الصين تملك مفتاح إدارة حالة الفوضى الناجمة عن فيروس كورونا

  • 9 مايو 2020

تتناول ديانا فو، أستاذة مساعدة في العلوم السياسية بجامعة تورنتو، وزميلة كلية مونك للشؤون العالمية والمعهد الآسيوي للسياسات العامة في تقريرها في فورين بوليسي نهج الحكومة الصينية بالتعامل مع أزمة كورونا، بينما يسخر الإعلام الصيني من الدول الغربية لعدم قدرتها على أن تأتم بنهج الصين في محاربة الفيروس.

إن التهديد الحقيقي الذي يواجه حكومات العالم في ظل الجائحة الحالية ليس الوفيات، بل حالة الفوضى؛ ذلك أن مهمة الحكومات كافة هي العكس؛ أي إرساء النظام، وتحتدم المنافسة في الوقت الراهن بين المجتمعات الديمقراطية في الغرب والأنظمة الاستبدادية، مثل الصين حول من يمكنه استعادة النظام السياسي بسرعة وبأي ثمن.

يرغب الناس في امتلاك القدرة على التنبؤ بالأحداث ويخشون الفوضى، ويشهد العالم سباقاً كبيراً بين البلدان التي تسعى إلى إعادة إرساء نظامها السابق، حيث يهز فيروس كورونا وحالات الإغلاق ثوابت مجتمعاتها، ويهدد بنشر الفوضى. وحتى الآن، يبدو أن أمريكا الشمالية وأوروبا متخلفتان عن الركب، في حين أفادت التقارير بأن الصين، القوة الاستبدادية العظمى، قد احتوت تفشي فيروس كورونا، وبدأت تضع أقدامها على طريق التعافي الاقتصادي.

وطوال هذه الأزمة، كانت الحكومة الصينية تقدم للعالم نهجها الخاص في السيطرة على الفوضى، بينما يسخر الإعلام الصيني من الدول الغربية لعدم قدرتها على أن تأتم بنهج الصين في محاربة الفيروس.

وهذا النهج ليس بجديد؛ حيث ينطوي على استنفار الشعب للمشاركة في «حرب الشعب»، ويفترض أن الفوضى هي العدو المشترك للدولة والمجتمع على حد سواء. وقبل وقت طويل من تولي الرئيس الصيني شي جين بينغ السلطة، طور الحزب الشيوعي الصيني مجموعة من الأساليب المجربة والموثوق بها لاحتواء الفوضى. ومنذ الحراك الديمقراطي في تيانانمن عام 1989، كان الحفاظ على الاستقرار الاجتماعي الداخلي على رأس الأولويات السياسية.

ويقبل العديد من الصينيين أيضاً الفكرة القائلة بأن الحفاظ على الاستقرار الاجتماعي هو أهم عوامل تحقيق الصالح العام، والخوف الصيني من الفوضى راسخ في النفس الوطنية، وفي الحقبة الأخيرة، غرس الحزب الشيوعي الصيني الشعور بالخوف من الفوضى والاضطراب في وجدان عامة الناس، بل إن بعض النشطاء الحقوقيين شعروا أن الصين بحاجة إلى الإصلاح، ولكن ليس على حساب إطلاق الفوضى الكاملة.

ويمكن أن تتكشف الفوضى في مجالات ثلاثة: العقلية والثقافية والمجتمعية. على المستوى العقلي، عرّف الحكام الصينيون الفوضى بأنها أي طريقة تفكير تختلف عن طريقة تفكير الحزب الشيوعي الصيني، ويستخدم ما يسميه «العمل الفكري» لمعالجة أي اختلاف، وعندما يتجاوز طلاب الجامعات الصينيون المنتمون إلى الجماعات الماركسية والنشطاء الآخرين الحدود، تجبرهم الحكومة على تصحيح أفكارهم من خلال الاعترافات.

