الضربات الأمريكية للحشد الشعبي.. الرسائل والانعكاسات

  • 1 يناير 2020

تنطوي الضربات التي قامت بها الولايات المتحدة ضد مواقع ميليشيا الحشد الشعبي التابع لإيران في العراق على أهمية كبيرة لأنها تحمل رسائل عدة، وسيكون لها انعكاسات وتداعيات مهمة؛ حتى على العلاقات الأمريكية-العراقية، وخاصة بعد أن تعرض مجمع السفارة الأمريكية في بغداد للهجوم من عناصر تابعة للحشد الشعبي.
ربما تعتبر الضربات الجوية الأمريكية التي استهدفت خمسة مواقع لكتائب ما يسمى «حزب الله» العراقي التابعة للحشد الشعبي متوقعة من حيث المبدأ، حيث توعدت أمريكا بالرد على أي استهداف لجنودها في العراق أو أي مكان آخر؛ وقد جاءت هذه الضربات، كما أكد المسؤولون الأمريكيون، رد فعل على سلسلة من الهجمات التي شنتها هذه الميليشيات منذ أكثر من شهر على قواعد عسكرية تضم جنوداً أو متعاقدين مدنيين أو دبلوماسيين أمريكيين، وصولاً إلى استهداف السفارة الأمريكية الواقعة في المنطقة الخضراء المحصّنة في بغداد.
وقد أثارت هذه الهجمات ردود أفعال متباينة؛ فقد رفضتها بالطبع الحكومة العراقية، حيث قال بيان صدر بهذا الشأن «إن «الخارجيّة تدين وبشدّة ما أقدمت عليه القوات الأمريكية من قصف مقارّ ألوية تنتمي للحشد الشعبيّ»، واعتبره «انتهاكاً صارخاً لسيادة العراق، وعملاً مُداناً، ترفضه جميع الأعراف، والقوانين التي تحكم العلاقات بين الدول».
بل وقد قالت الخارجية العراقية أنها سوف تستدعي السفير الأمريكي في بغداد، اعتراضاً على ما اعتبرته «انتهاكاً صارخاً لسيادة البلاد»؛ وأكد البيان أيضاً أن العراق «لن تسمح بأن يكون ساحة صراع، أو ممراً لتنفيذ اعتداءات، أو مقراً لاستخدام أراضيه للإضرار بدول الجوار». كما عبرت إيران هي الأخرى عن استنكارها، وحذر المتحدث باسم وزارة الخارجية الإيرانية عباس موسوي، الولايات المتحدة من «عواقب» هجماتها. وبالمقابل، تعتبرها الكثير من دول المنطقة، والعالم، رداً طبيعياً على استفزازات إيران وميليشياتها المنتشرة في العراق، وخاصة بعد استهدافها مصالح أمريكية.
وأياً يكن الأمر، فلا شك أن واشنطن أرادت بهذه الضربات توجيه رسائل مهمة ولأطراف عدة داخل الولايات المتحدة وخارجها: أولاً، رسالة للداخل الأمريكي، مفادها أن الولايات المتحدة ملتزمة بالدفاع عن مصالح مواطنيها وأنها لن تتردد في استهداف أي جهة أياً كانت تمثل تهديداً لها؛ وهذا يأتي في ظل انتقادات شديدة لإدارة الرئيس دونالد ترامب حتى من قِبل حزبه الجمهوري وكذلك أعضاء إدارته، وخاصة السابقين منهم، والذين شككوا في قدرة ترامب على حماية مصالح البلد وامتدادات الأمن القومي لبلادهم؛ حتى إنهم اتهموه برغم تشديد العقوبات بأنه متساهل مع إيران بالنظر إلى ردة الفعل الضعيفة اتجاهها، حتى عندما أسقطت طائرة في الخليج العربي قبل أشهر وهددت الملاحة البحرية بشكل خطير في مضيق هرمز. ثانياً، هناك رسالة إلى إيران مفادها أن واشنطن عازمة على مواجهة تهديداتها والتعامل بحزم مع أذرعها المسلحة التي تستخدمها لتنفيذ أجندتها المؤذية والمهددة لمصالح دول المنطقة؛ وقد لوح وزير الدفاع الأمريكي مارك إسبر بإجراءات إضافية لـ «ردع إيران». ثالثاً، هناك أيضاً رسالة للحلفاء، وهي أن الولايات المتحدة لن تتخلى عن التزامها بالدفاع عن مصالح حلفائها، وأنها ستواصل الضغط على إيران من أجل تغيير سلوكها العدائي تجاه دول المنطقة.
وفيما يتعلق بالانعكاسات والتداعيات، فلا شك أن هذه الضربات سيكون لها تأثيرات مختلفة، فهي ستجبر الميليشيات التابعة لإيران، وإيران نفسها، على التفكير ملياً قبل الإقدام على مهاجمة المصالح الأمريكية، وكذلك الحلفاء، حيث أكد المسؤولون الأمريكيون أنهم معنيون بالدفاع عن مصالح حلفائهم ضد الاعتداءات الإيرانية سواء كانت مباشرة أو بالوكالة. بالمقابل، قد يكون لها انعكاسات سلبية على العلاقات الأمريكية-العراقية رسمياً وشعبياً؛ فقد هاجم متظاهرون غاضبون مجمع سفارة الولايات المتحدة في بغداد؛ واتهم الرئيس الأمريكي، دونالد ترامب، إيران بـ «تنسيق» الهجمات، وقال إنها سوف «تتحمل المسؤولية الكاملة».
والهجوم على السفارة يأتي في سياق الموقف الذي أظهرته مختلف القوى بما فيها الرئاسة والحكومة والبرلمان، بالإضافة بالطبع إلى الميليشيات والأحزاب السياسية التي ترعاها، رفضاً للضربات واعتبرته تدخلاً سافراً، وخاصة أن الضربات تمت على ما يبدو بعد اعتراض الحكومة العراقية عليها عندما أبلغها وزير الدفاع الأمريكي بها قبل شنها؛ وهو ما يفسر ردة الفعل العراقية الغاضبة، وتكرار الحديث عن انتهاك السيادة؛ وكأنها المرة الأولى التي تُنتَهك فيها سيادة العراق!

شارك

الفعاليات المقبلة

إصدارات