الضغط الدولي على سورية.. في انتظار تطورات الداخل

  • 26 يوليو 2011

لم يكن صدفة على الإطلاق إعلان دمشق قبل أيام قليلة اعترافها بالدولة الفلسطينية في حدود العام 1967، متخلية عن سيرة عقود من الممانعة، والمنافسة مع أصحاب القضية ومخاصمة "عرب التسوية"، بحجة أن سورية لن تُسقط من ضمير العرب مسألة "تحرير فلسطين". لكن يبدو أن للضرورة أحكاماً، وضرورات المرحلة تقضي بتمتين أوضاع النظام عبر أي نوع من المبادرات التي تخفف الضغط الدولي عنه، وتجنبه تداعيات الاحتجاجات الشعبية التي فعلت فعلها في تونس ومصر، وتغلي مفاعيلها في ليبيا واليمن.

بعد دخول الانتفاضة السورية شهرها الخامس، لا يبدو أن الضغط الدولي على نظام الرئيس بشار الأسد وصل إلى مرحلة حاسمة أو أنه يتدرج بطريقة منهجية تفضي إلى نتيجة متوقعة. غير أن دمشق تحاول أن تلعب ببعض الأوراق التي تعزز قوة النظام وتحول دون اكتمال الطوق الإقليمي والدولي عليه. وهي، إذ نجحت بواسطة حلفها مع موسكو وبكين، منذ بداية الانتفاضة وسقوط عشرات القتلى، في فرملة الاندفاعة للإدانة في مجلس الأمن التي قادتها فرنسا والإتحاد الأوروبي استنكاراً لسياسة القمع وتشديداً على الإصلاح، فإنها لا تتوانى عن استخدام الوسائل الدبلوماسية والرسائل المتنوعة لتمرير المرحلة الصعبة على أمل أن تخرج من المأزق الحالي بصيغة تقنع اللاعبين الإقليميين والدوليين بأن سيطرتها، ولو بالقوة على الداخل، تؤهلها من جديد لتكون شريكاً مفيداً في عملية السلام وستاراً حامياً من تفشي "الإسلام السياسي" وضماناً لاستقرار لا بديل منه سوى الغرق في العرقنة أو الاضطراب المثير للقلق في الإقليم.

خسر الرئيس بشار الأسد دعم كثير من قوى المجتمع الدولي الذي فك عزلته قبل ثلاثة أعوام بعد سنوات ثلاث عجاف تلت اغتيال رئيس الوزراء اللبناني رفيق الحريري وانسحاب الجيش السوري من لبنان. وكانت ذروة عودة "سورية الأسد" إلى المجتمع الدولي عبر بوابة "تركيا أردوغان" مشاركة الرئيس السوري صديقه نيكولا ساركوزي في احتفالات 14 تموز/ يوليو 2008 في جادة الشانزليزيه. وحصلت الخسارة الفعلية بعد خطابه الثاني منذ بدء الاضطرابات والذي كرر فيه وعود الإصلاح من دون أي إجراءات فعلية والذي ترافق مع تصاعد استخدام القوة لإخماد الاحتجاجات.

حتى ذلك الحين كانت الولايات المتحدة وأوروبا وتركيا تريد من الرئيس السوري أن يقود بنفسه عملية الإصلاح معتبرة أن الوضع في سورية غير متطابق مع وضع القاهرة وتونس وطرابلس وصنعاء. فلكل بلد خصوصية، ولكل علة دواء.

ويجب الإقرار بأن الموقف الدولي منذ نهاية الشهر الأول على احتجاجات سورية وحتى اليوم، ما يزال يراوح عند الموقف الأصلي نفسه، أي إنه لم يصل إلى مرحلة المطالبة برحيل النظام، على الرغم من القناعة الأوروبية والأمريكية والتركية بأنه غير قادر على الإصلاح. ومرحلة المراوحة هذه تسير على وقع التطورات الميدانية المتعلقة بقدرة الانتفاضة على الاستمرار وقدرة النظام على متابعة الحل الأمني وضمان تماسك الجيش حوله. ولقد حاول الأوروبيون ملء فراغ المرحلة بتشديد العقوبات التي طالت قيادة النظام السياسية والحلقة الأمنية والتجارية الضيقة التي يستند إليها، فيما تأرجحت التصريحات الأمريكية بين إعلان وزيرة الخارجية "أن الأسد فقد شرعيته"، وبين توضيح مصدر في البيت الأبيض بأن كلام الوزيرة "شخصي وغير ملزم للإدارة" مع أن الرئيس الأمريكي يعتقد بأن الأسد سائر على طريق فقدان شرعيته.