ويمكن أن تظهر الفوضى أيضاً في المجال الثقافي، وتعتبر المذكرات الرقمية للكاتبة فانغ فانغ، مثالاً عليها؛ إذ أغضبت مذكراتها، التي اجتذبت 3.8 مليون متابع، مستخدمي الإنترنت الصينيين الذين شعروا أنها تصدِّر الفوضى الداخلية بالصين للشعوب الغربية.

أما في المجال الاجتماعي، فترى الدولة العمل الجماعي المنظم على أنه فوضى عارمة، ولا تُستخدم عبارة «حركات اجتماعية» في اللغة الرسمية، وإنما توصف حركات مثل احتجاجات هونغ كونغ الأخيرة في الإعلام الرسمي ومنشورات وسائل التواصل الاجتماعي على أنها «فوضى متحركة» أو «فوضى مشاغبة».

لكن هذا النهج لا يخلو من المخاطر الكامنة. وتتمثل الخطوة الأولى له في إخفاء المشكلة، انطلاقاً من الثقة بإمكانية إخماد معظم التهديدات في وقتٍ مبكر وإزاحتها جانباً، وإذا فشلت هذه الخطوة، وتفجرت المشكلة، يُلجأ إلى الخطوة الثانية، وهي استعادة النظام الداخلي وتوجيه أصابع الاتهام إلى الدخلاء والمندسين الأجانب.

تقتضي الخطوة الأولى معالجة الاضطراب والتكتم عليه حتى لا يتفشى في سائر المجتمع، ومن أمثلتها إسكات حكومة هوبي المحلية لكاشفي أخبار تفشي فيروس كورونا، وهو تكتيك يستخدمه المسؤولون المحليون في جميع أنحاء البلاد لإسكات المعارضين. وحشد مسؤولي هوبي مستخدمي الإنترنت لنشر أخبار زائفة لم يكن شيئاً جديداً أو غير معتاد؛ ففي عام 2013، أطلق الرئيس شي حملة ضد الشائعات تهدف إلى معاقبة المنتقدين عبر شبكة الإنترنت، وتنجح معظم هذه الأساليب في تحقيق أهدافها. والطبيب المقيم في ووهان، لي ون ليانغ، كان مجرد طبيب واحد من بين العديد من الأفراد الذين أخرست الحكومة ألسنتهم، لكن الفرق أن قصته انتشرت هذه المرة.

وإذا خرج التكتم والتستر عن السيطرة، تلجأ الصين إلى الخطوة الثانية، وهي استعادة النظام المحلي بأي ثمن كان؛ لأن الحفاظ على الاستقرار الاجتماعي كان دائماً على رأس الأولويات السياسية باعتباره الركيزة الأساسية التي تعطي الشرعية للحزب الشيوعي الصيني.

ومنذ اليوم الأول، تعاملت الحكومة الصينية مع تفشي فيروس كورونا باعتباره تهديداً للأمن الداخلي، وليس فقط حالة طوارئ صحية عامة، وحشدت كل أجهزة الدولة على مستوى الحكومة والمجتمع، وبدأت الحكومات في مواجهة الأزمة، وطُلب من المواطنين مراقبة جيرانهم، وزودت شركات التكنولوجيا الصينية الشرطة ببيانات من التطبيقات الصحية التي تحدد إذا ما كان ينبغي عزل المواطنين بالحجر الصحي أو لا، وفُرض حظر على حركة نحو 60 مليون شخص في ووهان من أجل تحقيق الصالح الأكبر والاستقرار الاجتماعي.

ولا شك أن إجراءات السيطرة المفرطة هذه كانت ستؤجج الاحتجاجات، وربما أعمال الشغب في أي مجتمع حر، لكن ليس في الصين. وبالرغم من ظهور ثورة على شبكة الإنترنت بعد وفاة الطبيب الذي كشف عن تفشي الفيروس، والذي عوقب لقوله الحقيقة في وقت مبكر جداً، تعتقد الغالبية العظمى من الصينيين أن الحكومة أنقذتهم من مصير الإيطاليين والأمريكيين.

