهم بنحو 70% من عدد السكان في البحرين، ونحو 30% من عدد سكان الكويت، وما يترواح بين 15 و20% في السعودية، ونحو 15% في الإمارات، و10 % في قطر.

 ورغم أن سمة التعايش والتسامح كانت ومازالت هي المميزة لطبيعة العلاقة بين هاتين الطائفتين، فإن ذلك لم يمنع بروز بعض التوترات والخلافات البسيطة، والتي جاءت بدورها كنتيجة لمجموعة من العوامل المهمة، من بينها: المواقف المتشددة التي تتبناها بعض التيارات داخل الطائفتين، والتي وصلت في بعض الأحيان إلى تكفير كل منهما للآخر، فعلى سبيل المثال أطلق بعض رجال الدين المتشددين في السعودية فتاوى دينية تمنع مناصرة حزب الله اللبناني في حربه الأخيرة ضد إسرائيل لأنه حزب "شيعي رافضي"، في الوقت الذي تكفر فيه بعض التيارات المتطرفة داخل الطائفة الشيعية المسلمين السنة. كما يشكو بعض الشيعة في المنطقة من تعرضهم لما يصفونه بالتمييز ضدهم، سواء في تقلد المناصب الحكومية أو في إقامة شعائرهم الدينية، أو حتى في أوضاعهم الاقتصادية والاجتماعية، وهو أمر يخضع للمناقشة بطبيعة الحال، ولا يمكن القبول به على إطلاقه، ويكفي القول إن السنوات القليلة الماضية شهدت انفتاحاً حكومياً مهماً في دول الخليج، تجاه السماح لأبناء الطائفة الشيعية بممارسة الأنشطة السياسية وتقلد المناصب الحكومية، ففي البحرين هناك العديد من الجمعيات السياسية الشيعية، كما يشغل الشيعة نسبة كبيرة من مقاعد مجلسي البرلمان، فضلاً عن وجود عدد من الوزراء الممثلين لهم في الحكومة، والأمر نفسه في الكويت. أما في باقي دول المجلس، الإمارات وقطر وعُمان، فلا تبرز هذه المشكلة الطائفية أساساً؛ لأن الشيعة أقلية صغيرة، وهم منخرطون بشكل كبير في النسيج الوطني لهذه الدول.

 ولا يمكن هنا إغفال أهمية العامل الخارجي بمؤثراته السلبية الواضحة على الوضع الطائفي في دول الخليج العربي؛ فقد سعت إيران بشكل مستمر إلى توسيع نطاق نفوذها الإقليمي من خلال محاولة نسج علاقات قوية مع الأقليات الشيعية في المنطقة واستخدامها كورقة ضغط ضد الدول التي يعيشون فيها، وقد أثار هذا الأمر مخاوف دول الخليج التي بات بعضها ينظر إلى هذه الأقليات بنوع من الشك والارتياب، لاسيما مع تواتر الأحاديث التي تشير إلى وجود خلايا نائمة محتملة لإيران في دول الخليج يمكن أن تستخدمها عند الحاجة. كما انعكست التطورات التي شهدها العراق منذ احتلاله وسيطرة الشيعة على نظام الحكم فيه، على أوضاع الأقليات الشيعية المنتشرة في المنطقة من زاويتين؛ الأولى: أن هذه التطورات رفعت من سقف طموحات الأقليات الشيعية المطالبة بالإصلاح؛ ففي السعودية صاغ أكثر من 450 مثقفاً شيعياً وثيقة تطالب بالسماح لهم بممارسة شعائرهم دون قيود وتطبيق مبدأ تكافؤ الفرص في الوظائف الإدارية والسياسية العليا، وفي الكويت برزت بعض المطالب التي تدعو إلى زيادة التمثيل الشيعي في البرلمان والحكومة، وفي البحرين طالبت بعض الأصوات بأن يكون رئيس الحكومة من الأكثرية النيابية وليس حكراً على الأسرة الحاكمة. أما الزاوية الثانية فتمثلت في انتقال تبعات بعض الأزمات الطائفية التي حدثت في العراق إلى داخل حدود دول الخليج العربي بحكم عوامل القرب الجغرافي والتواصل الطائفي، وهو الأمر الذي حذر منه أمين عام مجلس التعاون الخليجي.

 ولا يقتصر الأمر على ما يحدث في العراق، فحتى ما يحدث في لبنان بدأ ينعكس على الوضع الطائفي في دول الخليج العربي، ما يؤكد خطورة العامل الخارجي في هذه المسألة، ويمكن أن نشير هنا إلى الأزمة الطائفية التي شهدتها دولة الكويت قبل أيام نتيجة قيام عدد من رموز الطائفة الشيعية في الكويت بإقامة مجلس عزاء للقائد العسكري في حزب الله اللبناني عماد مغنية الذي تم اغتياله في العاصمة السورية دمشق مؤخراً، وهو تصرف استفز مشاعر الأكثرية الكويتية، بل والحكومة نفسها التي وصفت مغنية بـ "الإرهابي الذي نال جزاءه"، وذلك على خلفية اتهامه بالمسؤولية عن ارتكاب جريمة خطف الطائرة الكويتية "الجابرية" عام 1988، والتي أودت بحياة مواطنين كويتيين، وكذلك التورط في محاولة تفجير موكب الأمير الراحل الشيخ جابر الأحمد الصباح. وقد وضع هذا السلوك الطائفة الشيعية في الكويت موضع الاتهام بعدم الولاء والانتماء لهذا البلد، ووصل الأمر إلى حد وصفها بـ "الفئة المارقة"، فيما اضطرت "كتلة العمل الشعبي"، وهي أهم الكتل المعارضة في مجلس الأمة (البرلمان)، إلى اتخاذ قرار باستبعاد النائبين عدنان عبدالصمد وأحمد لاري من عضويتها، بعدما تصدرا مجلس التأبين، كما اتخذ النواب السُنة، وعددهم 45 من أصل 50 نائباً، مواقف استنكرت عملية التأبين وانتقدت النائبين بشدة، بل إن بعض النواب طالب بإسقاط الحصانة عنهما ما لم يعتذرا من الشعب الكويتي، فيما طالب آخرون بسحب الجنسية الكويتية من النائبين وكل من شارك في عملية التأبين، على أساس أنهم قدموا انتماءهم الطائفي الشيعي على الانتماء الوطني لدولة الكويت!!.