يفهم النظام السوري أن نجاحه في منع إصدار قرار يدينه من مجلس الأمن وفي حرمان المتظاهرين الاعتصام في أي ساحة من ساحات سورية، لن يعيد عقارب الساعة إلى الوراء. فالجار التركي الذي كان الأحرص على نصح الأسد شخصياً ومنذ سنوات عديدة بالمباشرة في عملية الإصلاح، هو الطرف الأكثر تأثيراً وفاعلية في أحداث سورية. ومهندس سياسة "صفر مشاكل" أحمد داود أوغلو الذي التقى الأسد منذ تسلمه السلطة 48 مرة لا يخفي خيبته الشديدة من النظام وأسفه لضياع ساعات من الحوارات. هذا الجار التركي هو الوحيد الذي يستطيع تشكيل تصور لمستقبل النظام في حدوده الدنيا والقصوى. فهو لم يتردد في البداية في دعم الأسد والإصلاحات على السواء، لكنه سرعان ما استنكر قتل المتظاهرين وسمح لأحد قادة "الأخوان" بعد نحو أسبوعين من تظاهرات درعا بالتحدث من اسطنبول، ثم تتالى لديه استقبال مؤتمرات المعارضة بالتوازي مع استقبال النازحين من جسر الشغور وزيارة القادة الأتراك للمخيمات.

تركيا أردوغان هذه ليست دولة جارة وصاحبة مصالح فقط لتستطيع دمشق إغراءها بشطب "لواء الاسكندرون" من كتب التاريخ والجغرافيا السورية، ولا مجرد مقاول لتفتح دمشق لها أبواب الاستثمارات في حلب وسائر المناطق في مقابل الصمت عن التطورات. إنها تركيا الإيديولوجية التي تحاول أن تعطي نموذجاً للغرب بأن الإسلام والتعددية لا يتعارضان، وأن الإسلام وتداول السلطة ممكنان، وأن لقاء الحضارات عبر النموذج التركي هو البديل لصدام الحضارات الذي روج له المتطرفون من كل اتجاه. تركيا هذه ثابتة في "دوزنتها" للضغط الإقليمي على دمشق وليست متسرعة. وهي أخذت على قطر في الأشهر الأولى تسرعها وعدم تنسيقها في مناصبة الأسد العداء، لكنها في بداية الشهر الرابع للانتفاضة عادت واستقبلت أميرها فيما يشبه الإقرار بأنه لم يكن مخطئاً في الأساس. وستثبت تركيا أنه مهما كانت نتائج المجابهة الداخلية الدائرة بين نظام البعث والمحتجين فإنه لن يكون باستطاعة السلطات السورية تجاوز برنامج "الحد الأدنى" الذي رسمته أنقرة، وهو تقاسم السلطة مع "الأخوان" وإلغاء المادة الثامنة من دستور سورية التي تحصر بحزب البعث مهمة قيادة البلاد، وفتح الفضاء أمام الإعلام.

وعلى العموم يمكن اختصار المواقف الدولية مما يجري في سورية بأنها ما تزال تقبل ببقاء النظام شرط تنفيذه مجموعة من الإجراءات والإصلاحات الجوهرية، مع أن القناعة الأوروبية والأمريكية والتركية هي أن النظام عاجز عن الإصلاح كون تطبيقه يعني إخلالاً ببنيته كلها. 

وفي الانتظار يراقب المجتمع الدولي تطور الانتفاضة ليبني على الشيء مقتضاه، منتبهاً إلى أن انتفاضات "الأطراف"، حتى ولو كانت بمئات الآلاف في حماة وإدلب ودير الزور، غير كافية في غياب فعلي لمدينتين هما العاصمة دمشق التي ما يزال فيها التظاهر محدوداً في ريفها وبعض أحيائها، والعاصمة التجارية حلب التي ما تزال تعبر بصمتها عن ولائها للنظام. لذلك يمكن القول إن الوضع في سورية مفتوح على كل الاحتمالات استناداً إلى تطورات الوضع الداخلي. ودمشق التي اختارت المواجهة، على عكس الذين أصابتهم سهام الربيع العربي، تعلم أن الحساب الأخير الذي تحسبه الدول القريبة والبعيدة يستند إلى موازين القوى الداخلية. فما يطمئنها هو أن التدخل الخارجي مستبعد إلى حد بعيد، وأن العرب لا يمارسون ضغطاً على المجتمع الدولي لممارسة دوره كما فعلوا في الشأن الليبي، بل على العكس من ذلك فإن الأمين العام الجديد للجامعة العربية يأتي إلى دمشق ليعلن نصف تضامن بلغة ملتبسة. لكن ما لا يطمئنه هو أن الإجراءات التي اتخذتها حكومته حتى الآن لم تستطع أن توقف المطالبات بالتغيير. لذلك فإن كل الرسائل التي تحاول دمشق إرسالها عبر إمساكها بحكومة لبنان وتشديد تحالفها مع "حزب الله" وأحمدي نجاد بالتوازي مع اعترافها بـ "الدولة الفلسطينية" لتأكيد تصريحات وزير الخارجية وليد المعلِّم بأن "سورية جاهزة للتفاوض على السلام"، هي محاولات لاستنفاد كل الوسائل لإعادة صياغة وضعية النظام وتمتين مفاصله على أبواب شهر استثنائي (رمضان) من شهور بلاد الشام، هو شهر. 

Share