وما إن بدأت حالات العدوى المحلية في الصين تدخل تحت السيطرة، إلا واتبَّع الإعلام الرسمي طريقة أخرى مألوفة؛ وهي إلقاء اللوم في سبب وقوع الأزمة وسوء التعامل معها على الأجانب، والقصة الطويلة التي نسجت خيوطها وزارة الخارجية الصينية حول يد الولايات المتحدة في تفشي الفيروس هي تكتيك قديم، يعود إلى حركة تيانانمن الديمقراطية عام 1989؛ إذ اتهم القائد آنذاك جيانغ زيمين العلماء الغربيين الذين جمعوا وثائق تيانانمن بمحاولة «الدعاية لهذا الحدث لخلق فوضى داخلية لنا». ومنذ ذلك الحين، ما انفكت الحكومة الصينية تلقي باللوم على الغرب في العديد من الحركات الاجتماعية الداخلية، بما في ذلك «ميثاق 08» و«ثورة الياسمين»، وعندما نزل سكان هونغ كونغ إلى الشوارع في الأشهر التي سبقت تفشي فيروس كورونا، ألقت الحكومة الصينية باللوم في الاحتجاجات على «اليد السوداء» للقوى الغربية.

لقد ولد النموذج الصيني للاستجابة لحالات الطوارئ الوطنية من رحم سياسة السيطرة على الفوضى، لكنه نموذج لا ينبغي، ولا يمكن محاكاته في بلدان أخرى؛ ذلك أن المواطنين في المجتمعات الحرة يرتاحون بصورة أكبر في ظل وجود مستوى من الانشقاق والفوضى، ويعتبرون محدودية نطاق الاستقرار ثمناً للحرية.

وإذا لم تكن أمريكا مجرد دولة وإنما فكرة أيضاً، فإن فكرتها المحورية هي أن أهمية الحرية تعدل أهمية الحياة نفسها. فهل ثمة غرابة أنه بالرغم من تكبد الولايات المتحدة 70 ألف حالة وفاة مرتبطة بالفيروس، ما زال العديد من الأمريكيين يتحدون أوامر العزلة الاجتماعية؟ يبدو أن المتظاهرين المناهضين للإغلاق في الولايات المتحدة يتبنون صرخة الأب المؤسس باتريك هنري حين قال «أعطني الحرية، أو أعطني الموت»، وهذا يعكس اختلافاً جوهرياً في القيم السياسية بين الصين والغرب.

في خضم هذا السباق الكبير، يجب على قادة المجتمعات الحرة الغربية أن توازن بين استعادة النظام بسرعة وبين الحفاظ على حريات الأفراد والحكومات المحلية، ولعل هذا ما أدى إلى تبني سياسات مرتبكة أسفرت عن تباطؤ العمل، وأثارت نقاشات مقلقة بشأن إجراءات الإغلاق الوطنية.

لكن السباق لم ينته بعد، ومقاييس النجاح تختلف باختلاف النظم السياسية؛ فبالنسبة للحكومة الصينية والسواد الأعظم من مواطنيها، فإن الهدف واحد، وهو استعادة النظام، لأنه هو الذي يضمن تحقيق الصالح العام، وخاصة أن حقيقة استخدام الحكومة الصينية لتكنولوجيات المراقبة الجديدة قد تستمر لفترة طويلة بعد انقشاع الجائحة لا تزعج مواطنيها.

وربما تكون الفكرة التي ستخلِّفها الجائحة لدى كثيرين هي أن العيش في ظل نظام ديكتاتوري على غرار الصين أحسن كثيراً من العيش في المجتمعات الغربية الحرة التي لا يمكنها احتواء الاضطراب بسرعة.

إن استعادة النظام في نظر حكومات وشعوب ما يسمى «العالم الحر» تعني أيضاً التخلص من القيود المفروضة على الحرية التي أفرزها تفشي فيروس كورونا، ويبقى السؤال: هل ستكون هذه الدول قادرة على إقناع بقية العالم أن الحرية ما تزال تستحق عناء الكفاح من أجلها؟

شارك

الفعاليات المقبلة

إصدارات