 لقد كشفت هذه الأزمة، التي أحدثت شرخاً في جدار الوحدة الوطنية الكويتية، بعض جوانب الجدل الدائر في المنطقة حول إشكالية العلاقة بين فكرة المواطنة والولاء الطائفي؛ حيث استغل بعضهم تلك الأزمة وغيرها من الأزمات الأخرى السابقة للتأكيد على أن فكرة المواطنة بمعناها الشامل لم تتبلور بعد في دول الخليج العربي، وأن الانتماءات الأولية، لاسيما الطائفية منها، مازالت هي المحرك والمتحكم في سلوك المواطنين في هذه المنطقة، بل وذهب بعض معتنقي الفكر الديني المتشدد إلى حد التشكيك في مسألة ولاء كل أبناء الشيعة في منطقة الخليج لبلدانهم، مكررين بذلك التصريحات التي سبق أن أدلى بها الرئيس المصري عندما ذكر أن شيعة المنطقة يدينون بالولاء لإيران وليس لدولهم./n  وبطبيعة الحال لا يستطيع أحد أن يشكك في حقيقة انتماء شيعة الخليج لبلدانهم وولائهم لها، فخبرة التاريخ أثبتت أن الطوائف المختلفة في دول الخليج العربي تتوحد في ساعة الخطر ويصبح معيار المواطنة هو الأساس الذي تتلاشى أمامه كافة الاعتبارات الفئوية الأخرى؛ فعلى سبيل المثال لا الحصر عارض شيعة البحرين الانضمام لإيران، وصوتوا في الاستفتاء الذي تم تحت إشراف الأمم المتحدة مطلع سبعينيات القرن الماضي لصالح استقلال البحرين تحت حكم أسرة آل خليفة، فيما وقف شيعة الكويت بقوة ضد الاحتلال العراقي لبلدهم عام 1990، كما ساهم أبناء الطائفة الشيعية بقوة في مسيرة التنمية بجميع دول مجلس التعاون. غير أن ذلك لا ينفي حقيقة وجود بعض جوانب التوتر التي عكستها الأزمة الطائفية الأخيرة في الكويت أو التوترات الأمنية والسياسية التي تشهدها البحرين من فترة لأخرى بين النظام الحاكم والمعارضة الشيعية، وهي جوانب يتعين معالجتها من أجل تعزيز الهوية الخليجية وتدعيم فكرة المواطنة الحقيقة، والتي تعني إعلاء قيمة الانتماء والولاء للوطن على أية انتماءات أولية أو طائفية؛ لأن السماح بغلبة وسيادة هذه الانتماءات الأولية سيؤدي حتماً إلى انهيار السلام المجتمعي وربما انهيار الدولة نفسها، وما يحدث في العراق ولبنان ليس ببعيد.

 والمسؤولية هنا مشتركة، تقع على عاتق الفرد والدولة على حد سواء، فالفرد يتعين أن يدرك أن مصالح دولته وأمنها واستقرارها فوق كل اعتبار، وأن الأولوية لانتمائه وولائه لدولته قبل أي انتماءات قبلية أو طائفية، كما ينبغي أن يدرك المواطنون أنهم يشكلون نسيجاً واحداً داخل المجتمع ويواجهون نفس المصير. أما الدولة فيتعين أن تواجه بقوة أية محاولات لإثارة الفتنة الطائفية بين مواطنيها، وأن تعمل على إيجاد إطار سياسي ومجتمعي يكرس مفهوم المواطنة لدى كافة فئات المجتمع وطوائفه، ويعزز من قيم التسامح والتعايش واحترام حريات الآخرين ومعتقداتهم، وهو ما لن يتحقق إلا من خلال تبني خطوات إصلاحية يشعر في إطارها الجميع بأنهم مواطنون لهم نفس الحقوق والواجبات بصرف النظر عن انتماءاتهم الطائفية أو القبلية. ولا يفوتنا هنا الإشارة إلى المبادرة المهمة لدولة الإمارات العربية المتحدة التي كانت قد أعلنت أن عام 2008 هو عام الهوية الوطنية، وشرعت في تنفيذ مجموعة من البرامج والسياسات التي تستهدف ترسيخ قيم المواطنة والولاء في نفوس المواطنين، رغم أن هذه الدولة هي من أكثر دول الخليج والمنطقة استقراراً وانسجاماً مجتمعياً، وهذا التوجه يتعين تعميمه في باقي دول الخليج العربي.

Share

الفعاليات المقبلة

إصدارات